فصل: في ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالخوض فيها فلا وجه لإخلاء هذا المجموع عنها
٩١ فقرة، ج ١ ص ٤٧
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٤٧
٨٦- منها: اللغة من لغي يلغى إذا لهج بالكلام وقيل لغي يلغا والكلام هو المفيد والمفيد جملة معقودة من مبتدأ وخبر وفعل أو فاعل والكلم جمع كلمة كالنبق والنبقة واللبن واللبنة وهي تنطلق على ما يفيد وعلى مالا يفيد والكلم الذي ينتظم الكلام [منه] اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.
-
٨٧- فالاسم كقولك: رجل ودابة وكل مادل على معنى سمى به ثم.
- ج ١ ص ٤٨
الأسماء تنقسم إلى متمكن وإلى غير متمكن فأما غير المتمكن فهو الذي يحتاج الناظر إلى فكر في إلحاقه بقبيل الأسماء كقولك أين وكيف ومتى وما في معناها وهي كلها مبنيات لا يدخلها الإعراب لمشابهتها الحروف١ والمتمكن مالا يستراب في كونه اسما وهو ينقسم إلى ما يسمى الأمكن وهو ما ينصرف ويجر٢ ومعنى الانصراف قبول الجر والتنوين٣ وما لا ينصرف يسمى متمكنا ولا يجر٤ ولا ينون.
-
٨٨- والأفعال صيغ دالة على أحداث أسماء مشعرة بالأزمان والأحداث هي المصادر وهي أسماء ولكنها لصيغ الأفعال كالتبر للصور المصوغة.
-
ثم الأفعال٥ مبنية خلا المضارع والمضارع ما يلحق أوله إحدى الزوائد الأربع.
-
الهمزة والياء والتاء والنون في قولك أفعل تفعل يفعل نفعل.
-
٨٩- والحروف صلات بين الأسماء والأفعال وهي كلها مبنية ثم إنها تنقسم أربعة أقسام: .
- ج ١ ص ٤٩
أحدهما: ما لا يغير اللفظ والإعراب ويغير المعنى كقولك زيد منطلق ثم تقول هل زيد فالإعراب على ما كان وقد تغير المعنى من التحقيق إلى الاستفهام.
-
والثاني: ما يغير اللفظ والإعراب ولا يغير المعنى تقول زيد في الدار ثم تقول إن زيدا في الدار فقد تغير الإعراب والمعنى بحاله.
-
والثالث: ما يغير اللفظ والمعنى تقول زيد خارج ثم تقول لعل زيدا خارج فالإعراب قد تغير وتغير المعنى من التحقيق إلى الترجي.
-
والرابع: مالا يغير اللفظ ولا المعنى وهي الزوائد قال الله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ} ١ معناه فبرحمة من الله.
-
ثم تكلموا في أمور هي محض العربية ولست أرى ذكرها ولكن أذكر منها ما تكلم فيه أهل النظر من الفقهاء والأصوليين ثم لا أجد بدا من ذكر معاني حروف كثيرة الدوران في الكتاب والسنة وبالله التوفيق.
- مسألة:
-
٩٠- ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا وزعموا أنه في قوله سبحانه وتعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} ٢ يتضمن ذلك وهذا خلف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جنى في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي وبين أن يقول مسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب.
-
وقال الشافعي رحمه الله تدخل الباء بمعنى "على" قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} ٣ أي على دينار.
-
وقال سيبويه٤ رحمه الله وترد بمعنى أجل قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَمْ.
- ج ١ ص ٥٠
أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} ١ أي ولم أكن لأجل دعائك شقيا وقال غيره هي بمعنى "في" أي في دعائك.
-
وقد يكون زائدا لا معنى له تقول رضيت به ورضيته ومعناه الظاهر الإلصاق في مثل قولك مررت بزيد ومن أحكامه تعدية الفعل اللازم تقول قمت وقمت به وذهبت به وهذا قياس جار [مطرد] .
- مسألة:
-
٩١- خاض الفقهاء في الواو العاطفة وأنها هل تقتضي ترتيبا٢ أو جمعا٣ فاشتهر من مذهب الشافعي رحمه الله المصير إلى أنها للترتيب.
