فصل: في تقاسيم الأخبار
٦٦ فقرة، ج ١ ص ٢٢٢
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٢٢
٥١٦- ذكر الأئمة رضي الله عنهم تقاسيم الأخبار وقالوا: إنها ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقطع بصدقه, والثاني: ما يقطع بكذبه, والثالث: مالا يقطع فيه بواحد منهما.
-
٥١٧- فأما ما يقطع بصدقه فمنه ما يوافق المعقول ثم المعقول ينقسم إلى ضروري مهجوم عليه وإلى نظري يوصل إليه صحيح النظر فأما الخبر عن الضروري فكقول القائل الضدان لا يجتمعان وكإخبار المخبر عن المحسوسات ونحوها من البدائه وأما الخبر عن النظري فكقول القائل العالم حادث مفتقر إلى صانع مختار إلى غير ذلك.
-
٥١٨- ومما يتخالج في الصدر من هذا القسم أن المعترض قد يعترض فيقول خير المخبر في الفنون التي ذكرتموها ليس مقتضيا صدقا وإنما السبيل المفضى إلى درك.
- ج ١ ص ٢٢٣
المخبر به نظر العقول في ضرورتها والأمر في ذلك قريب فإن الغرض منه عد ما يوصف بالصدق من الأخبار وما ذكرنا بهذه الصفة ومما يحكم بصدقه ما يقتضي اطراد العادة موافقته وهو الخبر المتواتر الذي سبق وصفه ووضح أن تلقى الصدق منه مستند إلى مستقر العادة والقرائن العرفية.
-
٥١٩- وذكر الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله قسما آخر بين التواتر والمنقول آحادا وسماه المستفيض وزعم أنه يقتضي العلم نظرا والمتواتر يقتضيه ضرورة ومثل ذلك المستفيض وما يتفق عليه أئمة الحديث.
-
وهذا الذي ذكره مردود عليه فإن العرف واطراد الاعتياد لا يقضي بالصدق فيه ولا نرى وجها في النظر يؤدي إلى القطع بالصدق نعم ما ذكره مما يغلب على الظن الصدق فيه فأما أن يفضي إلى العلم به فلا.
-
٥٢٠- وقال الأستاذ أبو بكر [بن فورك رحمه الله] : الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصدقه وفصل ذلك في بعض مصنفاته فقال إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا حكم بصدقه.
-
٥٢١- قال القاضي: لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا فإن تصحيح الأئمة للخبر مجرى على حكم الظاهر فإذا استجمع خبر من ظاهره عدالة الراوي وثبوت الثقة به وغيرها مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة ولا وجه إذا للقطع بالصدق والحالة هذه.
-
ثم قيل للقاضي: لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق فماذا تقول؟ فقال مجيبا: لا يتصور هذا فإنهم لا يتوصلون إلى العلم بصدقه ولو قطعوا لكانوا مجازفين وأهل الإجماع لا يجتمعون على باطل.
-
٥٢٢- ومن أقسام الصدق مدلول المعجزة والتحق به صدق النبي وصدق كل من صدقه النبي عليه السلام.
-
٥٢٣- فأما القسم الثاني من الأقسام الثلاثة [فهو] ما يقطع بكونه كذبا وهو [متنوع فمنه ما يخالف المعقول ضرورة أو نظرا وهو مناقض لما يوافق المعقول] في القسم الأول.
- ج ١ ص ٢٢٤
ومنه ما يجري على وجه يكذبه حكم العادة وهذا يتفنن فنونا منها:
أن يخبر آحاد بوقوع حادثة عظيمة حكم العادة فيها أن تشيع لو وقعت فإذا لم تشع تبين كذب المخبرين وهي كإخبار أقوام من الآحاد عن مقتلة هلك فيها أمم في البلدة على قرب من العهد وكالإخبار عن دخول ملك صقعا فهذا وما في معناه حكم العرف فيه الشيوع وهذا من الأصول العظيمة التي تستند إليها أمور خطيرة وتتوجه فيها غائلة هائلة ونحن نعددها ونأتي بمجامعها إن شاء الله تعالى.
