فصل: القول في الاعتراضات الفاسدة
٨٢ فقرة، ج ٢ ص ١٤٦
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ١٤٦
١٠٨٩- ما يفسد من الاعتراضات لا ينحصر وفي ضبط ما يصح منها كما تقدم حكم بفساد ما عداه.
-
وإنما نعقد هذا الباب للكلام على اعتراضات استعملها بعض من لابس الجدل وهي باطلة عند المحققين فلا نذكر صيغا منها إلا وفيها خلاف ونحن نرتبها ونرسمها مسائل أن شاء الله تعالى.
- مسألة:
-
١٠٩٠- إذا استنبط القايس علة في محل النص وكانت مقتصرة عليه منحصرة فيه لا تتعداه فالعلة صحيحة عند الشافعي رضي الله عنه ونفرض المسألة في تعليل الشافعي تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية وهي مختصة بالنقدين لا تعدوهما.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا لم تتعد العلة محل.
- ج ٢ ص ١٤٧
النص كانت باطلة.
-
والمعتمد في صحة العلة أنها مستجمعة شرائط الصحة إخالة ومناسبة وسلامة عن الاعتراضات ومعارضات النصوص وهي على مساق العلل الصحيحة ليس فيها إلا [اقتصارها] وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا يئول إلى أن النص يوافق مضمون العلة ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد بصحتها أولى من أن يشهد على فسادها وليس يمتنع في حكم الله تعالى ووضع شرعه أن تكون العلة المستثارة هي العلة المرعية [الشرعية] في القضية التي ثبت حكمها بالنص فإذا لم يمتنع ذلك وقوعا ولم يوجد إلا موافقة النص ومطابقته لموجب العلة فلا وجه [للحكم] بفسادها.
-
١٠٩١- ويتوجه وراء ذلك سؤالان: والانفصال عنهما يبين حقيقة المسألة.
-
أحدهما: أن قائلا لو قال العلة تستنبط وتستثار لفوائدها ولا فائدة في العلة القاصرة فإن النص يغني عنها ولسنا نمنع الظان أن يظن حكمه في مورد النص ومن اكتفى بهذا التقدير سوعد وليس ذلك محل الخلاف المعنى بالصحة والفساد فإن الغرض إبانة كون العلة القاصرة مأمورا بها ومعنى صحتها موافقتها الأمر ومعنى فسادها عدم تعلق الأمر بها ولا حرج على المفكرين في استنباط حكم إذا لم يكن استنباطهم مناطا لأمر فيخرج من ذلك أن القائل بالعلة [القاصرة] إن لم يظهر لها فائدة لزمه الاعتراف بكونها ساقطة الاعتبار خارجة عن تعلق الأمر الشرعي ولقد أضطرب أرباب الأصول عند هذا المنتهى.
-
١٠٩٢- ونحن نذكر المختار من طرقهم ونعترض على ما يتطرق الاعتراض إليه ثم ننص على ما نراه.
قال قائلون ممن يصحح العلة القاصرة: فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس [إذا جرت نقودا وهذا خرق من قائله وضبط على الفرع والأصل فإن المذهب أن الربا لا يجري في الفلوس] إن استعملت نقودا فإن النقدية الشرعية مختصة بالمصنوعات من التبرين والفلوس في حكم العروض وإن غلب استعمالها.
-
ثم أن صح هذا المذهب قيل لصاحبه إن كانت الفلوس داخلة تحت أسم الدراهم فالنص متناول لها والطلبة بالفائدة قائمة وإن لم يتناولها النص فالعلة متعدية إذا.
- ج ٢ ص ١٤٨
والمسألة مفروضة في العلة القاصرة.
-
١٠٩٣- وقال قائلون: العلة القاصرة تفيد بعكسها فإذا ثبتت النقدية علة في النقدين فالنص مغن عن محل طرد العلة ولكن عدم النقدية يشعر بانتفاء تحريم الربا والنص على [اللقب] لا مفهوم له فهذا وجه إفادة العلة.
-
ويتوجه على هذا وجوه من الكلام واقعة لا استقلال بالجواب عنها:
منها أن الانعكاس لا يتحتم في علل الأحكام ولا يمتنع ثبوت علة يناط الحكم بها مع انتفاء العلة المعينة وإذا كان ذلك لا يمتنع فالعكس يضطر إلى إبطال ما يدعيه الخصم من العلة في معارضة العكس فإن لم يقدر على ذلك لم يستقل كلامه وإن تمكن من إفساد ما يبديه الخصم من العلل المتعدية فلا حاجة أيضا إلى تكلف العكس فإن الأحكام تثبت غير متعلقة بدلالة وأمارة فليكتف الناظر بالنص في محل إثبات الحكم [ثم يكفيه في محل العكس عدم الدلالات على ثبوت نقيض الحكم] الذي يشهد عليه النص في محله ورجع حاصل القول إلى تكلفة طردا وعكسا من غير فائدة.
