٢١٩ - سليمان بن عبد الله السجزى.

٤ فقرات، ج ١ ص ١٦٣

  1. نقل عن إمامنا أشياء

    منها: المحنة. حدثنا أحمد بن عبيد الله قال أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد ابن حسنون النّرسى قال أخبرنا أبو الحسن على بن عمر الدارقطنى قال حدثنا على ابن صالح المصرى حدثنا سليمان بن عبد الله السجزى قال: أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد. فدخلت الدار، فرأيت بساطا مبسوطا وكرسيا مطروحا، فوقفت بإزاء الكرسى، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد

    ج ١ ص ١٦٤أقبل، فجلس على الكرسى، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلا على رجل ثم قال:

    يحضر أحمد بن حنبل. فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه، قال له: يا أحمد تكلم ولا تخف. فقال أحمد: والله يا أمير المؤمنين، لقد دخلت عليك وما فى قلبى مثقال حبة من الفزع. فقال له المعتصم: ما تقول فى القرآن؟ فقال: كلام الله، قديم غير مخلوق، قال الله عز وجل (٨:٩ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾) فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم، يا أمير المؤمنين: قول الله عز وجل (١:٥٥ ﴿الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾) ولم يقل «الرحمن خلق القرآن» وقوله عز وجل (﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾) ولم يقل «يس والقرآن المخلوق» فقال المعتصم: احبسوه، فحبس وتفرق الناس. فلما أصبحت قصدت الباب، فأدخل الناس، فدخلت معهم. فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه، فقال:

    هاتوا أحمد بن حنبل؛ فجئ به. فلما أن وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد فى محبسك البارحة؟ فقال: بخير، والحمد لله، إلا أنى رأيت يا أمير المؤمنين فى محبسك أمرا عجبا، قال له: وما رأيت؟ قال: قمت فى نصف الليل فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين. فقرأت فى ركعة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وفى الثانية ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ثم جلست وتشهدت وسلمت. ثم قمت فكبرت وقرأت ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ وأردت أن أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر. فمددت عينى فى زاوية السجن، فإذا القرآن مسجّى ميتا، فغسلته وكفنته، وصليت عليه ودفنته. فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ فقال له أحمد: فأنت كذا تقول: إنه مخلوق. وكل مخلوق يموت. فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد.

    فقال ابن أبى دؤاد وبشر المريسى: اقتله، حتى نستريح منه. فقال: إنّي قد عاهدت الله أن لا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف، فقال له ابن أبى دؤاد: اضربه بالسياط. فقال: نعم. ثم قال: أحضروا الجلاّدين. فأحضروا. فقال المعتصم

    ج ١ ص ١٦٥لواحد منهم: بكم سوط تقتله؟ فقال: بعشرة يا أمير المؤمنين. فقال: خذه إليك. قال سليمان السجزى: فأخرج أحمد بن حنبل من ثيابه، وائتزر بمئزر من الصوف، وشدّ فى يديه حبلان جديدان. وأخذ السوط فى يده، وقال: أضربه يا أمير المؤمنين؟ فقال المعتصم: اضرب. فضربه سوطا. فقال أحمد: الحمد لله.

    ج ١ ص ١٦٣
  2. وضربه ثانيا. فقال: ما شاء الله كان. فضربه ثالثا، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. فلما أراد أن يضربه السوط الرابع نظرت إلى المئزر من وسطه قد انحل، ويريد أن يسقط. فرفع رأسه نحو السماء وحرك شفتيه، وإذا الأرض قد انشقت. وخرج منها يدان فوزرتاه بقدرة الله عز وجل . فلما أن نظر المعتصم إلى ذلك قال: خلوه. فتقدم إليه ابن أبى دؤاد وقال له: يا أحمد، قل فى أذنى:

    إن القرآن مخلوق، حتى أخلصك من يد الخليفة. فقال له أحمد: يا ابن أبي دؤاد قل فى أذنى: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى أخلصك من عذاب الله عز وجل .

    فقال المعتصم: أدخلوه الحبس. قال سليمان: فحمل إلى لحبس، وانصرف الناس، وانصرفت معهم. فلما كان الغد أقبل الناس، وأقبلت معهم. فوقفت بإزاء الكرسى، فخرج المعتصم، وجلس على الكرسى، وقال: هاتوا أحمد بن حنبل.

  3. فجئ به. فلما وقف بين يديه، قال له المعتصم: كيف كنت فى محبسك الليلة يا ابن حنبل؟ قال: كنت بخير والحمد لله. فقال: يا أحمد، إنّي رأيت البارحة رؤيا. قال:

    وما رأيت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت فى منامى كأن أسدين قد أقبلا إلىّ وأرادا أن يفترسانى، وإذا ملكان قد أقبلا ودفعاهما عنى، ودفعا إلى كتابا. وقالا لى: هذا المكتوب رؤيا رآها أحمد بن حنبل فى محبسه. فما الذى رأيت يا ابن حنبل؟ فأقبل أحمد على المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين فالكتاب معك؟ قال: نعم، وقرأته لما أصبحت وفهمت ما فيه. فقال له أحمد: يا أمير المؤمنين، رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن الله قد جمع الأولين والآخرين فى صعيد واحد. وهو يحاسبهم. فبينما أنا قائم إذ نودى بى. فقدمت حتى وقفت بين يدى الله عز وجل . فقال لى: يا أحمد، فيم

    ج ١ ص ١٦٦ضربت؟ فقلت: من جهة القرآن. فقال لى: وما القرآن؟ فقلت: كلامك اللهم لك. فقال لى: من أين قلت هذا؟ فقلت: يا رب حدثنى عبد الرزاق.

  4. فنودى بعبد الرزاق، فجئ به حتى أقيم بين يدى الله عز وجل . فقال له: ما تقول فى القرآن، يا عبد الرزاق؟ فقال: كلامك اللهم لك. فقال الله عز وجل : من أين قلت هذا؟ فقال: حدثنى معمر. فنودى بمعمر، فجئ به حتى أوقف بين يدى الله عز وجل . فقال الله عز وجل له: ما تقول فى القرآن يا معمر؟ فقال معمر: كلامك اللهم لك. فقال له: من أين قلت هذا؟ فقال معمر: حدثنى الزهرى، فنودى بالزهرى فجئ به، حتى أوقف بين يدى الله عز وجل . فقال الله عز وجل له:

    يا زهرى، ما تقول فى القرآن؟ فقال الزهرى: كلامك اللهم لك. فقال: يا زهرى من أين لك هذا؟ قال: حدثنى عروة. فجئ به. فقال: ما تقول فى القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك. فقال له: يا عروة: من أين لك هذا؟ فقال: حدثتنى عائشة بنت أبى بكر الصديق. فنوديت عائشة، فجيء بها، فوقفت بين يدى الله عز وجل ، فقال الله عز وجل لها: يا عائشة: ما تقولين فى القرآن؟ فقالت: كلامك اللهم لك. فقال الله عز وجل لها: من أين لك هذا؟ قالت: حدثنى نبيك محمد ﷺ . قال: فنودى بمحمد ﷺ ، فجئ به، فوقف بين يدى الله عز وجل . فقال الله عز وجل له: يا محمد، ما تقول فى القرآن؟ فقال له:

    كلامك اللهم لك. فقال الله له: من أين لك هذا؟ فقال النبى ﷺ :

    حدثنى به جبريل. فنودى بجبريل، فجئ به، حتى وقف بين يدى الله عز وجل فقال له: يا جبريل، ما تقول فى القرآن؟ قال: كلامك اللهم لك. فقال الله تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال: هكذا حدثنا إسرافيل. فنودى بإسرافيل، فجئ به، حتى وقف بين يدى الله عز وجل . فقال الله سبحانه: يا إسرافيل: ما تقول فى القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك. فقال الله له: ومن أين لك هذا؟ فقال إسرافيل: رأيت ذلك فى اللوح المحفوظ، فجئ باللوح، فوقف بين يدى الله عز وجل . فقال له: أيها اللوح، ما تقول فى القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.

    ج ١ ص ١٦٧فقال الله تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال اللوح: كذا جرى القلم علىّ. فأتى بالقلم حتى وقف بين يدى الله عز وجل . فقال الله عز وجل له: يا قلم، ما تقول فى القرآن؟ فقال القلم: كلامك اللهم لك. فقال الله: من أين لك هذا؟ فقال القلم: أنت نطقت وأنا جريت. فقال الله عز وجل : صدق القلم، صدق اللوح، صدق إسرافيل صدق جبريل صدق محمد، صدقت عائشة، صدق عروة، صدق الزهرى، صدق معمر، صدق عبد الرزاق، صدق أحمد بن حنبل: القرآن كلامى غير مخلوق.

    قال سليمان السجزى: فوثب عند ذلك المعتصم. فقال: صدقت يا ابن حنبل وتاب المعتصم. وأمر بضرب رقبة بشر المريسى وابن أبى دؤاد، وأكرم أحمد بن حنبل. وخلع عليه. فامتنع من ذلك، فأمر به فحمل إلى بيته.