ما يحرم عند القبور

٢٢٦ فقرة، ج ١ ص ٢٠٣

الصفحة ٥ من ٦

  1. ٢ - ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به.

    ج ١ ص ٢٢٨
  2. قاله ابن بطال.

  3. ٣ - ومنها أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب، أو طلب عالم أو تجارة أو نزهة، فلا يدخل في النهي، ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد - وذكرت عنده الصلاة في الطور - فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الاقصى، ومسجدي) .

  4. وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف).

    قلت: لقد تساهل الحافظ رحمه الله تعالى في قوله في شهر أنه حسن الحديث.

  5. مع أنه قال فيه في (التقريب) : (كثير الاوهام) كما سبق، ومن المعلوم أن من كان كذلك فحديثه ضعيف لا يحتج به، كما قرره الحافظ نفسه في (شرح النخبة) ثم هب أنه حسن الحديث، فإنما يكون كذلك عند عدم المخالفة، أما وهو قدخالف جميع الرواة الذين رووا الحديث عن أبي سعيد، والاخرين الذين رووه عن غيره من الصحابة كما تقدم بيانه، فكيف يكون حسن الحديث مع هذه المخالفة!؟ بل هو منكر الحديث في مثل هذه الحالة، دون أي شك أو ريب.

  6. أضف إلى ذلك أن قوله في الحديث (إلى مسجد) مما لم يثبت عن شهر نفسه فقد ذكرها عنه عبد الحميد ولم يذكرها عنه ليث بن أبي سليم، وهذه الرواية عنه أرجح لموافقتها لروايات الثقات كما عرفت.

  7. وأيضا فإن المتأمل في حديثه يجد فيه دليلا آخر على بطلان ذكر هذه الزيادة فيه، وهو قوله: أن أبا سعيد الخدري احتج بالحديث على شهر لذهابه إلى الطور.

  8. فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص حكمه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة، لما جاز لابي سعيد رضي الله عنه أن يحتج به عليه، لان الطور ليس مسجدا.

  9. وإنما هو الجبل المقدس الذي كلم الله تعالى موسى عليه، فلا يشمله الحديث لو كانت الزيادة ثابتة فيه.

  10. ولكان استدلال أبي سعيد به والحالة هذه وهما، لا يعقل أن يسكت عنه شهر ومن كان معه.

  11. فكل هذا يؤكد بطلان هذه الزيادة هـ وأنها لا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ج ١ ص ٢٢٩فثبت مما تقدم أنه لا دليل يخصص الحديث بالمساجد، فالواجب البقاء على عمومه الذي ذهب إليه أبو محمد الجويني ومن ذكر معه.

  12. وهو الحق.

  13. بقي علينا الجواب على جوابهم الأول والثاني، فأقول:
  14. ١ - إن هذا الجواب ساقط من وجهين:
  15. الأول: أن اللفظ الذي احتجوا به (لا ينبغي .. ) غير ثابث في الحديث لانه تفرد به شهر وهو ضعيف كما سبق بيانه.

  16. الثاني: هب أنه لفظ ثابت، فلا نسلم أنه ظاهر في غير التحريم، بل العكس هو الصواب، والادلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، أجتزئ ببعضها:

    أ - قوله تعالى: (قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء) [الفرقان: ١٨]

  17. ب - قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار) .

  18. رواه أبو داود (٢٦٧٥) من حديث ابن مسعود، والدارمي (٢/ ٢٢٢) من حديث أبي هريرة.

  19. ج - (لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا) .

  20. رواه مسلم.

  21. د - (إن الصدقة لا تنبغي لال محمد .. ) .

  22. رواه مسلم.

  23. هـ - (لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى) .

  24. رواه البخاري.

  25. الثالث: هب أنه ظاهر في غير التحريم، فهو يدل على الكراهة، وهم لا يقولون بها، ففي (شرح مسلم) للنووي: (الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره) .!

  26. فالحديث حجة عليهم على كل حال.

    ج ١ ص ٢٣٠
  27. ٢ - إن هذا الجواب كالذي قبله ساقط الاعتبار، لانه لا دليل على التخصيص، فالواجب البقاء على العموم لا سيما وقد تأيد بفهم الصحابة إلذين روا الحديث أبي بصرة، وأبي هريرة، وابي عمر، وأبي سعيد إن صح عنه - فقد استدلوا جميعا به على المنع من السفر إلى الطور، وهم أدرى بالمراد منه من غيرهم، ولذلك قال الصنعاني في (سبل السلام) (٢/ ٢٥١) : (وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرم، واستدلوا بما لا ينهض، وتأولوا أحاديث الباب بتأويل بعيدة، ولا ينبغي التأويل إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوه الدليل) زاد عقبه (فتح العلام) (١/ ٣١٠) : (ولا دليل، والاحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها ليس فيها الامر بشد الرحل إليها، مع أنها كلها ضعاف أو موضوعات، لا يصلح شئ منها للاستدلال، ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيارة وبين مسألة السفر إليها، فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه) .