-
ومما يوضح الغرض في ذلك أن العلة إنما تنعكس ويتعين التعلق بها في إثبات نقيض حكم الطرد وبعكسها بشرطين:
أحدهما: أن تكون مخيلة في الطرد والعكس يشعر العدم فيها بالعدم كما يشعر الوجود فيها بالوجود.
-
والآخر: ألا تخلف العلة الزائلة في الثبوت علة فإن لم تخلف علة وأحال النفي في الانتفاء إحالة الثبوت في الإثبات فإذ ذاك يتصور محل الطرد.
-
والعكس بصورة مسألتين مشتملتين على علتين وكل واحدة منهما سليمة عما يشترط سلامة العلل عنها وإذا كان الأمر كذلك فلتكن النقدية مخيلة حتى يتخيل فيها الانعكاس وليست النقدية مخيلة فقهية فقد سقط طلب إفادتها من جهة الانعكاس.
-
١٠٩٤- فإن قال قائل: إذا سلمتم أن العلة إذا لم تفد فلا يحكم عليها بصحة ولا فساد ولا تقدر متعلقا لأمر ولا نهي وعدت خطرة في مجاري الوسواس وخرجت عن الرتب المعول بها في الأقيسة فأين تستعمل هذه العلة القاصرة؟
-
[قلنا] : إن كان كلام الشارع نصا لا يقبل التأويل فلا نرى للعلة القاصرة وقعا ولكن يمتنع عن الحكم بفسادها لما ذكرناه في صدر المسألة وإنما [يفيد] إذا كان.
- ج ٢ ص ١٤٩
قول الشارع ظاهرا يتأتى تأويله ويمكن تقدير حمله على الكثير مثلا دون القليل فإذا سنحت علة توافق الظاهر فهي تعصمه عن التخصيص بعلة أخرى لا تترقى [في] مرتبتها على المستنبطة القاصرة.
-
١٠٩٥- ثم في ذلك سر وهو: أن الظاهر إذا كان يتعرض للتأويل ولو أول لخرج بعض المسميات ولارتد الظاهر إلى ما هو نص فيه فالعلة في محل الظاهر كأنها ثابتة في مقتضى النص متعدية إلى ما اللفظ ظاهر فيه حيث عصمته عن التخصيص والتأويل فكان ذلك إفادة وإن لم يكن تعديا حقيقيا فلا يتجه غير ذلك في العلة القاصرة فليفهم الفاهم ما يرد [عليه من] ذلك.
-
١٠٩٦- فإن قيل: قول الرسول عليه السلام: "لا تبيعوا الورق بالورق" ، الحديث١ نص أو ظاهر؟ فإن زعمتم أنه نص فالتعليل [بالنقدية] باطل وإن كان ظاهر فالأمة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فقد صار بقرينة الإجماع نصا فأي حاجة إلى التعليل؟ فهذا منتهى القول فيه.
-
فنقول: أما الحظ الأصولي فقد وفينا به والأصول لا تصح على الفروع فإن تخلفت مسألة فلتمتحن بحقيقة الأصول فإن لم تصح فلتطرح.
-
١٠٩٧- فإن قيل: ما ذكرتموه تصريح بإبطال التعليل بالنقدية.
-
قلنا: لم نر أحدا ممن خاض في مسائل الربا على تحصيل فيما نورده ونصدره والصحيح عندنا: أن مسائل الربا شبهية ومن طلب فيها إخالة اجترا على العرب كما قررناه في مجموعاتنا ثم الشبه على وجوه فمنها التعلق بالمقصود وقد بينا أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم والمقصود من النقدين النقدية وهي مقتصرة لا محالة وليست علة إذ لا شبه لها ولا إخالة فيها ولكن لما انتظم فيها اتباع المقصود عد من مسالك الأشياء الأربعة وليس بعد هذا نهاية.
-
١٠٩٨- السؤال الثاني: فإن قال قائل: النص مقطوع به والعلة مستنبطة مظنونة ومجال الاجتهاد عند انعدام القواطع فلتبطل العلة القاصرة من حيث إنها مظنونة وهذا قريب المأخذ من السؤال الأول فإن غايته ترجع إلى أن لا فائدة فيها ولا أثر لها وما اخترناه يدرأ هذا فإنا بينا أن العلة إنما تستنبط ولفظ الشارع ظاهر.
