مدخل

٦٥ فقرة، ج ٢ ص ١٦١

الصفحة ١ من ٢

  1. ...

    ج ٢ ص ١٦١
  2. الكتاب الرابع: كتاب الاستدلال.

  3. القول في الاستدلال.

  4. ١١٢٧- اختلف العلماء المعتبرون والأئمة الخائضون في الاستدلال وهو: معنى مشعر بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه والتعليل المنصوب جار فيه.

  5. ١١٢٨- فذهب القاضي وطوائف من متكلمي الأصحاب إلى رد الاستدلال وحصر المعنى فيما يستند إلى أصل.

  6. ١١٢٩- وأفرط الإمام إمام دار الهجرة مالك بن أنس في القول بالاستدلال فرئي يثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة وجره ذلك إلى استحداث القتل وأخذ المال بمصالح تقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول ثم لا وقوف عنده بل الرأي رأيه ما استند نظره وانتقض عن أوضار التهم والأغراض.

  7. ١١٣٠- وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما إلى [اعتماد] الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل ولكنه لا يستجيز النأي والبعد والإفراط وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبهية بالمصالح المعتبرة وفاقا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة.

  8. ١١٣١- فالمذهب إذا في الاستدلال ثلاثة:
  9. أحدها: نفيه والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل.

  10. والثاني: جواز إتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب قربت من موارد النص أو بعدت إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع.

  11. والمذهب الثالث: هو المعروف من مذهب الشافعي: التمسك بالمعنى وإن لم يستند إلى أصل على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة.

    ج ٢ ص ١٦٢
  12. ١١٣٢- أما القاضي فإنه احتج بأن قال: الكتاب والسنة متلقيان بالقبول والإجماع ملتحق بهما والقياس المستند إلى الإجماع هو الذي يعتمد حكما وأصله متفق عليه.

  13. أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها فانتفاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به.

    وقال أيضا: المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشارع وإذا لم يكن يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء حكمة الحكماء فيصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء ولا ينسب ما يرونه إلى ربقة الشريعة وهذا ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أن كلا يفعل ما يراه ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون.

  14. ١١٣٣- وأما الشافعي فقال: إنا نعلم قطعا أنه لا تخلو واقعه عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على ما سنقرره في كتاب الفتوى.

  15. والذي يقع به الاستقلال هاهنا: أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعه [على] كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى ولو كان ذلك ممكنا لكانت تقع وذلك مقطوع به أخذا من مقتضى العادة وعلى هذا علمنا بأنهم رضى الله عنهم استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق [بانبساطها] على الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح متشوف إلى ما سيقع ولا يخفى على المنصف أنهم [ما] كانوا يفتون فتوى من فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن حكم [الله] وإلى ما لا يعرى عنه.

  16. فإذا تبين ذلك بنينا عليه المطلوب وقلنا: لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما اتسع باب الاجتهاد فإن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر ولو لم يتمسك الماضون بمعان في.

  17. وقائع لم يعهدوا أمثالها لكان [وقوفهم عن] الحكم يزيد على جريانهم وهذا [إذا] صادف تقريرا لم يبق لمنكري الاستدلال مضطربا.

    ج ٢ ص ١٦٣
  18. ١١٣٤- ثم عضد الشافعي هذا بأن قال: من سبر أحوال الصحابة رضي الله عنهم وهم القدوة والأسوة في النظر لم ير لواحد منهم في مجالس الاشتوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فإذا ثبت اتساع الاجتهاد واستحال حصر ما اتسع منه في المنصوصات وانضم إليه عدم احتفال علماء الصحابة تطلب الأصول أرشد مجموع ذلك إلى القول بالاستدلال.

  19. ١١٣٥- ومما يتمسك به الشافعي رضي الله عنه أن يقول: إذا استندت المعاني إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست الأصول وأحكامها حججا وإنما الحجج في المعنى ثم المعنى لا يدل بنفسه حتى يثبت بطريق [إثباته] وأعيان المعاني ليست منصوصة وهي [المتعلق] فقد خرجت المعاني عن ضبط النصوص وهي متعلق النظر والاجتهاد ولا حجة في انتصابها إلا تمسك الصحابة رضي الله عنهم بأمثالها وما كانوا يطلبون الأصول في وجوه الرأي فإن كان الاقتداء بهم فالمعاني كافية وإن كان التعلق بالأصول فهي غير دالة ومعانيها غير منصوصة.

  20. ١١٣٦- ومن تتبع كلام الشافعي لم يره متعلقا بأصل ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة فإن عدمها التفت إلى الأصول [مشبها] كدأبه إذ قال طهارتان فكيف يفترقان؟ ولا بد في التشبيه من الأصل كما سنجري في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى.

