مدخل

٧٩ فقرة، ج ١ ص ٩٦

الصفحة ١ من ٢

  1. ...

    ج ١ ص ٩٦
  2. باب القول في النواهي.

  3. ١٩٢- النهي قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وهو في اقتضاء الانكفاف عن المنهى عنه بمثابة الأمر في اقتضاء به والقول في صيغته كالقول في صيغة الأمر.

  4. ثم الواقفية على معتقدهم في الوقف إذا قال القائل لا تفعل والرد عليهم كما سبق.

  5. ١٩٣- والمختار الحق: أن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في الانكفاف عن المنهى عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا إن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به.

  6. ونحن نرسم الآن ما يخص النهي ومقتضاه إن شاء الله تعالى.

  7. مسألة.

  8. ١٩٤- ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي تتضمن فساد المنهى عنه وخالف في ذلك كثير من المعتزلة وبعض أصحاب أبي حنيفة١.

  9. ١٩٥- وهذه المسألة لا يظهر مقصودها إلا بتقديم القول في الصلاة في الدار المغصوبة.

  10. فالذي صار إليه جماهير الفقهاء أنها مجزئة صحيحة.

  11. وذهب أبو هاشم٢ وأتباعه إلى أنها فاسدة غير مجزئة والأمر بالصلاة مستمر على من أتى بصورة الصلاة في الدار المغصوبة وعزى هذا المذهب إلى طوائف من سلف الفقهاء وقيل إنه رواية عن مالك بن أنس رضي الله عنه.

  12. وأما القاضي أبو بكر رضي الله عنه فإنه قال: ليست الصلاة المقامة في الدار المغصوبة طاعة ولكن الأمر بالصلاة يرتفع وينقطع بها.

  13. ونحن نبدأ بذكر متعلق ابن الجبائي ونذكر اختباط الناس في محاولة الانفصال عنه ثم نوضح المرتضى عندنا مستعينين بالله تعالى.

  14. ١٩٦- قال أبو هاشم الصلاة فيها أكوان فإذا وقعت في الدار المغصوبة فهي معصية إذ الكون في البقعة المغصوبة محرم منهي عنه والأكوان التي تقع في الصلاة مأمور بها ويستحيل وقوع الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه فلا شك أنه لا يتعدد.

  15. الكون بفرض الصلاة حتى يقدر كونان أحدهما من الصلاة وهو مأمور به والثاني غصب وهذا باطل لا مراء فيه ولو هذى هاذ بتقدير كونين فالذي يعد من الصلاة [منهما] واقع في البقعة المغصوبة فيجب القضاء بكونه غصبا منهيا عنه وإذا تبين كونه منهيا عنه [واستحال وقوع المنهى عنه] مأمورا به فيبقى الأمر على المخاطب به إلى أن يرتسمه وقد تكلم المعترضون على ما ذكر من وجوه نشير إلى عيونها ونوضح بطلانها ثم نعقبها بما نراه ونرضاه.

    ج ١ ص ٩٧
  16. ١٩٧- فمن وجوه كلامهم معارضته بمسائل مع تقدير تسليمه لها وهو لا يسلم شيئا منها فقيل له: من تعين عليه قضاء دين والطلب به متوجه عليه وهو متمكن من الأداء فيحرم بالصلاة فإنها تصح وإن كان مكثه في مكانه تركا لحركاته الواجبة عليه في جهة السعي في أداء الدين.

  17. وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله وليس هو ممن تزعه التهاويل.

  18. ١٩٨- ومما ألزمه القاضي رضي الله عنه من هذا الفن أنه قال: المصلى في حال غفلاته ليس قائما بحقيقة العبادة وما يجري من أركان الصلاة في استمرار الغفلة معتد به وإن كان المأمور به عبادة وهذا وإن كان أوقع مما ذكره غيره فلست أراه لازما أصلا فإن الأمة مجمعة على أنه لا يجب إيقاع أركان الصلاة على حقائق العبادات وإنما تكفى النية المقترنة بالعقد وينسحب حكمها وإن عزبت في نفسها [على] الصلاة وهذا بعينه جار في الإيمان فلا يجب على المرء إيقاع المعرفة على حقائق العبادات إذ ما وجبت المعرفة إلا مرة واحدة ثم يستمر حكمها ما لم يطرأ ضد خاص للمعرفة فإذا لم يقع الأمر بإيقاع الأركان على حقيقة العبادة.

  19. ١٩٩- وإنما غائلة كلام أبي هاشم في إثباته كون الصلاة معصية والمعصية لا تقع مأمورا بها على جهة حقيقة العبادة ولا على جهة أخرى فإن الأمر بالشيء والنهي عنه يتناقضان ولا بعد في الاكتفاء بصور الأفعال وإن لم يقترن بها حضور الذهن وشهود النية.

  20. ٢٠٠- فإن قال قائل: أجمع المسلمون على تسمية الصلاة عبادة بجملتها قلنا نعم هذا من الإطلاقات المتجوز بها ومعظم ما يطلق من أمثالها يغلب التجوز عليه وقد سبق منا في مواضع أن الحقائق ليست معروضة على أطلاقات الشرع وليست هي محمولة على حكم الحقائق فهذا فن من كلام المعترضين.

  21. ٢٠١- فأما القاضي رضي الله عنه فقد سلك مسلكا آخر فقال أسلم أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تقع مأمورا بها ولكن يسقط التكليف بالصلاة عندها كما يسقط التكليف بأعذار تطرأ كالجنون وغيره.

    ج ١ ص ٩٨
  22. وهذا حائد عندي عن التحصيل غير لائق بمنصب هذا الرجل الخطير فإن الأعذار التي ينقطع الخطاب بها محصورة فالمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ابتداء ودواما بسبب معصية لابسها لا أصل له في الشريعة.

  23. ثم غاية القاضي رضي الله عنه في مسلكه هذا ادعاء الإجماع على سقوط الأمر عمن يقيم الصلاة في البقعة المغصوبة ثم أخذ يطول دعواه في ذلك ويعرضها قائلا لم تأمر أئمة السلف رضي الله عنهم الغصاب بإعادة الصلاة التي أقاموها في الأرض المغصوبة والذي ادعاه من الإجماع لا يسلم فقد كان في السلف متعمقون في التقوى يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي رحمه الله وتقدير الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر ثم إن صح عنهم ما ذكروه فكما نقل عنهم سقوط الأمر نقل عنهم أن الموقع صلاة مأمور بها فلئن كان يعتصم على الخصم بالإجماع فلا ينبغي أن يجريه في عين ما ينقله ولعل من ادعى الإجماع في أن الصلاة المجزئة ليست معصية أسعد حالا في دعوى الإجماع ممن يدعى وفاق الماضين على أسقاط الأمر بسبب معصية.

  24. ٢٠٢- فإذا لاح بطلان هذه الوجوه فقد جاز أن نذكر طريقة التحقيق ونبوح بالسر والغرض فنسلم أن الأكوان التي بنى الخصم الكلام عليها معصية من جهة وقوعها غصبا وندعى وراء ذلك أنه مأمور بها من جهة أخرى وليس ذلك ممتنعا بل هو الحق وقد أجرى الفقهاء هذه الألفاظ ولم يستقلوا بإيضاحها.

  25. ونحن نقول ليس تحيز مكان مخصوص من مقصود الصلاة ولم يثبت ذلك من خصائص شرائط الصلاة والقول في ذلك يلوح بضرب مثال.

  26. فإذا قال القائل لعبده: خط هذا الثوب [أو] لا تقعد اليوم ثم قال له لا تدخل داري هذا اليوم فإذا عصاه وجاوز حكم نهيه وتعداه ودخل داره ولم يزل قائما كما أمره أو خاط الثوب الذي رسم خياطته فلاشك أنه يعد ممتثلا في الخياطة وإن عصاه بدخول الدار فإنه في أمره بالخياطة لم يشترط عليه لزوم بقعة مخصوصة ولذلك يحسن من العبد أن يقول إن عصيتك بدخول الدار لم أعصك.

  27. فيما أمرتني به من إدامة القيام طول النهار ولا يشك ذو عقل أن دوام القيام الذي اتصل الأمر به مرسلا في الدار التي نهى السيد عن دخولها في كونه امتثالا للأمر كالقيام الذي يفرض في غير تلك الدار التي نهاه السيد عنها وذلك يئول إلى اتباع المقصود لكل ذي أمر والفعل وإن اتحد فقد تعدد صوب قصد الامر والناهي فلم يبعد وصفه بكونه مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه.

    ج ١ ص ٩٩
  28. والذي يكشف الغطاء في ذلك أن الفعل لا يكتسب من كونه متعلقا للأمر والنهى صفة وإنما معني كونه مأمورا به [أنه] المقول فيه افعل ومعنى كونه منهيا عنه تعلق النهي به ثم لا يمتنع فرض قولين أحدهما على الإطلاق ولا تقييد له بحال والثاني على وجه آخر [نعم] النهي عن الشيء مقصودا والأمر به مقصودا ممتنع.

  29. ٢٠٣- وما ذكرناه وما لم نذكره نضبطه الآن بأقسام ثلاثة فنقول:

    إذا ورد أمر بشيء على وجه فلا يجامعه النهي عنه على ذلك الوجه بل هما يتعاقبان ويتناقضان فهذا قسم.

  30. والقسم الثاني: أن يفرض أمر مطلق يتبين منه أن مقصود الامر تحصيله ثم يفرض نهى عن إيقاع ذلك المأمور السابق على وجه مع التعرض في النهي [للأمر] قصدا إليه فما كان كذلك فالنهي يقتضي إلحاق شرط بالمأمور حتى إذا فرض وقوعه على مراغمة النهي فإنه يقال فيه: إنه ليس امتثالا ويلتحق تقدير الإجزاء فيه مع تجريد القصد إلى النهي بالقسم الأول.

  31. والقسم الثالث: أن يجري الأمر مطلقا ويتبين أن الغرض إيقاع المأمور به من غير تخصيص بحال ومكان ثم يرد نهى مطلق عن كون في مكان من غير تخصيص له بموجب الأمر الأول فيقع النهي مسترسلا لا تعلق له بمقصود [الأمر ويبقى الأمر مسترسلا لا تعلق له بمقصود] النهي فإذا انقطع ارتباط أحدهما بالآخر ووقع الفعل على حسب الأمر مخالفا للنهي قيل فيه إنه وقع مقصودا للأمر المطلق منهيا عنه بالنهي المؤخر فلا يمتنع والحالة هذه اجتماع الحكمين وينزل هذا منزلة [تعدد] الامر والناهي وهذا في غاية الوضوح.

  32. فإذا انساق ما ذكرناه انعطفنا علة القول في الصلاة في الدار المغصوبة وقلنا: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة في وضع الشرع متعلقا بمقصود الصلاة فاسترسل النهي منقطعا عن اغراض الصلاة وبقيت الصلاة على حكمها فإن صح نهى مقصود عن الصلاة في الدار المغصوبة فلا.

  33. تصح كما لا [تصح] صلاة المحدث لما صح نهيه عن الصلاة مع الحدث فهذا تمام المقصود في المقدمة الموعودة.

    ج ١ ص ١٠٠
  34. ٢٠٤- ونحن الآن نرجع مآل الكلام إلى القول [في أن النهي هل يدل] على الفساد.

  35. أما من صار من المعتزلة والفقهاء إلى أن صيغة النهى لا تدل على الفساد فمتعلقهم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة وفيما قدمناه الآن مقنع في درء هذا الكلام.

  36. فنقول ما صح النهي عنه مقصودا في غرض [النهي] فهم لا يخلون فيه إما أن يقولوا النهي لا يقتضي التحريم أو يسلموا اقتضاءه له فإن زعموا أنه لا يقتضيه أثبتنا ذلك عليهم بما أثبتنا به اقتضاء صيغة الأمر الطلب الجازم على أن النهي لو تقيد بالتحريم فهو عند هؤلاء لا يتضمن الفساد ومنع الإجزاء فلا معنى لربط الأمر بالمنع والتسليم في ذلك فإذا تبين أن المنهى عنه محرم في مقصود الآمر فيستحيل أن يكون موافقا [للأمر] والمعنى بالفاسد ما يقع حائدا عن موجب الامتثال على ما سنذكر حد الصحيح والفاسد فإذا النهي الخاص المختص بغرض الآمر يتضمن فساد المنهى عنه واستمرار الأمر بعده.

  37. والصلاة في الدار المغصوبة قد تقرر أمرها ووضح انفصال مسألتنا عنها وفي هذا بلاغ كامل.

  38. مسألة:
  39. ٢٠٥- مما يتعلق بالمناهي الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة وبني ذلك على أن كل فعل يشار إليه فهو في عينه ترك لمحظور وترك المحظور واجب فلا شيء على هذا إلا ويقع واجبا من جهة وقوعه تركا لمحظور وإن قيل تارك الزنا بالقعود كتاركه بالقيام فليس يمتنع فرض واجب غير معين من أشياء وتعيينه إلى خيرة المخاطب.

  40. وسبيل مكالمته ينبني على ما تنجز الفراغ منه الآن وقد مضى في الأوامر إذ تكلمنا في أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن أضداد المأمور به بما يكشف المقصود في ذلك.