فصل: في معنى النص والظاهر والمجمل والمتشابه والمحكم

٤٠ فقرة، ج ١ ص ١٥٠

  1. قد ذكرنا أن الأولى تقديم كلام يحوى حقيقة النص والظاهر والمجمل والمتشابه والمحكم حتى إذا نجز الغرض فيه أعقبناه بما يقع التخصيص به ثم أوردنا الكلام في رتب التأويلات والمقبول منها والمردود.

    ج ١ ص ١٥٠
  2. معنى النص

    ٣١٤- فلتقع البداية بالنص وقد اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقته فقال بعضهم هو لفظ مفيد لا يتطرق إليه تأويل وقال بعض المتأخرين هو لفظ مفيد استوى ظاهره وباطنه واعترض بعض المتكلمين على ذكر اللفظ في محاولة تحقيق النص فقال الفحوى تقع نصا وإن لم يكن معناها مصرحا به لفظا.

  3. وهذا السؤال ساقط لأن الفحوى لا استقلال لها وإنما هي مقتضى لفظ على نظم ونضد مخصوص قال تعالى في سياق الأمر بالبر والنهي عن العقوق والاستحثاث على رعاية حقوق الوالدين: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} ١ فكان سياق الكلام على هذا الوجه مفيدا تحريم الضرب العنيف ناصا وهو متلقى من نظم.

  4. مخصوص فالفحوى إذا آيلة إلى معنى الألفاظ.

    ج ١ ص ١٥١
  5. ٣١٥ - ثم اعتقد كثير من الخائضين في الأول [عزة] النصوص حتى قالوا [إن] النص في الكتاب قوله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ١ وقوله: {مُحَمَّدٌ رسول الله} ٢ وما يظهر ظهورهما ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى وهو مرتبط حكم شرعي وقضوا بندور النصوص في السنة حتى عدوا أمثلة معدودة محدودة منها: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار٣ الأسلمي في الأضحية لما ضحى ولم يكن على النعت المشروع: "تجزئك ولا تجزىء ٤ أحدا بعدك" , وقوله عليه السلام: "واغد يا أنيس ٥ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ٦ وهذا قول من لا يحيط بالغرض من ذلك والمقصود من النصوص الاستقلال بإفادة المعاني على قطع مع انحسام جهات التأويلات وانقطاع مسالك الاحتمالات وهذا وإن كان بعيدا حصوله بوضع الصيغ ردا إلى اللغة فما أكثر هذا الغرض مع القرائن الحالية والمقالية وإذا [نحن] خضنا في باب التأويلات وإبانة بطلان معظم مسالك المؤولين استبان للطالب الفطن أن جل ما يحسبه الناس ظواهر معرضة للتأويلات فهي نصوص وقد تكون القرينة إجماعا واقتضاء عقل أو ما في معناهما ولو رددنا إلى تتبع اللفظ فليست جهات الإمكان منحسمة على ما استشهد به هؤلاء في ابتغاء التنصيص وإنما استد التأويل في الآية التي متضمنها التوحيد لاعتضادها بمقتضى العقل وكم للحشوية المشبهة من خبط يناقض حقيقة التوحيد وشفاء الغليل في ذلك يظهر في باب التأويلات إن شاء الله عز وجل.

  6. ٣١٦- فأما الشافعي فإنه يسمى الظواهر نصوصا في مجاري كلامه وكذلك القاضي أبو بكر وهو صحيح في أصل وضع اللغة فإن النص معناه الظهور يقال نصت الظبية إذا عنت وظهرت ومنه المنصة لكرسي العروس التي تظهر عليه وهي تجلى ونص الرجل في السير إذا أسرع فيه وفي الحديث "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق في إفاضته من عرفة في طريق المأزمين فكلما وجد فجوة نص" .

    ج ١ ص ١٥٢
  7. وهذا الآن كاف في معنى النص.

  8. معنى الظاهر.

  9. ٣١٧- فأما الظاهر قال القاضي هو لفظة معقولة المعنى لها حقيقة ومجاز فإن أجريت عى حقيقتها كانت ظاهرا وإذا عدلت إلى جهة المجاز كانت مؤولة والذي ذكره صحيح في بعض الظواهر وتبقى من الظواهر أقسام لا تحويها العبارة التي ذكرها فإنه ذكر تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز وجعل وجه الظهور الجريان على الحقيقة.

