بيان اعتبار الكفاءة في النكاح
٤٦ فقرة، ج ٢ ص ١٤٤
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ١٤٤
أقول: استدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه ابن ماجة بإسناد رجاله رجال الصحيح، من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن فتاة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته؟ ! قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء شيء.
-
وأخرجه أحمد، والنسائي، من حديث ابن بريدة عن عائشة (٢) .
- (٢)• قلت: وهذا هو الصواب؛ وهو منقطع، والذي قبله وهم من بعض رواته؛ كما بينا آنفا. (ن)
-
ومحل الحجة منه قولها: ليرفع بي خسيسته؛ فإن ذلك مشعر بأنه غير كفؤ لها.
-
ولا يخفى أن هذا إنما هو من كلامها، وإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها؛
- ج ٢ ص ١٤٥
لكون رضاها معتبرا، فإذا لم ترض لم يصح النكاح؛ سواء كان المعقود له كفؤا أو غير كفؤ.
-
أيضا هو زوجها بابن أخيه؛ وابن عم المرأة كفؤ لها.
-
واستدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه أحمد، والنسائي - وصححه -، وابن حبان، والحاكم (١) ، من حديث بريدة مرفوعا: " إن أحساب أهل الدنيا الذين (٢) يذهبون إليه المال " .
- (١)• أخرجه (٢ / ١٦٣) من طريق الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ مرفوعا، وقال: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي. وأقول: الحسين - هذا - إنما أخرج له البخاري تعليقا؛ فالحديث على شرط مسلم وحده، وهو في " المسند " (٥ / ٣٥٣) ، و " النسائي " (٢ / ٧١) ، و " البيهقي " (٧ / ١٣٥) بنحوه. (ن)
- (٢)• كذا في " المسند " بصيغة الجمع، وفي " النسائي "، و " المستدرك ": " الذي "؛ على الإفراد؛ (ن)
-
وبما أخرجه أحمد، والترمذي - وصححه هو والحاكم (٣) - من حديث سمرة مرفوعا: " الحسب المال، والكرم التقوى " .
- (٣)• ووافقه الذهبي، وأخطأوا جميعا؛ فإن للحديث علتين: عنعنة الحسن عن سمرة، وتفرد سلام بن أبي مطيع به عن قتادة، وروايته عنه ضعيفة. وقد خرجت الحديث، وتكلمت عليه في " المعجم "؛ فليراجع. (ن)
-
ويحتمل أن يكون المراد: أن هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا - كما صرح به في حديث بريدة -، وأن هذا حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال، وعدم اعتدادهم بالدين، فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع.
-
وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - زوج مولاه زيد بن حارثة
ج ٢ ص ١٤٦بزينب بنت جحش القرشية، وزوج أسامة بن زيد بفاطمة بنت قيس القرشية، وزوج عبد الرحمن بن عوف بلالا بأخته.
-
وأخرج أبو داود: أن أبا هند حجم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا بني بياضة {أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه " .
-
أخرجه أيضا الحاكم، وحسنه (١) ابن حجر في " التلخيص " .
- (١)• وهو كما قال؛ انظر " سنن أبي داود " (١ / ٣٢٧) ، و " المستدرك " (٢ / ١٦٤) . (ن)
-
وأخرج البخاري، والنسائي، وأبو داود، عن عائشة: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم - تبنى سالما، وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من الأنصار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه؛ فزوجوه؛ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض " .
-
أخرجه الترمذي، من حديث أبي هريرة.
قال في " الحجة البالغة " :
" أقول: ليس في هذا الحديث أن الكفاءة غير معتبرة، كيف وهي مما جبل عليه طوائف الناس، وكاد يكون القدح فيها أشد من القتل؟} والناس على مراتبهم، والشرائع لا تهمل مثل ذلك، ولذلك قال عمر: لأمنعن النساء إلا من أكفائهن؛ ولكنه أراد أن لا يتبع أحد محقرات الأمور نحو قلة المال،
ج ٢ ص ١٤٧ورثاثة الحال، ودمامة الجمال، أو يكون ابن أم ولد، ونحو ذلك من الأسباب بعد أن يرضى دينه وخلقه؛ فإن أعظم مقاصد تدبير المنزل: الاصطحاب في خلق حسن، وأن يكون ذلك الاصطحاب سببا لصلاح الدين ".
-
وقال في " المسوى " في باب الكفاءة.
-
" قال الله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} ، وقال تعالى: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} .
قلت: هذه الآيات تدل على تفاوت مراتب الناس، وأن ذلك أمر ثابت فيهم، ولم يرده الله تعالى، فكان تقريرا.