  21. ١١٣٧- وأما ذكره القاضي من المسلك الأول ففي طرد كلام الشافعي ما يدرؤه ولو قيل: لم يصح في النقل عن واحد طرد القياس على ما يعتاده بنو الزمان من تمثيل أصل واستثارة معنى منه وربط فرع به لكان ذلك أقرب مما قال القاضي.

  22. ١١٣٨- وأما ما ذكره من خروج الأمر عن الضبط والمصير إلى انحلال ورد الأمر إلى آراء ذوي الأحلام فهذا إنما يلزم مالكا رضي الله عنه ورهطه إن صح ما روى عنه كما [سنقيم] الآن واضح الرأي على أبي عبد الله مالك رضي الله عنه أولا حتى إذا انتجز ضممنا [النشر] وأنهينا النظر وأتينا بمسلك اليقين والحق المبين مستعينين بالله تعالى وهو خير معين.

  23. ١١٣٩- فنقول لمالك رحمه الله: [أتجوز] التعلق بكل رأي فإن أبي لم نجد مرجعا نقر [عنده] إلا التقريب الذي ارتضاه الشافعي رضي الله عنه كما سنصفه وإن لم يذكر ضبطا وصرح: بأن ما لا نص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي المرسل واستصواب ذوي العقول فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط ويلزم منه ما ذكره القاضي رحمه الله.

    ج ٢ ص ١٦٤
  24. ١١٤٠- وما نزيده الآن قائلين: لو صح التمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة لكان العاقل ذو الرأي العالم بوجوه الإيالات إذا راجع المفتين في حادثة فأعلموه أنها ليست منصوصة في كتاب ولا سنة ولا أصل لها يضاهيها لساغ والحالة هذه أن يعمل العاقل بالأصوب عنده والأليق بطرق الاستصلاح.

  25. وهذا مركب صعب لا يجترئ عليه متدين ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء وإحكام الحكماء ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك.

  26. ثم وجوه الرأي تختلف بالأصقاع والبقاع والأوقات ولو كان الحكم ما ترشد إليه العقول في طرق الاستصواب ومسالكه تختلف للزم أن تختلف الأحكام [باختلاف] الأسباب التي ذكرناها.

  27. ثم عقول العقلاء قد تختلف وتتباين على النقائض والأضداد في المظنونات ولا يلزم مثل ذلك فيما له أصل أو تقريب فإن [شوف] الناظرين إلى الأصول الموجودة فإذا رمقوها واتخذوها معتبرهم لم يتباعد أصلا اختلافهم.

  28. ولو ساغ [ما قاله] مالك رضي الله عنه إن صح عنه لاتخذ العقلاء أيام كسرى أنو شروان في العدل والإيالة معتبرهم.

  29. وهذا يجر [خبالا لا] استقلال به.

  30. ١١٤١- وإن أخذ مالك رحمه الله وأتباعه يقربون وجه الرأي من القواعد الثابتة في الشريعة فالذي جاءوا به مذهب الشافعي رحمه الله على ما سنصف طريقة.

  31. وإنما وجهنا ما ذكرناه على [من] يتبع الرأي المجرد ولا يروم ربطة بأصول الشريعة ويكتفي ألا يكون في الشريعة أصل يدرؤوه من نص كتاب أو سنة أو إجماع.

  32. ١١٤٢- فإن قيل: فما معنى التقريب الذي نسبتموه إلى الشافعي؟

  33. قلنا: هذا [محز] الكلام ونحن نقول: قد ثبتت [أصول] معللة اتفق القايسون.

  34. على عللها فقال الشافعي أتخذ تلك العلل معتصمي وأجعل الاستدلالات قريبة منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلا أصول والاستدلال معتبر بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة بمعنى جامع فإن متعلق الخصم من صورة الأصل معناها لا حكمها فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع ولم يرده أصل كان استدلالا مقبولا.

    ج ٢ ص ١٦٥
  35. وهذا يتبين برسم مسألة واستقصاء القول فيها ونحن نجريها ونذكر ما فيها حتى تنتج الأصول والمعاني والاستدلالات.

  36. مسألة:
  37. ١١٤٣- الرجعية محرمة الوطء عند الشافعي وهي مباحة الوطء عند أبي حنيفة رضي الله عنهما.

  38. ومعتمد الشافعي: أنها متربصة في تبرئة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها في الزمان الذي تؤمر فيه بالتبرئة متناقض.

  39. وهذا معقول فإن المرأة لو تربصت قبل الطلاق [واعتزلها] الزوج لم يعتد بما جاءت به عدة فلو كانت تحل قبل الطلاق وبعده لما كان لاختصاص الاعتداد بما بعد الطلاق معنى ولم يطلب الشافعي بهذا المعنى أصلا وما ذكره قريب من القواعد فإنه كلام منشؤه من فقه العدة ثم عضده بما قبل الطلاق.

  40. ١١٤٤- وقال بعض أصحابه: نقيس الرجعية على البائنة في العدة.