-
٥٢٤- فمما نبينه على ذلك إيضاح بهت الروافض في ادعاء النص على علي كرم الله وجهه في الإمامة فإن هذا لو كان لما خفي عن أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به المرأة على مغزلها ولأبداه مخالف أو موالف وبهذا المسلك يتبين بطلان قول من يقول إن القرآن الكريم قد عورض فإن ذلك لو جرى لما خفي وبه يتبين فساد قول العيسوية إذ قالوا في التوراة إن موسى آخر مبعوث فإن ذلك لو كان لذكره أحبار اليهود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أبدوا عنه معدلا إلى تحريف [نعت] رسول الله عليه السلام وتبديل الأقرن بالأبلج والأدهم بالأشقر إلى غير ذلك من تحريفاتهم.
-
٥٢٥- والقول الواضح في ذلك أن مسلك العلم بصدق الخبر المتواتر على ما سبق وصفه أن المخبرين لا يتواطئون عند زوال القرائن الضابطة والإيالات الحاملة على التواطؤ ويئول مستند القول إلى مطرد العرف وهذا المسلك بعينه مطرد في شيوع الفنون التي ذكرناها.
-
٥٢٦- ثم ما يقضى العرف فيه بالشيوع ينقسم فمنه ما يثبت على الشيوع عند الوقوع وينقله المخبرون تواترا زمنا ثم [يتناقص] اهتمام النقلة بنقله حتى ينتهي إلى نقل الآحاد وقد يفضى طول الأمد إلى دروسه ومنه ما يتمادى زمان التواتر فيه إذا قامت في النفوس دواعي نقله.
-
والقسم الأول يمثل بدخول ملك بلدة أو ما ضاهاها والقسم الثاني يمثل بالأمور الدينية فإن همم أصحاب الدين متوفرة على نقل الجليات فيه فإن وهي فبالحري أن يتداعى إلى الأخبار الدينية الدروس.
-
٥٢٧- ومما يتعلق بذلك أن الجمع العظيم إذ تواطئوا على الكذب لأمر إيالي فإن كذبهم يستبين على ممر الزمان في [حكم] العرف وينكشف الغطاء فيه على قرب.
- ج ١ ص ٢٢٥
٥٢٨- فهذه الأصول مهدناها وبينا ما يستند من أمور الدين إليها ونحن نوجه الآن أسئلة يتعين الاعتناء بالبحث عنها ونذكرها أولا ثم نتعقبها بالكلام عليها إن شاء الله.
-
٥٢٩- فمنها: أن حجة الوداع كانت من أظهر الوقائع وقد اختلف الرواة في حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقل طائفة أنه أفرد ونقل اخرون أنه قرن.
-
ومنها: أن انشقاق القمر كان من أعظم الآيات ثم لم يثبت النقل فيه تواترا على أنه أمر ديني.
-
ومنها: وهو أعوصها إفراد الإقامة وتثنيتها فإن بلالا كان يقيم بعد الهجرة إلى انقلاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضوانه في اليوم والليلة خمس مرات ثم اختلف النقلة فيه وغاية بعض العلماء أن يثبت ظهور رواياتهم ومحل الإشكال أنه كيف لم ينقل تواترا؟
-
٥٣٠- فهذه الأسئلة يتعين الاعتناء بالانفصال عنها وتنزيلها محالها:
فأما إحرام رسول الله عليه السلام فسبب التردد في نقله أنه صلى الله عليه وسلم كان على تردد في أمره وقيل: إنه مطلقا ينتظر الوحي فنزل عليه جبريل أن يجعله حجا هكذا رواه جابر بن عبد الله وهو أحسن الرواة سياقا للرواية وهذا إلى علم الصحابة بأن الإفراد والقرآن جميعا مسوغان ولا يبعد في حكم العادة عدم الاعتناء بالأفضل والأكمل ولا يمتنع أن يلتحق بما ذكرناه في أثناء الكلام وهو ما يقتضى العرف إشاعته أولا مع إفضاء الأمر إلى الدروس على [قرب] وليس هذا ببعيد في السبر.
-
وبالجملة ما ذكرناه من حكم الشيوع متلقى من ضرورات العقول فليس فيه مراء فإن عورضنا بواقعة وجهل السائل فيها جريانها على خلاف الأصل الممهد لم يقبل ذلك منه قطعا واعتقد في الواقعة خروجها عن حكم القاعدة ومباينتها لها في وجه ثم الخيرة إلينا أن أحببنا اقتصدنا على إجمال ذلك وإن أحببنا تكلفنا محملا يقتضي الخروج عن حكم العرف ولا سبيل إلى تشكيك الأنفس في [الضروريات] بسبب تخييلات وإلزامات.
-
٥٣١- فأما انشقاق القمر فذهب بعض علماء الإسلام إلى أن معنى قوله تعالى:
ج ١ ص ٢٢٦{وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} ١ أنه سينشق عند قيام الساعة وشهد لذلك ذكره مقترنا باقتراب الساعة والشيء إذا تناهى قربه يقام الماضي فيه مقام المستقبل قال الله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} ٢ معناه سيأتي أمر الله وقد مال الحليمي٣ إلى هذا المذهب ويمكن أن يقال انشقاق القمر آية ليلية لعله جرى والخلق نيام والمتيقظون في أكنان لا يترقبون القمر وإن لحظة لاحظ وفاقا فغير بدع أن [يحمله] على تشعب في أشعة البصر وانعراج عن الاستداد فهذا وجه التكلف فيه فإن وقع الانشقاق فلا محل لعدم الشيوع فيه إلا ما ذكرناه والتعويل على ما سبق من أن الأمر الضروري لا تخرمه التخييلات.
-
٥٣٢- وأما أمر الإقامة وهو من أغمض الأسئلة فإنها من الشعائر الجلية المتكررة فلم ينقدح عند القاضي وجه في عدم الشيوع إلا أنه قال لعله كان يثنى مرة ويفرد أخرى فلم يشع واحد منهما وهذا قد يعترض عليه وجوب الشيوع في أن بلالا رضي الله عنه كان يفعل تارة هكذا وتارة هكذا ثم المعتمد عندي [في ذلك] أن الصحابة رضي الله عنهم هونت أمر الإفراد والتثنية فلم يعتنوا بالإشاعة فإذا أشاعوا أفضى إلى الدروس وليس ذلك بدعا فيما ليس من العزائم وهذا تنضم إليه بدع ثارت مع [تواتر] من أصحاب سلطنة واقتهار فإنه جرى من آخر أيام على كرم الله وجهه إلى قريب من مائة سنة دواه تشيب النواصي واستجرأ على تغيير ما كان منوطا بالأمراء وكانت الجماعة وإقامة شعائرها من أهم ما يهتم به الأمراء فلعل الشيوع على حكم العادة كان قد أثبت ثم ألهى الناس عنه ما أحدثه النابغون وحقنا أن نحكم الأصول فيما نأتي ونذر ولا نسلك بمسلك الحقائق ذبا عن مذهب.
-
٥٣٣- فإن زعم زاعمون أن ما ذكرتموه يتوجه في النص على علي رضي الله عنه قلنا: لو كان لظهر يوم السقيفة فإن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ما كانت أيدت بشوكة قاهرة وإنما كان الأمر فوضى وهذا واضح وأيضا فإن [أمر] الولايات من أخطر الأشياء في العادات ولا تتشوف النفوس لنقل شيء تشوفها إلى ما يتعلق بالولايات ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم وتتهالك النفوس في الملاحم وهذا مطرد في أحكام العادات وفي عرف أهل الديانات والولايات.
- ج ١ ص ٢٢٧
وأما الإقامة فشعار مسنون ليس بالعظيم الوقع في العرف والشرع وقد يمر بالناس أيام لو روجعوا عن كيفية الإقامات في الجماعات لم يذكروها.
