مسائل في أغراض المرجحين
٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٢٣٨
الصفحة ١ من ٢
- مسألة:
-
١٣٨٢- ذهب ذاهبون إلى أن ما تجاذبه أصلان وتعارض في إلحاقه بأحدهما نظر النظار فمن تمكن من توفير شبهى الأصليين كان مسلكه مرجحا ومثلوا ذلك بالقول في يمين اللجاج والغضب فإنها بين النذر الذي يوجب الوفاء وبين اليمين التي توجب
ج ٢ ص ٢٣٩الكفارة فمن خير بين الوفاء والكفارة كان مسلكه مرجحا من جهة توفير شبهى الأصليين.
-
١٣٨٣- وهذا مزيف عندنا من جهة أنه ترجيح مذهب لا ترجيح علة جارية على شرط الصحة وقد قدمنا في أول [الكتاب] أن المذاهب لا ترجح [و] مأخذ مسألة يمين اللجاج من [الآثار عندنا] وكل من سلك هذا المسلك فهو يزعمه [يوفر] شبهين من أصلين على إبعاد في الكلام وهو على القرب بقطعة عنهما جميعا وهو غافل عما يأتي.
-
وبيانه أن مقتضى النذر إلتزام الوفاء [لا تجويزه] ومقتضى اليمين التزام الكفارة والتخيير مباين للمقتضيين ووضوح ذلك مغن عن بسط القول فيه.
- مسألة:
-
١٣٨٤- إذا تعارضت علتان واختصت إحداهما بالاستناد إلى أصول ففي الترجيح بكثرة الأصول خلاف بين أهل الأصول.
-
فذهب بعضهم: إلى أن ذلك يقتضي ترجيحا من جهة أنها في محل الشواهد وكثرة الشهادات تغلب على الظن وهو المقصود بالترجيح واستشهد هؤلاء بكثرة الرواة في تعارض الخبرين.
-
١٣٨٥- والرأي الحق عندنا يقتضي تفصيلا.
-
فإن كان المعنى الجامع واحدا وكان مستندا إلى أصول فلست أرى الترجيح بكثرة الأصول والحالة هذه فإن الدلالة على الحكم [هي] المعنى وإنما يذكر الذاكر الأصل استئناسا به وأمنا من الوقوع في متسع الظنون مع العلم بأن مسالكها مضبوطة في الشريعة وهذا يحصل بأصل واحد وليس عدد الأصول بمثابة عدد الرواة فإن التعويل في الأخبار على الثقة وظهورها في الظن وهذا يزداد بزيادة عدد الرواة ولو استمكن القايس من جوامع وكل جامع معنى مستقل مستند إلى أصل ولم يتمكن الخصم إلا من معنى واحد فلا شك أن من كثرة معاينة مع الاستواء في الرتب مقدم لكثرة الدلالات وهذا الآن يناظر كثرة الرواة.
-
ولكن إذا عارض معنى الخصم معنى آخر ثم أتى بمعان فهذا من باب ترجيح دليل بدليل وقد تقدم القول فيه وهو متعلق بلفظ [بعدما وضح] أن صاحب.
- ج ٢ ص ٢٤٠
المعاني يقدم مذهبه.
-
١٣٨٦- ومما يتصل بهذا الفصل أن الناظر في مسلك الأشباه قد يلقى صورة تضاهي كثرة الأصول والترجيح بها واقع.
-
ومثاله: أن أحمد بن حنبل رحمه الله جوز المسح على العمامة تشبيها بالمسح على الخفين ومنعه الشافعي رحمه الله تشبيها بالوجه واليدين.
-
فإذا ما يمنع المسح فيه أكثر وهذا يقوي من جهة أن الكلام في قربه واحدة تشتمل عليها رابطة فكثرة الأمثلة فيها تقرب من مآخذ الأشباه وليس هذا كأصول متبددة يجمعها معنى واحد فليفهم الناظر ما يرد عليه.
-
١٣٨٧- فإن قيل: إلحاق الرجل بالرأس أخص وأمس من جهة أن التخفيف يتطرق إليها.
-
قيل: هذا باطل فإن ما ابتنى على التخفيف أشعر ابتناؤه عليه باكتفاء الشرع به حتى لا مزيد وهذا يعتضد بأمر واقع وهو تيسير مسح الرأس مع العمامة من غير احتياج إلى [تنحيتها] بخلاف القدم والخف ثم محل الأشباه في الرخص البعيدة عن مدارك المعاني الجزئية والكلية ضيق جدا والأصل اتباع الأصل.
- مسألة:
-
١٣٨٨- إذا تعارض قياسان ومع أحدهما ظاهر معرض للتأويل فالعلماء على مذاهب.
قال بعضهم: إذا كان الظاهر بحيث يسوغ تأويله بالقياس الذي يعارضه فلا وقع له ولا ترجيح به والقياسان متعارضان.
وقال قائلون: القياس الذي يعتضد بالظاهر مرجح وقال آخرون القياسان يتساقطان والتعلق بالظاهر.
-
١٣٨٩- فأما من أسقط الظاهر فمذهبه مردود وذلك أن تأويل الظاهر إنما ينساغ إذا اعتضد بقياس غير معارض والمسألة مفروضة في تعارض القياسين.
-
وإذا بطل هذا المذهب فالمذهبان الآخران بعده متقاربان وحاصلهما يئول إلى
ج ٢ ص ٢٤١تقديم المذهب الذي توافق عليه الظاهر والقياس.
