فصل: القول في المفهوم

٦٩ فقرة، ج ١ ص ١٦٥

الصفحة ١ من ٢

  1. ٣٥٣- ما يستفاد من اللفظ نوعان أحدهما متلقى من المنطوق به المصرح بذكره والثاني ما يستفاد من اللفظ وهو مسكوت عنه لا ذكر له على قضية التصريح.

    ج ١ ص ١٦٥
  2. فأما المنطوق به فينقسم إلى النص والظاهر وقد قدمنا فيهما تأصيلا وتفصيلا ما يقنع الناظر ولم يندرج المجمل في هذا التفسير لأنا حاولنا تقسيم ما يفيد وأما ما ليس منطوقا به ولكن المنطوق به مشعر به فهو الذي سماه الأصوليون المفهوم والشافعي قائل به وقد فصله في الرسالة أحسن تفصيل ونحن نسرد معاني كلامه.

  3. ٣٥٤- فمما ذكره أن قال: المفهوم قسمان: مفهوم موافقة, ومفهوم مخالفة.

  4. أما مفهوم الموافقة: فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة الأولى وهذا كتنصيص الرب تعالى في سياق الأمر ببر الوالدين على النهي عن التأفيف فإنه مشعر بالزجر عن سائر جهات التعنيف.

    ج ١ ص ١٦٦
  5. وأما مفهوم المخالفة فهو ما يدل من جهة كونه مخصصا بالذكر على وجه سيأتي الشرح عليه على أن المسكوت عنه مخالف للمخصص بالذكر كقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" هذا التخصيص يشعر بأن المعلوفة لا زكاة فيها.

  6. وذكر الأستاذ أبو بكر بن فورك في مجموعاته فصلا لفظيا بين قسمى المفهوم فقال ما دل على الموافقة فهو الذي يسمى مفهوم الخطاب وما دل على المخالفة فهو الذي يسمى دليل الخطاب وهذا راجع إلى تلقيب قريب.

  7. وذهب أبو حنيفة إلى نفي القول بالمفهوم ووافقه جمع من الأصوليين.

  8. ٣٥٥- وأما منكرو صيغ العموم ولما يتطرق إليها من تقابل الظنون فلا شك أنهم ينكرون المفهوم فإن تقابل الظنون فيه أوضح وهو بالتوقف أولى.

  9. وشيخنا أبو الحسن مقدم الواقفية وقد نقل النقلة عند رد الصيغة والمفهوم وفي كلامه ما يدل على القول بالمفهوم فإنه تعلق في مسألة الرؤية بقوله سبحانه: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ١ وقال [لما] ذكر الحجاب على إذلال الأشقياء أشعر ذلك بنقيضه في السعداء وقد تحققت على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصيغ على ما اعتقده معظم النقلة ولكنه قال في مفاوضة مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ وال مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي القطع فيه ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظواهر في مظان الظنون.

  10. نعم باح القاضي بجحد الصيغ في المواضع التي تقدم ذكرها في العقليات والعلميات وصرح بنفي المفهوم.

  11. ٣٥٦- ثم من أنكر المفهوم لم يجحد ما يسمى الفحوى في مثل قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ٢ ثم اضطربوا فيه فقال قائلون كل ما دل من جهة الموافقة من حيث أشعر الأدنى بالأعلى فهو معترف به.

  12. وذهب المنتمون إلى التحقيق من هؤلاء إلى أن الفحوى الواقعة نصا مقبولة قطعا وليس ثبوتها من جهة إشعار الأدنى بالأعلى ولكن مساق قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} ١ إلى مختتم الآية مشتمل على قرائن في الأمر بالتناهي في البر يدل مجموعها إلى تحريم ضروب التعنيف وليس يتلقى ذلك من محض التنصيص على النهي عن التأفيف إذ لا يمتنع في العرف أن يؤمر بقتل شخص وينهى عن التغليظ عليه بالقول والمواجهة بالقبيح وضابط مذهب هؤلاء أن المقطوع به يستند إلى قرائن مجتمعة ولا سبيل إلى نفى القطع وما يتطرق إليه الظنون فهو من المفهوم المردود عندهم وإن كان مقتضيا للموافقة عند القائلين بالمفهوم.

    ج ١ ص ١٦٧
  13. ٣٥٧- ومما تردد فيه من رد المفهوم الشرط وأبوابه فذهب الأكثرون إلى الاعتراف باقتضاء الشرط وتخصيص الجزاء به وغلا غالون بطرد مذهبهم في رد اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به وهذا سرف عظيم.

  14. ٣٥٨- ومن قال بالمفهوم حصر مفهوم الموافقة في إشعار الأدنى في قصد المتكلم بالأعلى ثم ينقسم ذلك إلى ما يقع نصا وإلى ما يقع ظاهرا فالواقع نصا كالمتلقى من قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ٢ وما يقع ظاهرا كقوله: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ٣ فقال الشافعي تقييد القتل بالخطأ في إيجاب الكفارة يدل على أن إيجابها في قتل العمد أولى وهذا الذي ذكره ظاهر غير مقطوع به إذ يتطرق إليه إمكان اخر سوى ما ذكره الشافعي من إشعار الأدنى بالأعلى.

  15. ٣٥٩- فأما مفهوم المخالفة فقد حصره الشافعي في وجوه من التخصيص منها التخصيص بالصفة كقوله٤: "في سائمة الغنم زكاة" ٥ وكقوله عليه السلام٦: "ليّ الواجد ٧ ظلم" ومنها التخصيص بالعدد والتقدير والتخصيص بالحد والتخصيص بالمكان والزمان وظاهر هذه التخصيصات في هذه الجهات يتضمن نفى المسكوت عنه.

  16. في الأمر المقصود في المخصص المنطوق به ونص رضي الله عنه على أن تخصيص المسميات بألقابها يتضمن نفى ما عداها.

    ج ١ ص ١٦٨
  17. وذهب أبو بكر١ الدقاق من أئمة الأصول إلى أن التخصيص بالألقاب ظاهر في نفي ما عدا النصوص عليه وقد صار إلى ذلك طوائف من أصحابنا.

  18. وما ذكره الشافعي٢ من حصر القول بالمفهوم في الجهات التي عدها من التخصيصات حق متقبل عند الجماهير ولكن لو عبر معبر عن جميعها بالصفة لكان ذلك منقدحا فإن المعدود والمحدود موصوفان بعدهما وحدهما والمخصوص بالكون في مكان وزمان موصوف بالاستقرار فيهما فإذا قال القائل زيد في الدار فإنما يقع خبرا ما يصلح أن يكون مشعرا عن صفة متصلة بظرف زمان أو بظرف مكان والتقدير مستقر في الدار أو كائن فيها والقتال واقع يوم الجمعة فالصفة تجمع جميع الجهات التي ذكرها ومن ينكر المفهوم فإنه يأبى القول في جميع هذه الوجوه.

  19. ونحن الآن نعقد مسألتين تشتمل إحداهما على تعارض القائلين بالمفهوم ومنكريه [وتحتوي] على ما نختاره فيه وتشتمل الثانية على مكالمة الدقاق٣ وإبداء السر في التخصيص بالألقاب فلتقع البداية بالمسألة الأولى:.

  20. مسألة.

  21. ٣٦٠- يذكر وجوه احتجاج القائلين بالمفهوم ونتتبع ما لا نرضى منها بالإفساد ثم نعقبها بوجه الحق.

  22. فمن طرقهم أنه صار إلى القول بالمفهوم أئمة العربية منهم أبو عبيدة٤ معمر بن المثنى وهو إمام غير مدافع ولئن ساغ الاحتجاج بقول أعرابي جلف من.

  23. الأقحاح فالاحتجاج بقول أبي عبيدة أولى وقد قال في قول الرسول صلى الله عليه وسلم١: "مطل الغنى ظلم" يدل على أنه لا ملام على المقتر وقد قال في قوله عليه السلام٢: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا" وهذا يدل على توبيخ من لا يعتني بغير الشعر فأما من جمع إلى علومه علم الشعر فلا يلام عليه والشافعي من القائلين بالمفهوم وقد احتج [بقوله] الأصمعي٣ وصحح عليه دواوين الهذليين.

    ج ١ ص ١٦٩
  24. وهذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي ينطقه طبعه فيقع التمسك بمنظومه ومنثوره ولا يعدم من يتمسك بهذه الطريقة المعارضة وقصارى الكلام تجاذب ونزاع واعتصام بنفس المذهب.

  25. ٣٦١- طريقة أخرى لمثبتي المفهوم قالوا وردت أخبار نقلها آحاد وهي لو جمعت لالتحق معناها بالمستفيض٤ الذي لا يستراب فيه وسبيله سبيل الحكم بجود حاتم٥ وشجاعة علي والأقاصيص المأثورة عنهما أفراد ثم نقل هؤلاء جملا من أخبار الآحاد وزعموا أنها تشعر بإثبات القول بالمفهوم فمما ذكروه ما روى عن يعلى٦ بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب٧ ما بالنا نقصر وقد أمنا وأشار إلى قوله.

  26. تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} ١ فقال لقد تعجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٢.

