فصل: في تحمل الرواية وجهة تلقيها ومن يصح منه تحملها

٤٢ فقرة، ج ١ ص ٢٤٦

الصفحة ١ من ٢

  1. ٥٨٤- فنقول: إذا روى الشيخ الذي منه التلقي شفاها ونطق بما سمعه لفظا ووعاه السامع وحواه فهذا هو التحمل والتحميل.

    ج ١ ص ٢٤٦
  2. ٥٨٥- ولو كان الحديث يقرأ والشيخ يسمع نظر: فإن كان يحيط بما يحرفه القارئ ولو فرض منه تصريف وتحريف لرده فسكوته والأخبار التي تقرأ بمثابة نطقه والحديث يستند بذلك فإن قيل: هذا تنزيل منكم للسكوت منزلة القول وهذا من خصائص من يجب له العصمة قلنا: إخباره تصريحا ونطقا كان تحميلا للرواية من جهة أنه أفهم بما أسمع السامع من عباراته.

  3. فإذا كان الحديث يقرأ وهو يقرر ولا يأبى مع استمرار العادات في أمثال ذلك فهذا على الضرورة حال محل التصريح بتصديق القارئ ومن لم يفهم من.

  4. هذه القرائن ما ذكرناه فلا يفهم أيضا من الإخبار النطقي.

  5. وأما ما ذكره السائل من أن السكوت [إنما ينزل منزلة التقرير ممن يجب عصمته فيقال: السكوت مع القرائن التي وصفناها] ينزل منزلة النطق ثم النطق ممن لا يعصم عرضة للزلل أيضا ولكنا تعبدنا بالعمل بظواهر الظنون مع العلم بتعرض النقلة لإمكان الزلل وتعمد الخلف والكذب ثم ما ذكرناه يتأيد بإجماع أهل الصناعة فما زالوا يكتفون بما وصفناه في تلقى الأحاديث من المشايخ وهذا إذا كان الشيخ يدري ما يجري.

  6. ويلتحق بهذا القسم أن يكون عنده للأحاديث التي تقرأ عليه نسخة مهذبة وكان ينظر فيها فهذا ثبت يكتفي [بمثله] ولا يشترط استقلال الشيخ بحفظ الأحاديث عن ظهر قلبه.

    ج ١ ص ٢٤٧
  7. ٥٨٦- وإذا كان لا يحيط بها وكان لا ينظر في نسخة يعتمدها ولو فرض التدليس عليه لما شعر فإذا قرئ عليه على هذه الصفة شيء من مسموعاته فهذا باطل قطعا فإن التحمل مرتب على التحميل فإذا لم يحمل الشيخ السامع الرواية فكيف يحملها وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا لا يأمن تدليسا والتباسا وبين شيخ لا يسمع ما يقرأ عليه؟ والغرض المطلوب الفهم والإفهام.

  8. وتردد جواب القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ وكانت الأحاديث تقرأ وذلك الناظر عدل مؤتمن لا يألو جهدا في التأمل وصغوه [الأظهر] إلى أن ذلك لا يصح فإن الشيخ ليس على دراية فيه فلم ينهض مفهما محملا فلئن جاز الاكتفاء بنظر الغير فينبغي أن يجوز الاكتفاء بقراءة القارىء المعتمد من النسخة المصححة فهذا ما يتعلق بالتحمل وفيه بيان الغرض من التحميل.

  9. ٥٨٧- ثم المرعى في صفة [المتحمل] الاستمكان من الفهم والتحمل والمعتبر في صفته هو المعتبر في صفة متحمل الشهادة ثم إذا نجزت النوبة والشيخ على خبرة مما يجرى فلا حاجة أن يقول الشيخ للقارئ: كما قرأت أو أصبت أو ما جرى هذا المجرى من الألفاظ وقد اشترط بعض المحدثين ذلك فإن كان هذا مذكورا للتأكيد والاستقصاء فالأمر فيه قريب وإن ذكر هؤلاء ذلك شرطا في صحة التحمل [والتحميل] فهو ساقط عند قرائن الأحوال كما تقدم وصفها حالة محل التصريح بالقول قطعا والتعويل على وقوع الإفهام والفهم وتحقق الإحاطة والعلم ووضوح ذلك يغنى الناظر عن مزيد البيان.

  10. مسألة:
  11. ٥٨٨- إذا قال الشيخ المتلقى عنه: أجزتك أن تروى عني ما صح عندك من مسموعاتي أو عين كتابا وأجاز له الرواية عنه فقد تردد الأصوليون في ذلك.

  12. فذهب ذاهبون إلى أنه لا يتلقى بالإجازة حكم ولا يسوغ التعويل عليها عملا ورواية.

