فصل: القول في ذكر المقالات في قبول القياس ورده

٤٩ فقرة، ج ٢ ص ٧

الصفحة ١ من ٢

  1. ٦٨٨- الوجه أن نذكر المذاهب المتعلقة بالأصل ردا وقبولا ثم نذكر مسائل الخلاف على هذا المنهاج ثم نعقد بعد ذلك بابا في المذاهب [المقتضية رد] بعض الأقيسة الصحيحة عندنا وقبول بعضها.

    ج ٢ ص ٧
  2. فنبدأ بالكلام على الجملة ونقول في رسم التقسيم القياس فيما ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى عقلي وشرعي١ ثم الناظرون في الأصول والمنكرون تفرقوا على مذاهب.

  3. ٦٨٩- فذهب بعضهم إلى رد القياس وقال [الناقلون] هذا مذهب منكري النظر والقول في إثباته يتعلق بفن من الكلام وقد أنهينا القول فيه نهايته.

  4. ٦٩٠- وقال قائلون بالقياس العقلي٢ والسمعي وهذا مذهب الأصوليين والقياسين من الفقهاء.

  5. ٦٩١- وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي وجحدوا القياس الشرعي وهذا مذهب النظام وطوائف من الروافض والإباضية٣ والأزارقة٤ ومعظم فرق الخوارج إلا النجدات٥ منهم فإنهم اعترفوا بأطراف من القياس.

  6. ٦٩٢- وصار صائرون إلى النهي عن القياس العقلي والأمر بالقياس الشرعي

    ج ٢ ص ٨وهذا مذهب أحمد بن حنبل١ والمقتصدين من أتباعه فليسوا ينكرون إفضاء نظر العقل إلى العلم ولكنهم ينهون عن ملابسته والاشتغال به.

  7. ٦٩٣- وذهب الغلاة من الحشوية٢ وأصحاب الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي.

  8. ٦٩٤- وأنا أقول: أطلق النقلة القياس العقلي فإن عنوا به النظر العقلي فهو في نوعه إذا استجمع شرائط الصحة مفض إلى العلم مأمور به شرعا والقياس الشرعي متقبل [شرعا] معمول به إذا صح على السبر اللائق به كما سيأتي شرح ذلك في أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى.

  9. وإن عنى الناقلون بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى من شاهد فهذا باطل عندي لا أصل له وليس في المعقولات قياس [وقد فهم عنا ذلك طالب المعقولات] .

  10. والأمر المختص بهذا الفن الكلام في الأقيسة الشرعية وذكر الخلاف المتعلق بجملتها.

  11. ٦٩٥- فقد ذهب النظام٣ ومن تابعه من الضلال٤ والحشوية إلى إنكار القياس الشرعي والذين ردوا القياس اختلفوا في طريق رده فقال بعضهم الخوض فيه قبيح لعينه.

  12. ٦٩٦- وقال آخرون: في التعبد به منع الناس من المسلك الأقصد الأسد وعنوا به أن التنصيص على مواقع الإشكال أقطع للنزاع وأرفع للدفاع وأجلب للطمأنينة وأنفى لرهج الخلاف وأدعى إلى الائتلاف ويجب على الله تعالى

    ج ٢ ص ٩وجوب الحكمة أن يستصلح عباده فيما يتعلق بأمر الدين.

  13. ٦٩٧- وقال قائلون الأقيسة متفاوته لا قرار لها في المظنونات وإنما يرجح الظن على حسب القرائح [وكل يظن أمرا] يليق بمبلغ فكره.

  14. ٦٩٨- وقال قائلون: في أصول الشريعة ما لا يصح على السبر كإيجاب العقل على العاقلة وإيجاب ذبح البهائم البريئة بسبب ارتكاب المكلف محظورات الحج واسترقاق أولاد الكفار وإن حكم لهم بالإسلام مع السبي ثم تبقى وصمة الرق في نسلهم ما توالدوا على الإسلام قالوا: فلا وجه والحالة هذه إلا اتباع النصوص.

  15. ٦٩٩- وذهب من نفاة القياس طائفة إلى أنه مردود بنصوص الكتاب والسنة.

  16. ونحن نذكر مسلك كل فريق ونتتبعه بالنقض ونرسم مسألة في جواز التعبد بالقياس [فإذا نجزت عقدنا بعدها المسألة الكبرى في وقوع التعبد بالقياس] .

