فصل: معقود في معنى النص والظاهر والمجمل
٨١ فقرة، ج ١ ص ١١٥
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ١١٥
٢٣٦- وضبط هذا القسم في غرضنا أن اللفظ إذا كان في اقتضاء معناه من عموم أو خصوص أو ما عداهما بحيث لا يفترض انصرافه عن مقتضاه بقرائن حالية وفرض سؤال وتقدير مراجعة واستفصال في محاولة تخصيص أو تعميم فهو الذي نعنيه ولا يتطرق إلى هذا القسم إلا إمكان انطلاق اللسان بكلم في غفوة أو غفلة وهو الذي يسمى الهذيان أو إجراء كلمة ناصة في الوضع في معرض حكاية أو محاولة تقويم اللسان على نضد حروفها.
-
فإذا فرض انتفاء تخيل الهذيان به والتفاف اللسان وقصد الحكاية ومحاولة تقويم نظم الحروف وتحقق قصد مطلق اللفظ إلى استعماله في معناه الموضوع له فلا يتصور وراء ذلك انحراف اللفظ وانصرافه عن معناه الذي وضع له وهذا كذكر عدد في اللفظ معدود فإنه ناص في المسميات المعدودة لا محيد عنها بتخيل قرينة وكذلك ما لا يتطرق إليه تأويل.
-
فهذا طرف والمقصود منه رمز إلى المرتبة العليا في النص لا استيعاب الأقسام.
-
٢٣٧- والطرف الأخير هو المصدر فإنه غير مختص بواحد من الأحداث وليس موضوعا أيضا للعموم واستغراق الجنس.
-
وقد قال بعض من حوم على التحقيق ولم يرد مشرعه: إن المصدر صالح للجمع وليس موضوعا للإشعار به وهو في حكم اللفظ المشترك بين مسميات فإنه صالح لآحادها على البدل وليس موضوعا لجميعها كالجموع والصيغ العامة وكذلك المصدر صالح للواحد وللجمع غير موضوع لقصد الاحتواء على آحاد الجنس وهذا.
- ج ١ ص ١١٦
زلل وذهول عن مدرك الحق ومسلك العربية.
-
والقول البين فيه أن المصدر لا يصلح للجمع ولا يتهيأ للإشعار به فلو قصد به [مطلقه] جمعا لم يكن كالذي يقصد [بإطلاق المعين] بعض ما يسمى به فإن المصدر على رأى الكوفيين مرتب على الفعل فرع له وهو أصل الفعل على رأى البصريين والفعل يتفرع عنه وقد يستحيل تخيل الجمع في الفعل فالمصدر في هذا المعنى حال محل الفعل وإن كان اسما ولم يوضع المصدر إلا لتأكيد الفعل فأما أن يكون للإشعار بواحد أو بجمع أو بالتهيؤ للصلاح لهما فلا فإنه ناء عن هذا الغرض ولو فرض اقتران قرينة بذكر المصدر مشعرة بالجمع فلا يصير المصدر مقتضيا جمعا لمكان القرينة بل القرينة قد يفهم منها قصد الجمع وهو كما إذا اقترنت بالفعل.
-
فحاصل القول في ذلك أنه لا مناسبة بين المصدر وبين الجمع لا من جهة الوضع له ولا من جهة التهيؤ والصلاح.
-
فإن حاول المتكلم التعرض للعدد رد المصدر عن حكم إطلاقه وزاد هاء فوجد ثنى وجمع فقال ضربته ضربة وضربتين وضربات.
-
فإن قيل: أليس يحسن أن يقال ضربته ضربا كثيرا فلو لم يكن مشعرا بالعدد لما جاز وصفه بالكثرة وعن هذا صار بعض أهل العربية إلى أن المصدر صالح للجمع وإن لم يكن مشعرا به كما حكيته [قبل هذا] عن بعض الأصوليين.
قال سيبويه: قول القائل كثيرا صفة والموصوف لا يشعر بالصفة ولو أشعر بها لاستغنى بنفسه عنها ولجرت الصفة مجرى التأكيد للموصوف إذا قال القائل رأيت زيدا نفسه وليس الأمر كذلك فقول القائل ضربت زيدا ضربا كثيرا كقوله ضربت.
-
زيدا ضربا شديدا والسر في ذلك المصدر صالح لأن يوصف بالكثرة كما أن الرجل صالح لأن يوصف بجهات وليس اسم الرجل موضوعا لها ولا مشعرا بشيء منها فلينظر طالب هذا الشأن في ذلك وليتبين الفرق بين صلاح اللفظ للشيء وضعا وبين صلاحه للوصف به فهذا بيان الطرفين.
-
٢٣٨- فأما القسمان المتوسطان فعلى مرتبتين نحن [واصفوهما] :.
-
أحد القسمين: ما وضع في اللسان للعموم فلو لم تثبت قرينة وتبينا انتفاءها.