-
٥٣٤- ومما يلزم من هذا الفن اضطراب الرواة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة وصلحا وهذا قريب [فإن أصل] دخوله عليه السلام مع أكمل العدد والعدد منقول متواترا ولا شك أنه عليه السلام لم يلق قتالا والأمر وراء ذلك تقديرات تختبط فيها النقلة فلم يلزم مع تمادى الأمر وطول الزمن استمرار حكم الشيوع فيها.
-
وقد نجز ما حاولناه في هذا القسم إذ قلنا: كل خبر يخالفه حكم العرف فهو كذب.
-
٥٣٥- ومما [نذكره] من أقسام الكذب أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة فيقطع بكذبه وهذا مفصل عندي:
فأقول: إن تنبأ متنبئ وزعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهو كاذب فإن مساقه مفض إلى تكليف ما لا يطاق وهو الأمر [بالعلم] بصدقه من غير سبيل مؤد إلى العلم فأما إذا قال ما كلف الخلق اتباعي ولكن أوحى إلى فلا يقطع بكذبه.
-
٥٣٦- فإن قيل: من أصلكم القول بالكرامات الخارقة للعادات فإذا أخبر المخبر أن جبلا يقلع له من أصله فهذا إخبار يخالف حكم العرف والعادة ويلزم منه أن يقال: أخبرنا مخبر ونحن في كن أن الجبل المظل القريب منا قد يقلع الآن ينبغي أن يجوز صدقه الآن حملا على الكرامة وهذا يهدم أحكام العرف وما يتلقى [منه] .
-
قلنا: هذا مما نستخير الله فيه فلا وجه للتشكيك في كذب هذا المخبر وإنما تجوز الكرامات وقوعا عند عموم انخراق العادات ومصير الأمر إلى حالة لا يستبعد أهل العادة صدق المخبر فيما يخبر عنه فلينعم المنتهى إلى هذا الفصل نظره وليتدبر غائلته بالبدل.
-
٥٣٧- فأما القسم الثالث: فهو الذي لا يقطع فيه بالصدق ولا الكذب وهو الذي نقله الاحاد من غير أن يقترن بالنقل قرينة تقتضي الصدق أو الكذب.
- ج ١ ص ٢٢٨
على ما سبقت الإشارة إلى القرائن فهذا الصنف لا يفضى إلى العلم بصدق المخبر [ولا] يقطع بكذبه أيضا.
-
ونحن نستعين بالله ونستفتح الآن القول في أخبار الآحاد والله الموفق للسداد أخبار الآحاد.
- مسألة:
-
٥٣٨- ما ذهب إليه علماء الشريعة ومفتوها وجوب العمل عند ورود خبر الواحد على الشرائط التي سنصفها ثم أطلق الفقهاء القول: بأن خر الواحد لا يوجب العلم ويوجب العمل وهذا تساهل [منهم] والمقطوع به: أنه لا يوجب العلم ولا العمل فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد فإن ما هو مظنون في نفسه يستحيل أن يقتضي علما مبتوتا فالعمل بخبر الواحد مستند إلى الأدلة التي سنقيمها على وجوب العمل عند خبر الواحد وهذا تناقش في اللفظ ولست أشك أن أحدا من المحققين لا ينكر ما ذكرناه.
-
وذهب طوائف من الروافض إلى أن خبر الواحد لا يناط به وجوب العمل وهؤلاء أنكروا الإجماع إذا لم يكن في المجمعين قول الإمام القائم في هذيان طويل. وقد مال إلى ذلك بعض المعتزلة.
-
٥٣٩- ثم افترق نفاة العمل بخبر الواحد: فذهب بعضهم إلى أن العقل يحيل التعبد بالعمل به [وذهب] الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به وهو من تجويزات العقل ثم افترق هؤلاء من وجه آخر فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع التعلق به وقال اخرون: لم تقم دلالة قاطعة على العمل به فتعين الوقف وقد أكثر الأصوليون وطولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين.
-
٥٤٠- والمختار عندنا مسلكان أحدهما يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد ولا يدرؤه إلا معاند وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول عليه السلام كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم أوامر رسول الله عليه السلام على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا.