فصل: في تعارض الظواهر

٧١ فقرة، ج ٢ ص ١٩٥

الصفحة ١ من ٢

  1. ١٢٢٧- [كل ما] قدمناه في تعارض النصوص.

    ج ٢ ص ١٩٥
  2. وأما إذا تعارض ظاهران يتطرق التأويل إلى كل واحد منهما فتتسع مسالك الترجيح فإن مبنى التعلق بالظاهر على غلبات الظنون وهي حرية بالترجيحات.

  3. فإذا تعارضا وتأيد أحدهما بمزية ثقة في الراوي أو العدد في الرواة فالوجه التمسك بما تأيد بهذه الجهات وليس كالنصين فيما قدمناه فإنا تحققنا [من] طرق الماضين أنهم في غلبات الظنون كانوا يبغون ترجيح ظن على ظن.

  4. وإنما توقفنا في تعارض النصوص من جهة أن معارضة النص بالنص يوهي التعلق به واقتضاؤه إياه يزيد على ما يتعلق به الترجيح وأيضا فإنا لم نتحقق مثالا في تعارض النصيين مع ترجيح أحدهما بمزية البينة والعدد ولم ينقل لنا مسلك الأولين في مثل ذلك حتى نتخذه معتبرا.

    ج ٢ ص ١٩٦
  5. [وأما ما] يتعلق بالظنون [فقد] استبنا على قطع استرسال الأولين في الاستمساك بما يتضمن مزية في تغليب الظن فإذا تعارض ظاهران ولم يكن أحدهما في الثبوت والتعرض للتأويل بأولى من الثاني ولم يتطرق إلى أحدهما ما يوجب تغليب الظن فتعارضهما والحالة هذه كتعارض النصين على ما تقدم.

  6. مسألة:
  7. ١٢٢٨- إذا تعارض ظاهران أحدهما من الكتاب والآخر من السنة فقد اختلف أرباب الأصول.

    فقال بعضهم: يقدم كتاب الله تعالى وقال آخرون: تقدم السنة وقال آخرون: هما متعارضان.

  8. ١٢٢٩- فأما من قدم الكتاب فمتعلقه قول معاذ١ إذ قال: "أحكم بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله فإن لم أجد اجتهد رأيي" ٢ واشتهر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الابتداء بالكتاب ثم طلب السنة إن لم يجدوا متعلقا من الكتاب.

  9. ١٢٣٠- ومن قدم السنة احتج بأن السنة هي المفسرة للكتاب وإليها الرجوع في بيان مجملات الكتاب وتخصيص ظواهره وتفصيل محتملة.

  10. ١٢٣١- والصحيح عندنا الحكم بالتعارض فإن الرسول عليه السلام ما كان يقول من تلقاء نفسه شيئا وكل ما كان يقول فمستنده أمر الله تعالى وما ذكره معاذ فمعناه أن ما يوجد فيه نص من كتاب الله تعالى فلا يتوقع فيه خبر يخالفه فمبني الأمر فيه على تقديم الكتاب ثم آي الكتاب لا تشتمل على بيان الأحكام والأخبار أعم وجودا [منها] ثم طرق الرأي لا انحصار لها فجرى الترتيب منه بناء على هذا في الوجود.

  11. ونحن فرضنا المسألة في ظاهرين ليسا نصين وكذلك ما ادعاه من ابتدار الصحابة الكتاب فهو منزل على ما ذكرناه.

    ج ٢ ص ١٩٧
  12. فأما كون السنة مفسرة فلا تعلق [فيه] فإنا نقول أن روى تفسيرا للكتاب فلا خلاف في قبوله وتنزيل الكتاب عليه ومعظم التفاسير منقولة آحادا وليس هذا من غرضنا وكذلك لو كان الخبر الذي نقله الأثبات نصا في معارضه ظاهر فالنص مقدم على الظاهر من الكتاب والسنة.

  13. وقد ذكرنا هذا في تخصيص العموم وأشرنا إلى خلاف فيه والذي ذكرناه الآن هو المختار.