  10. ويخرج مما ذكره المجازات الشائعة المستفيضة في الناس المنتهية في جريانها حائدة عن الحقيقة إلى منتهى لا يفهم منها حقيقة موضوعها كالدابة فإنها من دب يدب قطعا وهي على بناء فاعل مترتب على قياس مطرد في الفعل المتصرف وحملها على الدبيب المحض حيد عن الظاهر فإنها مختصة بأشياء تدب فهذا في ظاهره جهة المجاز وتأويله جهة الحقيقة وكذلك الألفاظ الشرعية كالصلاة وغيرها فحقيقتها في ألفاظ الشرع من أبعد التأويلات إذا طلب الطالب الحمل عليها.

  11. ٣١٨- قال الأستاذ أبو إسحاق: ١ الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى وله عنده وجه في التأويل مسوغ لا يبتدره الظن والفهم ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز وما يجري على الضد منه.

  12. فمن الظواهر إذن مطلق صيغة الأمر فالصيغة ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب والإباحة كما سبق في القول في محامل الصيغ.

  13. ومنها صيغة النهي المطلقة فهي ظاهرة في التحريم مؤولة إذا حملت على التنزيه.

  14. ومنها النفي الشرعي المطلق في قوله صلى الله عليه وسلم١: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" فهي ظاهرة في نفي الجواز مؤولة في نفي الكمال.

    ج ١ ص ١٥٣
  15. ومنها حمل الصيغ المطلقة الموضوعة في اللغة للعموم على وجه العموم ظاهر مؤول حمله على وجه في الخصوص.

  16. ومنها تلقى المفهوم من التخصيص على الشرط الذي سيأتي والاستمساك به تعلق بالظاهر وتركه في حكم التأويل.

  17. ٣١٩- ثم الظهور قد يقع في الأسماء وقد يقع في الأفعال وقد يقع في الحروف فوقوعه في الأسماء والأفعال بين ووقوعه في الحروف مثل: "إلى" فإنه ظاهر في التحديد والغاية مؤول في الحمل على الجمع وهذه معاقد تفصلها التأويلات إن شاء الله تعالى.

  18. معنى المجمل.

  19. ٣٢٠- فأما المجملات فقد يطلق المجمل على العموم في قولك أجملت الحساب إذا جمعت آحاده وأدرجته تحت صيغة جامعة لها.

  20. ولكن المجمل في اصطلاح الأصوليين هو المبهم والمبهم هو الذي لا يعقل معناه ولا يدرك مقصود اللافظ ومبتغاه من قولهم أبهمت البئر إذا سددته وردمته ومنه سمى الكمي: البهمة وهو المقنع المبرقع الذي لا يدري من هو.

  21. ٣٢١- ثم المجمل على أقسام فقد يكون اللفظ مجمل الحكم والمحل كقولك لفلان في بعض مالي حق فالحكم وهو الحق مجهول والمحل وهو بعض المال مجهول.

  22. ومنها أن يكون الحكم مجهولا والمحل معلوما كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ٢ فالمحل الذي هو مورد الحق معلوم وهو الزرع والحكم الذي وقع التعبير عنه بالحق مجهول القدر والصفة والجنس.

  23. ومنها ما يكون الحكم منه معلوما والمحل مجهولا: كقول القائل لنسائه:

    ج ١ ص ١٥٤إحداكن طالق أو لعبيده أحدكم حر فالحكم الطلاق والعتاق وهو معلوم ومحلهما مجهول.

  24. ومنها ما يكون [المحكوم] فيه معلوما والمحكوم له وبه مجهولين ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} ١ فالمحكوم فيه القتيل والمحكوم له الولى وهو مجهول وكذلك المحكوم به مجهول لأن السلطان مجهول في وصفه.

  25. ومن وجوه الإجمال أن يكون اللفظ موضوعا لمعنيين أو أكثر وعلمنا أن المراد به أحد معانيه وهو مثل العين والقرء وسائر الألفاظ المشتركة.