-
ثم اختلفوا في تحديد المعاني التي يقع بها التفاوت، فذهب أكثرهم إلى أنها أربعة: الدين، والحرية، والنسب، والصناعة، والمراد من الدين: الإسلام والعدالة.
-
واعتبر الشافعي السلامة من العيوب المثبتة للخيار أيضا، ومعنى اعتبار الكفاءة عند أبي حنيفة: أن المرأة إذا زوجت نفسها من غير الكفؤ؛ فللأولياء أن يفرقوا بينهما.
-
وعند الشافعي: أن أحد الأولياء المستوين إذا زوجها برضاها نم غير كفؤ؛ لم يصح، وفي قول: يصح.
-
وله الفسخ إذا زوج الأب بكرا صغيرة أو بالغة بغير رضاها، وفيه القولان أيضا ". انتهى.
- ج ٢ ص ١٤٨
أقول: قوله صلى الله عليه وسلم: " من ترضون دينه وخلقه " ؛ فيه دليل على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق.
-
وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين: مالك.
-
ونقل عن عمر وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر ابن عبد العزيز، ويدل عليه قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} .
-
واعتبر الكفاءة في النسب: الجمهور.
وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضا، والعرب كذلك.
-
وليس أحد من العرب كفؤا لقريش، كما ليس أحد من غير العرب كفؤا للعرب؛ وهو وجه للشافعية.
قال في " الفتح " : " والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض " .
قال الشافعي: " ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث " .
-
وأما ما أخرجه البزار، من حديث معاذ رفعه:
" العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض " ؛ فإسناده ضعيف.
قال في " الفتح " : " واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه؛ فلا تحل المسلمة لكافر " . انتهى.
- ج ٢ ص ١٤٩
وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النكاح على الإطلاق: العلم؛ لحديث: " العلماء ورثة الأنبياء " .
-
أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، من حديث أبي الدرداء، وضعفه الدارقطني في " العلل " ، قال المنذري: " هو مضطرب الإسناد " .
-
وقد ذكر البخاري في " صحيحه " بغير إسناد (١) .
- (١)• لكنه حسن؛ كما بينته في " التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب ". (ن)
-
والقرآن الكريم شاهد على ما ذكرناه.
-
فمن ذلك قوله - تعالى -: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ، وقوله - تعالى -: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ، وقوله - تعالى - {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث: " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " - وقد تقدم -.
-
وبالجملة: إذا تقرر لك هذا؛ عرفت أن المعتبر هو الكفاءة في الدين والخلق، لا في النسب.
-
لكن؛ لما أخبر صلى الله عليه وسلم بأن حسب أهل الدنيا المال، وأخبر صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في " الصحيح " عنه - أن في أمته ثلاثا من أمر الجاهلية: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة؛ كان تزوج غير الكفؤ في النسب والمال من أصعب ما ينزل بمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر.
ج ٢ ص ١٥٠قال الماتن - رحمه الله -: " ومن هذا القبيل؛ استثناء الفاطمية من قوله: (ويغتفر برضا الأعلى والولي) ، وجعل بنات فاطمة - رضي الله عنها - أعلى قدرا وأعظم شرفا من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلبه " .
-
فيا عجبا كل العجب من هذه التعصبات الغريبة، والتصلبات على أمر الجاهلية، وإذا لم يتركها من عرف أنها من أمور الجاهلية من أهل العلم؛ فكيف يتركها من لم يعرف ذلك؟ !
-
والخير كل الخير في الإنصاف والانقياد لما جاء به الشرع؛ ولهذا أخرج الحاكم في " المستدرك " - وصححه (١) - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس " .
- (١)• ورده الذهبي فأصاب؛ لكن للحديث طريق أخرى حسنة، أوردتها في " الروض النضير "؛ فانظر (رقم ٦٥١) ؛ وقد رواه الطيالسي (رقم ٣٧٨) . (ن)
-
فهذا نص في محل الخلاف.
-
انظر أمهات العبرة الطاهرة، الذين هم قدوة السادة وأسوة القادة في كل خير ودين، من كن؟
-
فأم أبي العترة الإمام زين العابدين علي بن الحسين: شهريانو بنت يزدجرد ابن شهريار بن شيرويه بن خسروبرويز بن هرمز بن نوشيروان - ملك الفرس -.
-
وأم الإمام موسى الكاظم أم ولد؛ اسمها حميدة.
-
وأم الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم أم ولد أيضا؛ اسمها تكتم.