    ج ١ ص ١٧٠
  27. ٣٦٢- ونحن لا نتجاوز خبرا من متمسكاتهم حتى نورد من طريق التفصيل عليهم ما يسقط معتصمهم فنقول على هذا الحديث قد كان ثبت وجوب الصلاة أربعا في غير حالة الخوف [واستقر الشرع عليه وورد القصر مخصوصا بحالة الخوف] فاعتقدوا وجوب الإتمام في غير حالة الخوف على ما تمهد الشرع عليه فلم يكن [ذلك] قولا بالمفهوم والذي يحقق ذلك أنه لو فرض مع ما تقدم تخصيص بلقب لكان ما عدا المخصوص مقرا على ما استمر الشرع عليه قبل ذلك وإن لم يكن للألقاب مفهوم على أن الآية اقتضت التخصيص على صيغة الشرط فإنه تعالى قال: {إِنْ خِفْتُمْ} وقد قال بتخصيص الشرط معظم من أنكر المفهوم.

  28. ٣٦٣- ومما تعلقوا به قوله تعالى: {سْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ٣ قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأزيدن على السبعين" ٤ قلنا هذا لم يصححه أهل الحديث أولا٥ وقد قال القاضي رضي الله عنه: من شدا طرفا من العربية لم يخف عليه أن قول الله تعالى لم يجر تحديدا بعدد على تقدير أن الزائد عليه يخالفه وإنما جرى ذلك مويسا من مغفرة المذكورين وإن استغفر لهم [ما يزيد على السبعين] فكيف يخفى مدرك هذا وهو مقطوع به عمن هو أفصح من نطق بالضاد؟.

  29. ٣٦٤- وما يطلقونه من هذا الفن ما روى أن ابن عباس٦ كان لا يرى حجب الأم من الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة والأخوات ويحتج بقوله تعالى: {فَإِنْ

    ج ١ ص ١٧١كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} ١ وكان يرى أن الأمر في الاثنين بخلاف الإخوة وقال لعثمان٢ رضي الله عنه محتجا عليه: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك, قلنا: أولا انفراده بهذا المذهب ومخالفته جملة الصحابة يعارض احتجاجه وقد قيل إنه لما قال لعثمان ليس الأخوان إخوة في لسان قومك قال له عثمان ردا عليه إن قومك حجبوها باثنين يا صبي ثم قد تمهد للأم الثلث بالنص ثم استبان ردها إلى السدس في حالة مخصوصة فرأى ابن عباس٣ تقرير ما عدا تيك الحالة على ما تمهد مطلقا قبل الحجب والرد.

  30. ٣٦٥- وربما يستدلون بأن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقدوا أنه لا غسل على من يواقع ويكسل ولا ينزل واعتصموا بقوله عليه السلام٤: "الماء من الماء" ومعناه وجوب استعمال الماء من نزول الماء قلنا قد كان الشرع على ذلك في ابتداء الإسلام وقد نقل الرواة فيه أخبارا.

  31. منها ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بدار رجل من الأنصار فناداه فتريث قليلا ثم برز ورأسه تقطر ماء فاستبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان مخالطا أهله وقد اغتسل فقال صلى الله عليه وسلم: "لعلنا أعجلناك لعلنا أقحطناك إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك" ٥ ثم تبين نسخ هذا الأصل بما روى عن عائشة٦ رضي الله عنها أنها قالت: "إذا التقى ٧ الختانان فقد وجب الغسل" , فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا "٨ فلم يصح الاحتجاج بقوله عليه السلام: " الماء من الماء" ٩ وإنما نقل مذهب أقوام على الإطلاق وله محمل كما ذكرناه.

  32. وبالجملة ليس يخلو المتمسك لهولاء من وجه أو وجوه [توهى] ما يحولونه ويتخذونه معولهم فكيف يسوغ التعلق بالمحتملات في محاولة القطع والبتات؟.

    ج ١ ص ١٧٢
  33. ٣٦٦- ثم قال القاضي هذه الأخبار وإن زادت أضعافا مضاعفة فلا [تبلغ] مبلغ الاستفاضة فإن رواة هذه الأقاصيص لو اجتمعوا على نقل قصة واحدة لم تتواتر بنقلهم والمعتبر في ذلك أنا مضطرون إلى العلم بجود حاتم وشجاعة على ولا نجد في أنفسنا العلم الضروري باعتقاد الأولين اقتضاء التخصيص نفى ما عدا المخصص.

  34. ٣٦٧- طريقة أخرى لأصحاب المفهوم ضعيفة: وهي أنهم قالوا: إذا قال الرجل لمن يخاطبه: اشتر لي عبدا هنديا اقتضى ذلك نهيه عن شراء من ليس هنديا قالوا هذا ومثله مما لا يتمارى فيه أهل اللسان.

  35. فنقول: لا حاصل لهذا الفن فإن المأمور كان محجورا عليه مقبوضا على يديه في حق من [وكله] قبل أن وكله واستنابه ثم ثبت التوكيل على الخصوص واستمر ما كان ثبت قبل في غير المحل المخصوص بالصفات والذي يقطع الشغب عنا أن فرض التخصيص باللقب في هذا بمثابة فرض التخصيص بالصفات.

  36. ٣٦٨- فأما الإمام الشافعي فإنه احتج في إثبات القول بالمفهوم بأن قال إذا خصص الشارع موصوفا بالذكر فلا شك أنه لا يحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص وإجراء الكلام من غير فرض تجريد القصد إليه يزري بأوساط الناس فكيف يظن ذلك بسيد الخليقة صلى الله عليه وسلم؟ فإذا تبين أنه إذا خصص فقد قصد إلى التخصيص فينبني على ذلك أن قصد الرسول عليه السلام في بيان الشرع يجب أن يكون محمولا على غرض صحيح إذ المقصود العرى عن الأغراض الصحيحة لا يليق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضا فليكن ذلك الغرض آيلا إلى مقتضى الشرع وإذا كان كذلك وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر يدل على أن العاري عنها حكمه بخلاف حكم المتصف بها والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل أن الرجل إذا قال السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء عد ذلك من ركيك الكلام وهجره وقيل لقائله لا معنى لذكرك السودان وتخصيصهم مع العلم بأن من عداهم في معناهم.

  37. ٣٦٩- وهذا تحرير كلام الشافعي وهو على مساقه بالغ حسن ولكن يرد عليه على انطباق تخصيص للأشياء بألقابها ويلزم من مضمون طلب الفائدة من التخصيص المصير إلى أن الشارع إذا خصص شيئا باسمه [الذي ليس مشتقا] اقتضى ذلك نفى الحكم فيما عداه ولو لم يكن كذلك لكان تخصيصه من غير قصد أو قصده من غير غرض أو غرضه غير محمول على مقاصد الشرع وكل ذلك محظور لا سبيل إلى التزامه وإن كان ما ذكرناه في اللقب مسوغا لزم تسويغ مثله في الموصوف فإذا لا يستقل الكلام متعلقا بالتخصيص إلا بأحد وجهين إما أن [يطرد] في الألقاب كما ذهب إليه الدقاق وإما أن يوضح مع التمسك بالتخصيص أمرا يوجب ما ذكرناه في الموصوف دون غيره وليس في كلام الشافعي التزام ذلك على ما ينبغي من اختصاص أثر التخصيص بالموصوفات.

    ج ١ ص ١٧٣
  38. ٣٧٠- وقد حان الآن أن نبدأ مسلك الحق على وجه يشتمل بيان المختار ونبين تدريج الكلام على مراتبه ونوضح [القاصد في الأطراف] فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا باستفتاح التفصيل في آحاد الصور حتى إذا نجزت نرد الكلام إلى الضابط لها فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا بذكر صور فمن الصور التي يجب الاعتناء بها الشرط والجزاء فإن سلم اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به تعدينا هذه المرتبة وإن استقر على النزاع اكتفينا معه بنسبته إلى الجهل باللسان أو إلى المراغمة والعناد فنحن نعلم من مذهب العرب قاطبة أنها وضعت باب الشرط لتحصيص الجزاء به فإذا قال القائل من أكرمني أكرمته فقد أشعر باختصاص إكرامه [بمن يكرمه] ومن جوز أن يكون وضع هذا الكلام على أن يكرم مكرمه ويكرم غيره أيضا فقد نأى وبعد فآل الكلام معه إلى التسفيه والجهل والإحالة على تعلم مذاهب العرب ولسنها [وحوارها] ولنعد إلى خصلة أخرى وهي التتمة وهي أنا نكتفي فيما ندعى بظهور الاختصاص ولا نحاول قطعا ناصا لا يتطرق إليه إمكان فإذا أنكر منكر ظهور ما ذكرناه ظهر فساد قوله وانحطت رتبته عن استحقاق المفاوضات فهذا منتهى المراد في هذا الطرف.

  39. ٣٧١- ومما نذكره التحديد بالزمان والمكان أو العدد ونقول مما ظهر في الكلام ظهورا لا يستجاز المراء فيه أن الحدود تتضمن حصر المحدودات ولذلك تساق ولهذا الغرض تصاغ فإذا كان الحكم وراء المحدود كالحكم فيما يحويه الحد فلا غرض في الحد وظهور ذلك لا يجحد وهو من صور مسألة المفهوم ومن الصور.

  40. تخصيص الموصوفات بالذكر كقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم زكاة" ١ وقوله: "لي الواجد ظلم" ٢ وهذا الفن عمدة المسألة وملتطم الكلام فليقع به فضل اعتناء والله المستعان.

    ج ١ ص ١٧٤