  14. ١٢٣٢- وقال القاضي رحمه الله: إن تعارض ظاهر خبر نقله الآحاد فهما متعارضان وهذا لست أراه كذلك فإن الظاهرين متساويان في تطرق التأويل إلى كل واحد منهما والكتاب يختص [بثبوته على جهة القطع] ولا أعرف خلافا [أنه] إذا تعارض ظاهران من الأخبار أحدهما منقول تواترا والآخر منقول آحادا فالمتواتر يقدم فليكن الأمر كذلك في تقديم الكتاب على السنة.

  15. مسألة:
  16. ١٢٣٣- قال الله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} ١ الآية وهذه الآية من آخر ما نزل ولا خلاف أنها ليست منسوخة.

  17. وقد تعلق مالك رحمه الله بموجبها ونزل مذهبه عليها فحرم ما اقتضت الآية تحريمه وأحل ما عداه ورأى الشافعي رحمه الله التعلق بأخبار نقلها الآحاد وترك موجب الآية لها.

  18. منها: أنه عليه السلام نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير٢ وحرم الفواسق٣ وحرم الحمر الأهلية٤ والأخبار في تحريمها

    ج ٢ ص ١٩٨بعد التحليل في الصحاح.

  19. وتقديم أخبار الآحاد على نص الكتاب مشكل في غير محل الإجماع وليس القرآن في مرتبة الظواهر في هذا الغرض ولكنه يشتمل على النفي والإثبات والإبقاء والاستثناء وهذا أبعد في التأويل من الأخبار التي رويت في معرض المناهي.

  20. وصيغ النهي ليست نصوصا في التحريم والتنزيه غالب في كثير من المطعومات.

  21. ١٢٣٤- والذي اعتمده الشافعي في الكلام على الآية تنزيلها على [سبب] في النزول يدل عليه ما قبل الآية التي فيها الكلام وما بعدها وذلك أنه قال: زعمت اليهود أن الشحوم محرمة وذكر تفاصيلهم في البحيرة والسائبة ونسبوا النبي عليه السلام إلى أنه بغير حكم الله تعالى من تلقاء نفسه وأباح طوائف من الكفار الميتة وجادلوا المسلمين فيها وكانوا يقولون: تستحلون ما تقتلون ولا تستحلون ما يقتله الله تعالى وأباح آخرون الخنزير والدم فأنزل الله تعالى أنه لم يحرم إلا ما أحلوه وأنهم مراغمون لما أنزل الله تعالى على نبيه عليه السلام وتجري الآية على مذهب من يقول لمن يخاطبه لم تأكل اليوم حلاوى؟ فيقول المجيب: لم آكل اليوم إلا الحلاوى.

  22. ١٢٣٥- وهذا [استكراه] عندي في الكلام على الآية ولكن يعضده عندي ما هو مجمع عليه في أمور ومذهب مالك مسبوق بالإجماع فيها فإنا لا نشك في اجتناب أصحاب النبي عليه السلام أكل الحشرات وغيرها واعتقادهم أنها بمثابة المحرمات وكذلك الخمر محرمة وليس لها ذكر في هذه الآية ونزولها مسبوق يتحريم الخمر فإذا ظاهر الآية متروك بالإجماع ولا يعتد [مع تحققه] بخلاف مالك بعده فينتظم من ذلك الآية على ما ذكره الشافعي.

  23. مسألة:
  24. ١٢٣٦- إذا ورد عام وخاص في حادثة وتسلط الخاص [على العام] إجماعا وورد مثله عام وخاص فالوجه تنزيل العام على موجب الخاص.

  25. ومثال موضع الخلاف والوفاق ما نصفه الآن أما المتفق عليه فتنزيل قوله

    ج ٢ ص ١٩٩قوله عليه السلام: "في الرقة ربع العشر" ١ على قوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" ٢ والحديث الأول يعم القليل والكثير والحديث الثاني يخص الزكاة بالنصاب فهذا متفق عليه وسببه أن المقيد من الخبرين نص في نفي الزكاة عما قصر عن خمس أواق والخبر الأول ظاهر غير مقصود والغالب على الظن أن المراد بيان قدر الزكاة.