  26. ومن وجوه الإجمال أن يكون اللفظ بحيث لو فرض الاقتصار عليه لظهر معناه ولكنه وصله باستثناء مجهول فانسحب حكم الجهالة على اللفظ كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} ٢ وهذا لو قدر الاقتصار عليه لكان مفهوما عند من يدريه ثم قال: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} ٣ فانعكس الإجمال على أول المقال.

  27. ومن وجوه الإجمال أن يرد لفظ موضوعه في اللسان العموم ولكنا نعلم أن العقل ينافى جريانه على حكم العموم فمقتضى اللفظ على الإجمال إلى أن ينهى العاقل نظره العقلى.

  28. ٣٢٢- وأما قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} ٤ فقد تردد جواب الشافعي في أن قوله وأحل الله البيع من المجملات وسبب تردده أن لفظ الربا مجمل وهو مذكور في حكم الاستثناء عن البيع والمجهول إذا استثنى من المعلوم انسحب على الكلام كله إجمال.

  29. والمرضى عندنا أن البيع الذي لا مفاضلة فيه بوجه من الوجوه مستفاد من قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} ٥ بلا إجمال وكل صفة اشتملت على جهة من جهات الزيادات فالأمر فيها على الإجمال فإن الأمر يشعر بالزيادة ولا يحرم كل زيادة.

  30. فهذا كاف في ذكر المجملات وهذا موضوع توطئة وترجمة والتفصيل محال على باب التأويلات.

  31. معنى المحكم والمتشابه.

    ج ١ ص ١٥٥
  32. ٣٢٣- فأما المحكم والمتشابه فقد ذهب عمرو بن عبيد١ وواصل بن عطاء٢ إلى أن المحكم الوعيد بالفسقة من مرتكبي الكبائر [بناء على أصله] .

  33. والمتشابه: الوعيد الملتحق بأصحاب الصغائر.

    وقال الأصم: ٣ المحكم ما احتج به البارئ سبحانه وتعالى: من نعوت الرسول صلى الله عليه وسلم في كبت المنكرين والمتشابه ما ذكر من نعوته في القرآن وقال بعضهم: المحكم أي القرآن كلها والمتشابه: الحروف المتقطعه وقيل: المحكم: الناسخ والمتشابه: المنسوخ وقال أبو إسحاق الزجاج المتشابه أمر الساعة ووقت وقوعها وما عداه محكم.

  34. وكان المنكرون يحفون في السؤال عنه قال الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ٤ وقال: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} ٥ وكان يقول عليه السلام:٦ "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" وحمل قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ٧ فقال معناه وما يعلم مآله وآخره إلا الله قال ومصداق ذلك قوله في سورة الأعراف: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} ٨ يعني القيامة وما فيها.

  35. ٣٢٤- والمختار عندنا أن المحكم كل ما علم معناه وأدرك فحواه.

  36. والمتشابه هو المجمل وقد سبق معناه.

  37. ٣٢٥- فإن قيل هل بقى في كتاب الله تعالى وقد استأثر الله تعالى برسوله محمد صلى الله عليه وسلم مجمل قلنا اضطراب العلماء فيه فمنع مانعون هذا واستروحوا إلى قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ٩ وقال أيضا لو سوغ اشتمال القرآن على مجملات لتطرق إلى القرآن وجوه من المطاعن.

    ج ١ ص ١٥٦وقال قائلون: لا يمتنع اشتمال القرآن على مجملات لا يعلم معناها إلا الله.

  38. ٣٢٦- والمختار عندنا أن كل ما يثبت التكليف في [العمل به يستحيل] استمرار الإجمال فيه فإن ذلك يجر إلى تكليف المحال ومالا يتعلق بأحكام التكليف فلا يبعد استمرار الإجمال فيه واستئثار الله تعالى بسر فيه وليس في العقل ما يحيل ذلك ولم يرد الشرع بما يناقضه.

  39. وقد نجز ما نحاوله في بيان النص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه.

  40. ونحن نفتتح القول فيما يجوز به تخصيص عموم الكتاب والسنة ونرسم في ذلك مسائل تأتي على تمام الغرض في ذلك إن شاء الله تعالى.