- ج ١ ص ١١٧
لقطعنا باقتضاء اللفظ للعموم نصا ومن هذا القسم الاسم الواقع شرطا وهو منحط عن النص في المرتبة الأولى من جهة أن النص لا يغير مقتضاه قرينة كما تقدم وإذا اقترن بالشرط ما يقتضي تخصيصا حمل على المخصوص ولم يعد خلفا ولا كلاما مثبجا وبيان ذلك بالمثال أن الرجل إذا أجرى ذكر أقوام معدودين فقال صاحب المجلس من أتاني أعطيته دينارا أمكن أن يحمل على الذين جرى ذكرهم.
-
٢٣٩- وأما القسم الثاني من القسمين المتوسطين: فهو الجمع الذي ليس جمع قلة فهو فيما يزيد على أقل الجمع إن انتفت القرائن المخصصة ظاهر وليس بنص فلا يبعد أن مطلق الجمع أراد خصوصا ولا ننكر ذلك في نظم الكلام بخلاف أدوات الشرط وهذا ينحط عن القسم الثاني ومن أحاط بهذه الأقسام اتخذها مرجعه في كل مشكل وأقامها ذريعة في صدر باب التأويلات كما سيأتي إن شاء الله.
-
وبنجاز الأقسام يتبين اختيارنا في القول في العموم والخصوص وما يقع نصا منهما وظاهرا ونحن بعد ذلك نرسم المسائل في التفاصيل ونذكر في كل مسألة ما يليق بها والله الموفق للصواب.
- مسألة:
-
٢٤٠- ذكر سيبويه١ وغيره من أئمة النحو أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة وهذا مشكل جدا فإن مصادمة الأئمة في الصناعة والخروج عن رأيهم لا سبيل إليه والرجوع في قضايا العربية إليهم والاستشهاد في مشكلات الكتاب والسنة بأقوالهم والأصوليون القائلون بالعموم مطبقون على حمل جمع السلامة إذا تجرد عن القرائن المخصصة على الاستغراق وصائرون إلى تنزيله منزلة جمع الكثرة من أبنية التكسير فأهم مقصود المسألة محاولة الجمع بين مسالك الأئمة.
-
٢٤١- والذي استقر عليه نظري في ذلك ما أنا مبديه الآن قائلا كل اسم علم معرفة إذا ثنى فقد خرج عن كونه معرفة وكذلك إذا جمع فإذا قلت زيد [وأنت] تريد اسم العلم فقد عرفت فإذا قلت زيدان فقد نكرت باتفاق أئمة العربية وكذلك إذا قلت زيدون.
-
والسبب فيه أن الاسم المفرد العلم إنما يكون معرفة من حيث يعتقد أن المسمى.
- ج ١ ص ١١٨
منفرد في قصد المسمى حتى كأنه لا يرى حالة إطلاق الاسم العلم مشاركة فيه لغير المسمى [فليس قول] القائل أقبل زيد على تقدير: أقبل زيد من الزيود إذ لو كان كذلك لكان بمثابة قول القائل جاء رجل فالعلم موضوع بين المخاطب والمخاطب على اعتقادهما اتحاد المسمى به فإذا ثنيت أو جمعت فقد ناقضت ما منه تلقى التعريف من اعتقاد الاتحاد وقد بنيت الكلام على تعدد المسمى بزيد فإذا لاح ذلك تبين أنه لا يتعرف المثنى والمجموع إلا بالألف واللام وهما يعرفان كل نكرة فنعود بعد ذلك إلى مال الكلام في المسألة.
-
٢٤٢- ونقول: ما نراه أن كل جمع نكرة فإنه لا يتضمن استغرقا ومصداق ذلك قوله تعالى: {مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ} ١ فإذا عرف ولم يكن على بناء التقليل فهو للأستغراق قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} ٢.
-
وهذا التفصيل يلتحق بما قدمناه من تفصيل القول في الجموع.
-
والذي يحصل الغرض في ذلك أنه لا منكر إلا ويليق به المعرفة من مستنده إلى الجمع المعرف فتقول رأيت رجلا من الرجال كما تقول رأيت رجالا من الرجال فالذي قاله سيبويه في جمع السلامة إذا لم يعرف وقد ذكر حمله على القلة إذ ذكر حكم التثنية والجمع على التخصيص.
-
ولو فرض دخول الألف واللام في الاسم الواحد فقد يقتضي ذلك إشعارا بالجنس كما سيأتي بعد ذلك فتقول الدينار أعز من الدرهم وأنت تبغي تفضيل الجنس على الجنس وقد ينتظم من ذلك أن كل جمع في عالم الله فإنه لا يقتضي الاستغراق بوضعه وإنما يتم اقتضاء الاستغراق بالألف واللام المعرفين فليتأمل الناظر هذا السبر وليعلم أن الجمع من غير تقدير تعريف لأقل الجمع.
-
فإذا عرف ففيه الخلاف فأصحاب الخصوص يحملون الجمع وإن عرف على أقل الجمع ويأبون ظهوره فيما عداه وهذا زلل فإن خصصوا قولهم بالجمع المنكر فلا خلاف بيننا وبينهم وبهذا يتضح اختيارنا وهو استكمال الكلام.
- مسألة:
-
٢٤٣- قال أصحاب العموم النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص.
- ج ١ ص ١١٩
فلا بد من تفصيل القول في الطرفين عندنا.
-
فأما قولهم: النكرة في الإثبات تخص فغير مطرد فإن النكرة الواقعة في سياق الشرط محمولة على العموم في قول القائل من يأتني بمال أجازه فلا يختص هذا بمال مخصوص والسبب فيه أن النكرة إنما عمت في النفي لأنها في نفسها ليست مختصة [بمعين] في قول القائل ما رأيت رجلا والنفي لا اختصاص له فإنه نقيض الإثبات فإذا انضم النفي إلى التنكير اقتضى اجتماعهما العموم والشرط لا اختصاص له بل مقتضاه العموم فالنكرة الواقعة في مساقه محمول عليه وحكم عموم الشرط [منبسط] عليه إذ لو اختص المال لاختص الشرط المتعلق به والاختصاص نقيض وضع الشرط المطلق فهذا على قولهم النكرة في الإثبات تخص.
-
فأما قولهم: النكرة في النفي تعم ففيه تفصيل لطيف.
-
فأقول: إذا قال القائل ما رأيت رجلا فهذا ظاهر في نفي الرؤية عن جنس الرجال والتأويل يتطرق إليه قال سيبويه: يجوز أن يقول القائل: ما رأيت رجلا وإنما رأيت رجالا وإذا كان ينتظم الكلام على هذا الوجه فليس التنكير مع النفي نصا في اقتضاء العموم غير قابل للتأويل ووجه تطرق الاحتمال إليه الذي نبهنا عليه فإذا قال القائل ما جاءني من رجل لم يتجه فيه غير التعميم فإن "من" وإن جرت زائدة فهي مؤكدة للتعميم قاطعة للاحتمال الذي نبهت عليه والنكرة إذا جرت في مساق شرط لم يتطرق إليها التأويل المذكور في النفي ولم يسغ حملها من غير قرينة مخصصة على الخصوص.
- مسألة:
-
٢٤٤- اللفظ الموضوع للإشعار بالجنس الذي واحده بزيادة هاء كالتمر والتمرة والشجر والشجرة وبابهما مما تردد فيه أصحاب العموم وهذه المسألة نجمع إليها أخرى [ونفصل بينهما] .
-
فإذا قال القائل: الرجل أفضل من المرأة فهذا مما ترددوا فيه أيضا فقال قائلون من المعممين: هو [للاستغراق والاستيعاب للجنس] وأنكر اخرون مقتضى الاستغراق فيه.
- ج ١ ص ١٢٠
والرأي الحق عندي والله أعلم البداية بالمسألة الأخيرة أن الرجل يعرف على بناء تنكير سابق فيقول القائل أقبل رجل ثم يقول قرب الرجل والتقدير من ذكرته مقبلا قد قرب فهذا تعريف [مرتب] على تنكير سابق فلا يقتضي هذا ولا ما في معناه استغراقا وانطباقا على الجنس.
-
وإذا قال القائل الرجل أفضل من المرأة ولم يسبق تنكير ينعطف التعريف عليه فهذا للجنس ومنه قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ١, {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ٢ فإن من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا فإن لاح في الكلام قصد الجنس في مثل قول القائل الدينار أشرف من الدرهم ولم يسبق تنكير ينعطف عليه التعريف فهو للاستغراق وإن جرى هذا الكلام ولم يدر أنه خرج [تعريفا لمنكر سابق أو إشعارا] بجنس فالذي صار إليه معظم المعممين أنه للجنس.
-
والذي أراه أنه مجمل فإنه حيث يعم لا يعم لصيغة اللفظ وإنما يثبت عمومه وتناوله الجنس بحالة مقرونة معه مشعرة بالجنس فإذا ورد اللفظ وليس جمعا ولا موضوعا للإبهام المقتضى للاستغراق كما يجري في أدوات الشرط فالأمر متلقى في الخصوص والعموم من القرينة فإذا لم ندرها لم يتجه إلى التوقف.
-
فإن قيل: أرأيتم لو قطعنا بانتفاء قرينتي العموم والخصوص فماذا ترون قلنا لا ينتظم الكلام من قاصد إلى هذا اللفظ إلا مترتبا على تنكير أو مشعرا بجنس في قصد المتكلم ففرضه من المتكلم على منتظم الكلام عربا عن إحدى قرينتي العموم والخصوص في مقال أو حال محال فهذا قولنا في هذا الطرف.
-
٢٤٥- وأما التمر والتمرة فمطلق اللفظ الذي واحده بزيادة الهاء للعموم عند محققي المعممين.