  17. مسألة: [في جواز التعبد بالقياس] .

  18. ٧٠٠- ذهب علماء الشريعة وأهل الحل والعقد إلى أن التعبد [بالقياس] في مجال الظنون جائز غير ممتنع وقد ذكرنا مذاهب المخالفين في الجواز فأما من ذهب إلى أن الخوض فيه والأمر به قبيح لعينه فقد تعلق بأن الظنون أضداد العلوم وضد العلم في معنى الجهل والجهل قبيح لعينه وهذا مبنى أولا على التقبيح والتحسين بالعقل وقد صدرنا هذا المجموع بالرد على القائلين بذلك بما فيه مقنع ثم لو قدرنا تسليم ذلك جدلا فهذا باطل من أوجه.

  19. منها: أن الغفلة والغشية والبهيمية أضداد منافية للعلوم وهي من خلق الله تعالى ومن رأى هؤلاء أن الله تعالى لا يخلق قبيحا ثم ذكروه جحد للشريعة فإن من أنكر ربط الأقضية والحكومات بالشهادات المستندة إلى بحث قريب وسبر يسير لا يطلع على الباطن من أحوال الشهود فقد أنكر قاعدة من الشرع عظيمة لا يبوء بجحدها من وفر الإسلام في صدره وكذلك قول المفتين مظنون عند المستفتين والتعويل على قول الثقات في أحكام المعاملات وتصديق الأثبات في أمن السبل والطرقات لا ينكره عاقل فإذا أعضلت الإشكالات وتعارضت الاحتمالات فالرجوع إلى غالب الظن في كل فن دأب ذوي البصائر وهو من ثمرات العقول فكيف يعد من مستقبحاتها ومعظم وجوه الرأي والنظر في العواقب ظنون ومتى لم يتبع صاحبه أرشدها لزم أن يفعل ما يتفق وهو الخرق بعينه نعم الاكتفاء بالظن.

  20. مع القدرة على ثلج الصدر وطمأنينة النفس [قد] يعد قصورا أو تقصيرا وخصومنا لم يبدوا في مواقع أقيستنا مسالك في اليقين ينتحونها وإنما يبغون رد جنس الظنون حيث لا يرجعون فيه إلى يقين والنظر يضاد العلم وهو واجب والشك المتقدم على النظر عند أبي هاشم حسن وهو الداعية الجالبة لافتتاح النظر.

    ج ٢ ص ١٠
  21. فهذا وجه الرد على من قبح الخوض فيه لكونه نقيض العلم لعينه.

  22. ٧٠١- وأما من قال: في حمل الخلق على ملتطم الظنون وحجرهم [عن] درك اليقين ترك استصلاحهم والاستصلاح في الدين محتوم فهذا مبني على التحسين والتقبيح وقد ظهر بطلان مذهبهم فيهما.

  23. ثم ما ذكروه باطل بقواعد العقائد فإنها منوطه بدقائق النظر ولا يتوصل إلى أدراكها إلا الأكياس من طبقات الناس ثم انقسام طباق الخلق يوجب ازورار طرقهم في [وجوه] النظر ومجاري أحوالهم [في ذلك] أصدق الشواهد والمحن وهو سبب افتراق الفرق ثم معظم الخليقة لا يبغون الحقيقة بل يرجحنون إلى التقليد ولو حمل الله الخلق على الحق المبين بآية تظل لها الرقاب خاشعة لأوشك ألا يتفرقوا.

  24. ولا يغنى مما ألزمناهم قول القائل: مسالك العقول [عتيدة] والبراهين موجودة والشواهد مشهودة وطرق الصواب معدودة فإن كل ناظر يزعم أن مسلكه الحق وقوله الصدق.

  25. ثم إنما كان يستقيم ما ذكروه لو دعونا إلى اليقين وزيفوا بسببه طرق الظنون فأما وهم بعد رد القياس لا يرجعون إلى يقين ومعقل في الدين حصين وغايتهم التعطيل والتبطيل والانسلال عن ربقة التكليف والانحلال عن ربط [التصريف] وترك الناس سدى يموج بعضهم في بعض على موعد وخبر وقول مزخرف وإمام منتظر فلا يدعو إلى الخروج من محاسن الشريعة إلى هذه المسالك إلا هازئ بنفسه مستهين بدينه.