-
وذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إلى أنها للجمع.
-
٩٢- وقد زل الفريقان فأما من قال: إنها للترتيب فقد احتكم في لسان العرب فإنا باضطرار نعلم من لغتها ولسنها أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك تقديم رؤية زيد وقد يعلم الناطق والمخاطب أن رؤية عمرو كانت متقدمة ويحسن نظم الكلام كذلك.
-
ومن أصدق الشواهد في إبطال ادعاء الترتيب أن العرب استعملت الواو في باب التفاعل فقالت تقاتل زيد وعمرو ولو قالت تقاتل زيد ثم عمرو لكان خلفا.
-
فإن قيل إذا قال الزوج للتي لم يدخل بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة ولم تلحقها الثانية ولو كانت الواو تقتضي جمعا للحقتها الثانية كما تطلق تطليقتين إذا قال لها أنت طالق طلقتين وهذا تلبيس لا يتلقى من مثله مأخذ اللسان والسبب في أن الثانية لا تلحقها أن الطلاق الثاني ليس تفسيرا لصدر الكلام والكلام الأول تام فبانت به وإذا قال أنت طالق طلقتين فالقول الأخير بعد استكمال الكلام الأول في حكم البيان له فكأن الكلام بآخره فهذا وجه الرد على من يرى الواو.
- ج ١ ص ٥١
مرتبة وأما من زعم أنها للجمع فهو أيضا متحكم فإنا على قطع نعلم أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك أنه رآهما معا.
-
فإذا مقتضى الواو العطف والإشتراك وليس فيه إشعار بجمع ولا ترتيب.
-
نعم قد ترد في غير غرض المسألة بمعنى الجمع إذا قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ومنه قول الشاعر١:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم.
-
فلا تكون الواو عاطفة في ذلك فإن أردت العطف قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن وأنت تعني النهي عن كل واحدة منهما والمعنى لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن وترد الواو في باب المفعول معه بمعنى "مع" تقول استوى الماء والخشبة وجاء البرد والطيالسة قال سيبويه رحمه الله قد ترد [الواو] بمعنى إذ وهي التي تسمى واو الحال قال الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} ٢ أي إذ طائفة [ {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} ] .
-
٩٣- فأما الفاء فإن مقتضاها التعقيب٣ والتسبيب٤ والترتيب٥.
- ج ١ ص ٥٢
ولذلك تستعمل جزاء تقول إن تأتني فأنا أكرمك وإذا جرى جزاء فهو الذي عنيناه بالتسبيب ثم من ضرورة التسبيب الترتيب والتعقيب.
-
وقد ترد الفاء مورد الواو للعطف والتشريك وأكثر ما يلفى كذلك في أسماء البقاع كقول١ امرىء القيس٢:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
-
فأما "ثم" فمن العواطف ولكن للترتيب مع التراخي وبالله التوفيق.
- مسألة تحوى مراسم الأصوليين في معاني الحروف:
-
ونحن نذكر فيها لمعا مفيدة يستقل بها من لم يحط بالعربية.
-
٩٤- فمنها "ما" وقد تكون حرفا وقد تكون اسما.
-
فأما ما يقع حرفا فينقسم إلى "ما" له معنى وإلى ما ليس له معنى.
-
فأما ما له معنى فهو "ما" النافية وهي تدخل على الاسم والفعل تقول ما قام زيد [وما زيد قائم] .
-
وإن اتصلت "ما" بالإبتداء أو الخبر فأهل الحجاز يرون إحلالها محل ليس فيرفعون بها الاسم وينصبون الخبر وهي لغة القرآن قال الله عز وجل: {مَا هَذَا بَشَراً} ٣ وبنو تميم لا تعمل ما النافية لأنها تدخل على الاسم والفعل وقياس "ما" يدخل على البابين أعني الاسم والفعل ألا يعمل في واحد منهما.
-
وأما ما ليس له معنى فما الكافة لعمل ما يعمل دونها تقول أن زيدا منطلق.
-
وإنما زيد منطلق وما الزائدة في مثل قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} ٤.