-
١٣٩٠- والعبارة السديدة: ترجح القياس المعتضد بالظاهر فإن الظاهر لا يستقل دليلا مع قياس يصلح لإزالة الظاهر فإذا لم يستقل دليلا واعتضد به قياس أفاده ترجيحا وتلويحا ولا مرد على من أسقط القياسين وتمسك بالظاهر والأمر بعد بطلان المذهب الأول قريب.
- مسألة:
-
١٣٩١- إذا تعارض قياسان واعتضد أحدهما بمذهب صحابي.
-
فمن يقول: مذهب الصحابي حجة عد هذا من انضمام دليل إلى أحد القياسين وهذا يقتضى تقديم المذهب الذي تطابق عليه القياس ومذهب الصحابي.
-
ويقع الكلام في أن هذا هل يسمى ترجيحا أم لا؟ وإذا كنا لا نرى التعلق بمذهب الصحابي فلا أثر له في الترجيح وقوله كقول بعض علماء التابعين ومن بعدهم.
-
١٣٩٢- وإن اعتضد القياس بمذهب صحابي شهد له الشارع بمزية علم في ذلك الفن كقوله عليه السلام أفرضكم زيد فهذا على المذهب الظاهر يقتضى ترجيحا وإن كنا لا نرى قول الصحابي حجة وذلك لما في هذا التوافق من تغليب الظن مع المصير إلى أن مجرد قوله ليس بحجة.
-
١٣٩٣- ثم قال الشافعي رضي الله عنه قول زيد في الفرائض أرجح من قول معاذ وإن [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] : "أعرفكم بالحلال والحرام معاذ" ١ وذلك أن شهادة الرسول عليه السلام لزيد٢ أخص في الفرائض٣ وأدل على اختصاصه بمزية الدرك فيها.
-
وكذلك مذهبه مع انضمام قياس أرجح من مذهب علي رضي الله عنه وإن قال الرسول عليه السلام: "أقضاكم علي" ٤ وهذا أوضح وأبين مما قدمناه في
ج ٢ ص ٢٤٢في معاذ فإن شهادة الشارع له بمزية النظر في القضاء تشير إلى التفطن لقطع الشجار وفصل الخصومة والتهدي إلى تمييز المبطل عن المحق والشهادة بمزية العلم في الحلال والحرام أوقع في مظان الاجتهاد والشهادة بمزية العلم في الفرائض أخص من الجميع فهذه إذا ثلاث مراتب.
-
١٣٩٤- فإذا لم يكن في الواقعة قياس واجتمعت هذه المراتب فالقول في تقليد من يقلد يتعلق بكتاب الفتوى وبيان المفتى والمستفتى وسنستقصي القول في مذاهب الصحابة.
-
١٣٩٥- فإن قيل: إذا اعتضد مذهب يقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فما الرأي فيه وقد قال عليه السلام: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" ١ قلنا: هذا أعم عندنا من الشهادة لعلي بمزية العلم في القضاء فإنا نجوز أن الرسول عليه السلام أشار إلى الاستحثاث على اتباعهما في الخلافة وإبداء الطاعة فإذا انضم إلى المراتب في الشهادة للصحابة رضي الله عنهم مرتبة رابعة فأعلاها وأولاها في التعلق أخصها وتليها الشهادة لمعاذ٢ وتليها الشهادة لعلي٣ رضي الله عنه ثم يلي ما ذكرناه الشهادة لأبي بكر٤ وعمر٥ رضي الله عنهما.
-
١٣٩٦- ثم قال الشافعي: قول على في الأقضية كقول زيد٦ في الفرائض وقول معاذ في التحليل والتحريم إذا لم يتعلق بالفرائض كقول زيد في الفرائض.
- مسألة:
-
١٣٩٧- إذا تعارضت علتان وإحداهما مستندة إلى أصل مجمع عليه [أو إلى نص] والأخرى ليست كذلك فالمستندة إلى الإجماع أو إلى محل النص مرجحة.
-
وبيان ذلك بالمثال: أن أبا حنيفة رحمه الله إذا أوجب الكفارة في الطعام وقاسه على الوقاع فعلته مستندة إلى محل الإجماع والنص.
- ج ٢ ص ٢٤٣
ونحن إذا أبقينا الكفارة واستنبطنا القياس من [بلع] الحصاة لم يكن مستند [قياسنا] مجمعا عليه وهو [أظهر] ما يعتني به في الترجيح.
-
ولكن لا ينتهي القول مع أبي حنيفة إلى الترجيح فإن ما استنبطه باطل وإنما يقع الترجيح وراء الاستقلال نعم مصادمة مالك عسرة [فإنه] لا يناقض ولا يوجد معه أصل به مبالاة.
-
١٣٩٨- ومن هذا القبيل الذي ذكرناه أن أبا حنيفة إذا استنبط علة في عتق الأمة تحت العبد وعداها إلى الأمة المعتقة تحت الحر فعلته إن صحت مستندة إلى محل النص فإن وجدنا محلا مجمعا عليه في نفي الخيار واستندنا إليه علة في عتق الأمة تحت الحر تفاوتت العلتان.
-
١٣٩٩- وهذا تقدير ذكرناه: تمثيلا وإلا فعله أبي حنيفة باطلة في تلك المسألة والصحيح عندي قصور العلة رأسا على خيار المعتقة تحت العبد كما ذكرنا في "الأساليب" فليتنبه الناظر لهذا الأصل العظيم في الترجيح وليكن على بال منه.
- مسألة:
-
١٤٠٠- إذا تقابلت علتان إحداهما ذات وصف واحد والأخرى ذات وصفين فصاعدا.