  26. ٧٠٢- و [أما] من قال: الأقيسة لا قرار لها وفنون النظر على حسب الفكر فقصاراه آيل إلى تقبيح الظن وإيجاب الاستصلاح وشرع اليقين وقد تكلمنا على المسلكين.

  27. ثم الأمر ليس على ما تخيلوه بل للظنون المرعية والأقيسة المعتبرة الشرعية.

  28. المرضية روابط وضوابط لا يعرفها إلا الغواصون على ما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى.

    ج ٢ ص ١١
  29. ومن حمل كل ظن على جودة القريحة وحدة الطبع فقد أنكر وجه الرأي وتقريب أرباب الألباب وتطلعهم بالفكر الصائب على حجب الغيوب ولو قيل هو عماد الصلاح في الدين والدنيا ودعامة المراشد لم يكن بعيدا والشارع فيما استن كالعاقل الذي يمهد للطلبة طرق الحكمة ومسالك النفع والدفع ثم يكلهم إلى إتعاب الفكر النقية عن الأقذاء والكدر.

  30. ثم إن أضربوا [عما] رأيناه واجتنبوه فهل معهم يقين ادعوه؟ أم الغرض قطع النظر عن بقية المراشد وانتحاء المقاصد وغمس الناس في غمرات [المتاهات] .

  31. وعلى كل الحالات التشوف بالظن إلى الخير اجتناب الضير أحرى من حل الرباط وقطع أسباب الاستنباط وتخيير الخلق بين التفريط والإفراط.

  32. ٧٠٣- وأما من أشار إلى أن قواعد في الشرع لا تعقل معانيها كضرب العقل على العاقلة واسترقاق الأطفال.

  33. فهذا القائل يتشبث بالوقيعة في الشريعة واتخاذ هذه الجهات إلى المطاعن ذريعة والقياس يعترف بالوقوف عند هذه المواقف وانقسام الشرع إلى ما يجري فيه الأقيسة وإلى ما يجب فيه الانحصار والاقتصار على موارد النصوص فلا يجب من وقوف الرأي في مسلك انحسامه من جميع الوجوه وذلك مستبين بما يعرض للإنسان في مآربه وأوطاره فقد يتغشاه عماية ويستبهم عليه عاقبتها وقد يلوح له وجه الصواب فيما يأتي ويذر ثم العقل لا يحسم طريق الرأي لاستعجامه في بعض الوجوه فقد بطل جميع ما حاولوه.

  34. ٧٠٤- وأما من ادعى أن القياس مردود بنصوص القران العظيم فقد ادعى أمرا محالا وغايته التلبيس بذكر آية ما سيقت لما دفعنا إليه كقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ١ إلى غير ذلك والمراد أن ينهى عن الحيد عن مدرك اليقين مع إمكانه ومجاوزة مراسم المراشد بالحدس والتخمين.

  35. ونحن لا ندعو إلى كل ظن ثم التمسك بالمجملات أو بالظاهر في مواضع.

  36. القطع باطل ونعارض ما ذكروه بالآي الدالة على الأمر بالنظر والاستحثاث على الاعتبار ويتطرق إلى ما يعارضون به من الأعتراضات ما تطرق إلى ما استدلوا.

    ج ٢ ص ١٢
  37. ٧٠٥- فإن قالوا: وجوب العمل معلوم عندكم مقطوع به وهذا العلم مرتب على الظن ويستحيل أن ينتج الظن علما.

  38. قلنا: الأقيسة لا تقتضي العلم بوجوب العمل لأعيانها والعمل لا يقع بها وإنما يقع عندها والعلم بوجوبه مستند إلى أدلة قطعية [سنبديها] وقد تقرر هذا الفن في مواضع من هذا الكتاب.

  39. ٧٠٦- ومن تمويهاتهم في ذلك قالوا: إذا لم يمتنع انتهاض الظن علما بالعمل فينبغي [أن] تبعدوا أن ينتصب الظن علما في العلم بوقوع الرؤية.

  40. قلنا لو قام دليل قاطع على أن وقوع الظن علم ينصبه الله تعالى لوقوع شيء رؤية كانت أو غيرها لم يبعد ذلك ومستند العلم ناصب الظن لا عينه.