- ج ٢ ص ١٥٠
ثم نبهنا على التحقيق.
-
١٠٩٩- وقد ذكر بعض المنتمين إلى الأصول وهو: الحليمي طريقة [وأخذ] يتبجح بها وقال: من ينشئ نظره لا يدري أيقع على قاصرة أم متعدية فإن العلم بصفة العلة غير ممكن حالة إنشاء النظر فيجب النظر من هذه الجهة.
-
وقائل هذا قليل [النزل] فإن الخصم لا ينكر هذا وإنما الخلاف فيما تحقق قصوره فما قول هذا الشيخ إذا انكشف النظر والعلة قاصرة؟ ولا مزيد إذا على ما تقدم.
-
١١٠٠- ثم تكلم القائلون بالعلة القاصرة إذا عارضتها علة متعدية وثبت بمسلك قاطع من إجماع أو غيره اتحاد العلة في مورد النص فأي العلتين أقوى؟
-
فذهبت طوائف من الفقهاء إلى أن المتعدية أقوى من حيث إنها المفيدة والقاصرة يغنى النص عنها.
-
وذهب الأستاذ أبو إسحاق: إلى أن القاصرة أولى فإن النص شاهد لحكمها.
-
وامتنع آخرون من الترجيح من جهة التعدي والقصور.
-
وكل ذلك عندنا خارج عن حقيقة المسألة: ومن أطلع على ما قدمناه هانت عليه هذه المدارك وآل القول إلى أن القاصرة والمتعدية إذا سنحتا في مورد ظاهر والظاهر شاهد للقاصرة وهو أيضا شاهد في مضمونه للمتعدية فإن المتعدية تستوعب محل الظاهر وتزيد فقد استويا في الشهادة واختصت المتعدية بالإفادة وهي المعتبرة في تقدير توجه الأمر بالقياس فإذا جرت المتعدية سليمة لم يقدح فيها غير معارضة القاصرة.
-
١١٠١- والذي يظهر عندي أن المتعدية أولى وهذا إذا استوتا في المرتبة جلاء وخفاء.
-
وسيعود هذا الفصل بعينه في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى.
-
وما قدرناه لا يجري في [النقدين] فإن العلة التي عداها الخصم فيها باطلة من وجوه سوى المعارضة وإنما الذي ذكرناه كلام مرسل حيث يتصور سلامة القاصرة والمتعدية ولو فرضت كل واحدة منهما مفردة.
- مسألة:
-
١١٠٢- ومن الاعتراضات الفاسدة: أنه إذا تعلق المتعلق بما يدل على فساد في الفرع واستشهد به على فساد الأصل كان ذلك مقبولا عند المحققين وقد يناكد في مدافعه ذلك بعض الجدليين ويقول التفريع تسليم الأصل وخوض في تسليم الفرع والتصرف في الفرع اعتراف بصحة الأصل وثبوته فإذا قلنا: نكاح لا يفيد الحل مع إمكان الاستمتاع وجهوا هذا السؤال.
-
وهذا الاعتراض فاسد لا خفاء بسقوطه فإن [صحة] الأصول إذا كانت تقتضي صحة الفروع [ففساد الفروع] يدل على فساد الأصول وإنما يستمر هذا الاعتبار إذا قدر المعتبر أن الأصل إذا صح مقتضاه نقيض ما ثبت في الفرع في محل الاعتلال وإذا ثبت ذلك كان ذلك باعتبار حكم الفرع في نهاية الظهور وغاية القايسين الوصول إلى غلبات الظنون ولا مزيد على ما فيه الكلام فإذا ثبت اقتضاء أصل حكما وتبين أن ذلك الحكم غير ثابت ظهر أن الأصل لم يثبت على الصحة ولا يبقى مع هذا الإلحاح الجدلي ولجاجة في عبارة الأصل والفرع معنى.
-
١١٠٣- ومن لطيف الكلام في ذلك أن من لا يقول بالاستدلال ويزعم أن كل معنى يستدعي الاستناد إلى أصل وإن كان مخيلا فالذي يقتضيه قياسه أن يستثني هذا الفن ويقول به وإن لم يجد [أصلا] فإنه إذا سلم اقتضاء العقد حكما ثم لم يثبت مقتضاه فلا يستريب في اختلال العقد إذا تخلف عن اقتضائه.