  13. ٥٨٩- والذي نختاره جواز التعويل عليها فإن المعتمد في الباب الثقة فإذا تحقق سماع الشيخ وذكر المتلقى منه سماعه وسوغ له إسناد مسموعاته إلى إخباره فلا فرق بين أن يعلق الإخبار بها جملة وبين أن يعلقه تفصيلا وقد تمهد بما تقدم أن إفصاحه بالنطق ليس شرطا فإن الغرض حصول الإفهام وترتب الفهم عليه وهذا يحصل بالإجازة المفهمة.

    ج ١ ص ٢٤٨
  14. ثم هي على مراتب:

    أعلاها: الإشارة إلى كتاب وربطه إجازة الرواية مع الإخبار عن صحة السماع فيه وقد يؤكد بعض المحدثين هذا القسم بالمناولة وهي أن يناول الشيخ المتلقى عنه كتابا ويقول: دونكه فاروه عني ولست أرى في المناولة مزيد تأكيد.

  15. فإذا فوض المجيز إلى المتلقى تصحيح المسموعات ولم ينص عليها فهذه إجازة مترتبة على عماية والأمر في تصحيحها موكول إلى صحة بحث الراوي عن ثبوت سماع الشيخ مع انتفاض الشيخ عن التحريفات وهذا يعسر دركه ويتطرق إليه جهات من الجهالات تنخرم الثقة بأدناها.

  16. فإن كان المتلقى معولا على خطوط مشتملة على سماع الشيخ فلست أرى ذلك مقنعا.

  17. وإن تحقق ظهور سماع موثوق به فإذ ذاك وهيهات.

  18. ٥٩٠- ومما يتعلق بتتميم الكلام في هذا أن الذي مستندة الإجازة يعمل بما يتلقاه ويعمل غيره بما رواه على هذه الجهة ولكن [اللائق به أن يذكر جهة] تلقيه الإجازة فإن ذلك أدفع للبس وأرفع للريب فإن قال: "حدثني" فلان أو أخبرني مطلقا فلست أرى ذلك خلفا محضا لتحقق الثقة وقد تقدم أن نفس لفظ الشيخ ليس شرطا وليس قوله حدثني في الإجازة عبارة مرضية لائقة بالتحفظ والتصون فالوجه البوح بالإجازة.

  19. وللمحدثين مواضعات يرتبونها ويقولون في بعضها: أخبرني وفي بعضها: حدثني وليست على حقائق وليسوا ممنوعين من اصطلاحهم ولكل طائفة في الفن الذي تعاطوه عبارات مصطلحة.

  20. مسألة:
  21. ٥٩١- إذا وجد الناظر حديثا مسندا في كتاب مصحح ولم يسترب في ثبوته [واستبان] انتفاء اللبس والريب عنه ولم يسمع الكتاب من شيخ فهذا رجل لا يروى ما رآه.

  22. ٥٩٢- ولكن الذي أراه أنه يتعين عليه العمل به ولا يتوقف وجوب العمل على المجتهدين بموجبات الأخبار على أن تنتظم لهم الأسانيد في جميعها.

  23. والمعتمد في ذلك أن روجعنا فيه [الثقة] والشاهد له أن الذين كانوا يرد عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أيدي نقلة ثقات كان يتعين عليهم الانتهاء إليها والعمل بموجبها ومن بلغه ذلك الكتاب ولم يكن مخاطبا بمضمونه ولم يسمع من مسمع كان كالذين قصدوا بمضمون الكتاب ومقصود الخطاب.

  24. ولو قال هذا الرجل: رأيت في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري ووثقت باشتمال الكتاب عليه فعلى الذي سمعه يذكر ذلك أن يثق به ويلحقه بما تلقاه بنفسه ورآه ورواه من الشيخ المسمع.

  25. ولو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأبوه فإن فيه سقوط [منصب] الرواية عند ظهور الثقة وصحة الراوية وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول.

  26. ٥٩٣- وإذا نظر الناظر في تفاصيل هذه المسائل صادفها خارجة في الرد والقبول على ظهور الثقة وانخرامها وهذا هو المعتمد الأصولي فإذا صادفناه لزمناه وتركنا وراءه المحدثين ينقطعون في وضع ألقاب وترتيب أبواب.

  27. مسألة:
  28. ٥٩٤- إذا قال الصحابي: من السنة كذا١ فقد تردد فيه العلماء فذهب ذاهبون

    ج ١ ص ٢٥٠إلى أن قوله: هذا محمول على النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فإن السنة إذا أطلقت تشعر بحديث الرسول عليه السلام.

  29. وأبي المحققون هذا فإن السنة هي الطريقة وهي مأخوذة من السنن والاستنان فلا يمتنع أن يحمل ما قاله على الفتوى وكل مفت ينسب فتواه إلى شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مستند الفتوى قد يكون نقلا وقد يكون استنباطا واجتهادا فالحكم بالرواية مع التردد لا أصل له.

  30. وكذلك إذا قال: أمرنا بكذا١ فهو بمثابة قوله: من السنة كذا فهذا منتهى القول في التحميل والتحمل ويلتحق الآن بذلك مسائل.

  31. مسألة:
  32. ٥٩٥- إذا نقل الراوي العدل خبرا من شيخ فروجع الشيخ فيه فأنكره.

  33. فالذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وطوائف من المحدثين: أن ذلك يوهى الحديث ويمنع العمل به.

  34. وأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العمل به.

  35. وذكر القاضي في ذلك تفصيلا ونزل مطلق كلام الشافعي - رحمه الله - عليه فقال: إن قال الشيخ المرجوع إليه: كذب فلان الراوي عني أو قال: غلط وما رويت له قط ما ذكر فإذا جزم الرد عليه أوجب ذلك سقوط تلك الرواية٢ فإن ردد الشيخ قوله ولم يثبت الرد على الراوي عنه ولكنه قال لست أذكر هذه الرواية فهذا لا يتضمن ردا رواية إذا كان الراوي عن الشيخ موثوقا به.

  36. ٥٩٦- فأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم احتجوا بالشهادة على الشهادة فإن الفروع وإن كانوا عدولا إذا شهدوا ولم يمض القاضي قضاءه بشهادتهم حتى

    ج ١ ص ٢٥١روجع الأصول فتوقفوا في أصل الشهادة اقتضى ذلك أبطال شهادة الفروع وامتنع أيضا التمسك بها والفروع في حكم الناقل عن الأصل شهادته وربما أطلقوا استدلالا وقالوا قد ذكرتم أن التعويل على ظهور الثقة ولا شك أن التردد من الشيخ أو تصريحه بالرد على الراوي عنه يوهى الثقة ويخرمها ويتضمن التوقف.

  37. ٥٩٧- وقال الشافعي: أما الشهادة فلا يجوز اعتبار الرواية بها لا فيها من التعبدات التي لا يعتبر شيء منها في الروايات فإذا أمكن حمل ما ذكروه في الشهادة على وجه في التعبد فلا يسوغ اعتبار الرواية بها وإن اتجه للخصم تقدير انخرام الثقة استغنى باتجاه ذلك عن القياس على الشهادة ثم قال الشافعي رحمه الله الذي يؤكد سقوط اعتبار الرواية بالشهادة أنه لا يجوز اعتماد شهادة الفروع مع إمكان مراجعة الأصول ويجوز اعتماد رواية الثقة من غير مراجعة لشيخه فيها فوضح بذلك افتراق البابين في غر ما دفعنا إليه ولو شبب مشبب بوجوب مراجعة الشيخ في الرواية عند الإمكان لم يترك [ورأيه] ورد عليه بقاطع لا استرابة فيه وهو أنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كان يروى بعضهم لبعض أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتلقونها بالقبول ولا يلتزمون على الطرد مراجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإمكان وكذلك القول في رواية بعضهم عن البعض وهذا الذي ذكره الشافعي تأكيد متغنى عنه والتعويل على ما ذكرناه من حمل أمر الشهادة على التعبد وإمكان ذلك كاف في إبطال الاستدلال به و [أما] ما ذكروه من ادعاء وهاء الثقة فباطل لا أصل له والقول فيه عندنا يحققه التفصيل الذي أشار إليه القاضي.

  38. ٥٩٨- فإن قال الشيخ: لست أذكر هذه الرواية والراوي عنه قاطع بروايته مع ظهور عدالته واستقامة حالته فالوجه حمل تردد الشيخ على الذهول والنسيان ولا يوهن قطع الذاكر تردد غيره فالثقة إذا لم تسقط ولا تنحزم انخراما يسقط الاعتبار بالرواية ولكن لو فرض تصديق الشيخ الراوي لدى المراجعة لكان ذلك أظهر في الثقة وأوضح في اقتضاء الاعتماد ونهاية الثقة ليست شرطا في أصل القبول وإنما يؤثر تفاوت الدرجات فيها في الترجيحات على ما سيأتي في كتابها وهذا بمثابة إضافة رواية رجل عدل إلى رواية إمام الدهر وموثوق العصر ومن إليه الرجوع في الأمر فلا شك أن رواية العدل تنحط عن مثل هذا الشخص برتب ظاهرة ولا يوجب ذلك رد رواية العدل بل يتعين حملها على القبول.

  39. وقد قال الشافعي: لو روى عدل خبرا في أثناء خصومة وكان فحواها حجة.

  40. على الخصم فالرواية مقبولة ولا تجعل للتهمة موضعا إذا كان الراوي عدلا وكذلك إذا وقعت الرواية جارة منفعة إلى الراوي أو إلى [والده أو] ولده فلا ترد الرواية مع ظهور عدالة الراوي وإن كانت الشهادة مردودة في أمثال ذلك فإذا لا يعارض تردد من شيخ قطعا من راو عدل معارضة تحبط الثقة المعتبرة.

    ج ١ ص ٢٥٢