علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن عطاس
٦ فقرات، ج ١ ص ٨٢٣
- ج ١ ص ٨٢٣
الإمام العلامة علم الدين أبو الحسن الهمداني السخاوي المقرئ المفسر النحوي اللغوي الشافعي شيخ مشايخ الإقراء بدمشق، ولد سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمسمائة بسخا (٣٦٢٨) من عمل مصر وسمع بإسكندرية من السلفي وأبي طاهر بن عوف، وبمصر من عساكر بن علي والبوصيري وابن ياسين غيرهم، قرأ القراءات بالديار المصرية على ولي الله أبي القاسم الشاطبي وبه انتفع وعلى أبي الجود وأبي الفضل محمد بن يوسف الغزنوي وعساكر بن علي ثم رحل إلى دمشق فقرأ القراءات الكثيرة على أبي اليمن الكندي، وأخذ عنه النحو واللغة والأدب وروى كتاب المصباح لأبي الكرم الشهرزوري بقراءته عن داود بن أحمد بن محمد البغدادي عن المؤلف سماعا، وسمع من القاسم بن عساكر وحنبل بن عبد الله وابن طبرزد وغيرهم، وكان إماما علامة محققا، مقرئا مجودا، بصيرا بالقراءات وعللها، إماما في النحو واللغة والتفسير والأدب أتقن هذه العلوم اتقانا بليغا، وليس في عصره من يلحقه فيها، وكان عالما بكثير من العلوم غير ذلك مفتيا أصوليا مناظرا، وكان مع ذلك دينا خيرا، متواضعا، مطرح التكلف، حلو المحاضرة، حسن النادرة، حاد القريحة، من أذكياء بني آدم، وافر الحرمة، كبير القدر، محببا إلى الناس، ليس له شغل إلا العلم والإفادة، أقرأ الناس نيفا وأربعين سنة بجامع دمشق عند رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام ثم بتربة أم الصالح ولأجله بنيت وبسببه جعل شرطها على الشيخ أن يكون أعلم أهل البلد بالقراءات فقصده الطلبة من الآفاق وازدحموا عليه وتنافسوا في الأخذ عنه، قال الحافظ أبو عبد الله في تاريخ الإسلام: قرأ عليه خلق كثير إلى الغاية ولا أعلم أحدا من القراء في الدنيا أكثر أصحابا منه (٣٦٢٩) .
ج ١ ص ٨٢٤قلت: قرأ عليه بالقراءات السبع أبو الفتح محمد ابن علي الأنصاري شيخ الإقراء بعده بالتربة الصالحية والحافظ العلامة أبو شامة والقاضي عبد السلام الزواوي والرشيد أبو بكر ابن أبي الدر والتقي يعقوب الجرايدي وإبراهيم بن داود الفاضلي وجعفر بن دبوقا الحراني ومحمد بن عبد العزيز الدمياطي والنظام محمد التبريزي والشهاب محمد بن مزهر والجمال عبد الواحد بن كثير النقيب والرشيد إسماعيل بن المعلم ومحمد بن قايماز والزين عيسى بن علي الحلبي والضياء الأشعري.
-
والذين لم يكملوا القراءات السبع الخطيب شرف الدين أحمد بن إبراهيم الفزاري قرأ عليه لنافع وعاصم وأبي عمرو وسمع الشاطبية عليه، وإبراهيم بن الحسن المخرمي قرأ عليه ختمة-وأحمد بن مروان البعلبكي ختمة وسمع الشاطبية، والحسن بن الخلال قرأ عليه وسمع منه، وكذلك إسماعيل بن مكتوم وأبو المحاسن بن الخرقي وأحمد بن محمود القلانسي.
-
وروى عنه بالإجازة عبد الصمد بن أبي الجيش شيخ بغداد.
-
وآخر من بقي ممن قرأ عليه الرشيد إسماعيل بن المعلم توفي سنة أربع عشرة وسبعمائة.
-
وآخر من بقي ممن سمع عليه إبراهيم بن علي بن النصير.
-
وألف من الكتب شرح الشاطبية وسماه فتح الوصيد فهو أول من شرحها بل هو والله أعلم سبب شهرتها في الآفاق وإليه أشار الشاطبي بقوله: يقيض الله لها فتى يشرحها، وشرح الرائية وسماه الوسيلة إلى شرح العقيلة، وله كتاب جمال القراء وكمال الإقراء فيه عدة مصنفات وهو من أجل الكتب، وكتاب المفضل في شرح المفصل وهو كتاب نفيس في أربعة أسفار، وكتاب التفسير وصل فيه إلى الكهف في أربعة أسفار من وقف عليه علم مقدار هذا الرجل ففيه من النكت والرقائق واللطائف ما لم يكن في غيره وكتاب منير الدياجي في تفسير الأحاجي وكتاب القصائد السبعة في مدح سيد الخلق محمد ﷺ شرحه الشيخ أبو شامة وكتاب المفاخرة بين دمشق والقاهرة، قال ابن خلكان: رأيته راكبا إلى الجبل وحوله اثنان
ج ١ ص ٨٢٥وثلاثة يقرءون عليه في أماكن مختلفة دفعة واحدة وهو يرد على الجميع (٣٦٣٠) .
قال الذهبي: وفي نفسي شيء من صحة الرواية على هذا النعت لأنه لا يتصور أن يسمع مجموع الكلمات (٣٦٣١) .
قلت: بل في النفس مما قاله الذهبي شيء، ألم يسمع وهو يرد على الجميع مع أن السخاوي لا نشك في ولايته؟ وقد أخبرني جماعة من الشيوخ الذين أدركتهم عن شيوخهم أن بعض الجن كان يقرأ عليه وقضيته التي حكاها العدل شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه مع تلميذه في حق جاريته معروفة ذكرتها في الطبقات الكبرى تدل على مقداره، وذكره العماد الكاتب في السيل والذيل فقال: علي بن محمد السخاوي عرض له قاضي الإسكندرية على السلطان الملك الناصر صلاح الدين هذه القصيدة بظاهر عكة بالعسكر المنصور سنة ست وثمانين وخمسمائة وأثنى على فضله وفهمه وأدبه وهي:
بين الفؤادين من صب ومحبوب … يظل ذو الشوق في سد وتقريب
صبر المتيم في قرب الديار به … أولى من الصبر في نأي وتغريب
وهي طويلة أورد منها العماد قطعة في مدح السلطان ثم قال الذهبي في تاريخ الإسلام:
وقد مدح الأديب رشيد الدين الفارقي بقصيدته التي أولها:
فاق الرشيد فأمت نحوه الأم … وصد عن جعفر وردا له أمم
وبين وفاتي المذكورين أكثر من مائة سنة (٣٦٣٢) . قلت: صدق لأن الناصر صلاح الدين يوسف توفي في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة وتوفي الرشيد الفارقي سنة تسع وثمانين وهذا ما نعلم مثله وقع، قال أبو شامة: وفي ثاني عشر جمادى الآخرة يعني سنة ثلاث وأربعين