    قلت: وللغفة المشار إليها اتهم الشيخ السبكي عفا الله عنا وعنه شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه ينكر زيارة القبر النبوي ولو بدون شد رحل، مع أنه كان من القائلين بها، والذاكرين لفضلها وآدابها، وقد أورد ذلك في غير ما كتاب من كتبه الطيبة (١) وقد تولى بيان هذه الحقيقة، ورد تهمة السبكي العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي في مؤلف كبير أسماه (الصارم المنكى في الرد على السبكي) : نقل فيه عن ابن تيمية النصوص الكثيرة في جواز الزيارة بدون السفر إليها.

    1. (١)مثل كتابه (مناسك الحج) (٣/ ٣٩٠) من (مجموعة الرسائل الكبرى).
  28. وأورد فيه الاحاديث الواردة في فضلها، وتكلم عليها مفصلا، وبين ما فيها من ضعف ووضع، وفيه فوائد أخرى كثيرة، فقهية وحديثية وتاريخية، حري بكل طالب علم أن يسعى إلى الاطلاع عليها.

  29. ثم إني النظر السليم يحكم بصحة قول من ذهب إلى أن الحديث على عمومه، لانه إذا كان بمنطوقه يمنع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، مع العلم بأن العبادة في أي مسجد أفضل منها في غير المسجد، وقال صلى الله عليه وسلم: (أحب البقاع إلى الله المساجد) حتى ولو كان ذلك المسجد هو المسجد الذي أسس على التقوى ألا وهو مسجد قباء الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجد قباء كعمرة) ، إذا كان الامر كذلك فلان يمنع الحديث من السفر إلى غيرها من المواطن أولى وأحرى، لا سيما إذا كان المقصود إنما هو مسجد بني على قبر نبي أو صالح، من أجل الصلاة فيه والتعبد عنده.

    ج ١ ص ٢٣١
  30. وقد علمت لعن من فعل ذلك، فهل يعقل أن يسمح الشارع الحكيم بالسفر إلى مثل ذلك ويمنع من السفر إلى مسجد قباء!؟ والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الاسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى، فإن لهم البحوث والكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الافاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في (الحجة البالغة) (١/ ١٩٢) : (كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد صلى الله عليه وسلم الفساد، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي) .

  31. ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الاخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في (الفتاوي) (٢/ ١٨٦) .

  32. ١٢ - إيقاد السرج عندها.

  33. والدليل على ذلك غدة أمور:
  34. أولا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .

    ج ١ ص ٢٣٢
  35. رواه النسائي وأبن خزيمه في (صحيحه) بسند صحيح.

  36. ثانيا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص كما تقدم في المسألة (٤٢ ص ٦٤) .

  37. ثالثا: أن فيه تشبها بالمجوس عباد النار، قال ابن حجر الفقيه في (الزواجر) (١/ ١٣٤) : (صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل، حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالاسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة) .

    قلت: ولم يورد بالاضافة إلى ما ذكر من التعليل دليلنا الأول، مع أنه دليل وارد، بل لعله أقوى الادلة، لان الذين يوقدون السرج على القبور إنما يقصدون بذلك التقرب إلى الله تعالى - زعموا، ولا يقصدون الانارة على المقيم أو الزائر، بدليل إيقادهم إياها والشمس طالعة في رابغة النهار! فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة.

  38. فإن قيل: فلماذا لم تستدل بالحديث المشهور الذي رواه أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عباس: (لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) وجوابي عليه: أن هذا الحديث مع شهرته ضعيف الاسناد، لا تقوم به حجة، وإن تساهل كثير من المصنفين فأوردوه في هذا الباب وسكتوا عن علته، كما فعل ابن حجر

    في (الزواجر) ، ومن قبله العلامة ابن القيم في (زاد المعاد) ، واغتر به جماهير السلفيين وأهل الحديث فاحتجوا به في كتبهم ورسائلهم ومحاضراتهم.

  39. وقد كنت انتقدت ابن القيم من أجل ذلك فيما كنت علقته على كتابه، وبينت علة الحديث مفصلا هناك، ثم في (سلسلة الاحاديث الضعيفة) (رقم ٢٢٣) ، ثم رأيث ابن القيم في (تهذيب السنن) (٤/ ٣٤٢) نقل عن عبد الحق الاشبيلي أن في سند الحديث باذام صاحب الكلبي وهو عندهم ضعيف جدا، وأقره ابن القيم، فالحمد لله على توفيقه.

  40. وأما الجملة الأولى من الحديث فصحيحة لها شاهدان من حديث أبي هريرة وحسان ابن ثابت أوردتهما في المسألة (١١٩ ص ١٨٥، ١٨٦) .