  26. ١٢٣٧- فأما ما أختلف العلماء فيه وهو [في] معنى ما وصفناه فقوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر" مع قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" ٣.

  27. فلم يعتبر أبو حنيفة النصاب وتعلق بظاهر قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر" ٤ وقال الشافعي أقصى الممكن منه تسليم ظاهره.

  28. على أن الأمر على خلاف ذلك فإنه لا يخفى على الفاهم أن الغرض من مساق الحديث الفصل بين العشر وبين نصف العشر فإنه عليه السلام قال: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بنضح أو دالية نصف العشر" ٥ وخمسة أوسق نص فلا عذر لأبي حنيفة في تركه.

  29. وضرب الشافعي ما [في الورق] من الخبرين مثالا ورأى ما ذكره مسلكا قطعيا وألحق الشافعي بهذا الفن قوله عليه السلام: "في أربعين شاة, شاة" ٦ مع قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" .

  30. وهذا دون القسم الأول فإن اشتراط السوم متلقى من المفهوم ونفي الزكاة عما

    ج ٢ ص ٢٠٠دون خمسة أوسق منصوص عليه على وجه لا يقبل التأويل.

  31. مسألة:
  32. - ١٢٣٨ إذا تعارض عمومان من الكتاب [أو السنة] فظاهرهما التناقض والتنافي مثل قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ١ فهذا ظاهر في وضع السيف فيهم حيث يثقفون.

    وقال في آية أخرى حَتَّى: {يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} ٢ فظاهر الآية أخذ الجزية من كل كافر كتابيا كان أو وثنيا.

    وقال عليه السلام: "خذ من كل حالم دينارا" ٣.

  33. وظاهر هذا جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير تفصيل.

    وقال عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" ٤ وظاهر هذا أن الجزية لا تؤخذ وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو الإسلام.

  34. ١٢٣٩- وقال بعض الفقهاء فيما ذكرناه وأمثاله: الوجه الجمع بين الظاهرين في المقدار الممكن فنأخذ الجزية من أهل الكتاب لآية الجزية ونضع السيف فيمن ليس متمسكا بكتاب ولا شبهة كتاب لظاهر الآية الواردة في القتل.

  35. وزعم هؤلاء أن هذا يتضمن استعمال مقتضى كل واحدة من الآيتين وكذلك القول في الخبرين وهؤلاء يرون تصرفا في الظواهر مستقلا بنفسه غير محتاج إلى إقامة دلالة.

  36. ١٢٤٠- وهذا مردود عند الأصوليين فالظاهر إذا تعارضهما إلا أن يتجه تأويل وينتصب عليه دليل كما أوضحنا سبيل ذلك في كتاب التأويلات.

  37. وما ذكره الفقهاء من الجمع احتكام لا أصل له ولو لم يقم عليه دليل لكان

    ج ٢ ص ٢٠١ذلك الممسك متضمنا تعطيل الظاهرين وإخراجهما من حكم العموم من غيره دليل وليس أحد الظاهرين أولى بالتسليط على الثاني من الآخر وكل عموم خص فلا بد من عضد تخصيصه بدليل ونحن إنما نخص الجزية بالكتابيين بأخبار وآثار مسطورة في كتب الفقه.

  38. والغرض من هذا الفصل إجراء الظاهرين على تعارضهما من غير أن يجعل أحدهما دليلا في تخصيص الثاني ثم يجعل الثاني دليلا في تخصيص الأول وهذا لا سبيل إليه.

  39. ولكن اتجه في كل ظاهر تخصيص افتقر ذلك التخصيص إلى دليل غير الظاهرين وإن لم يتجه تعلقنا بالترجيح إن وجدناه فإن لم نجد نزلنا عن التعلق بالظاهرين.

  40. مسألة: