القاسم بن فيره

٥ فقرات، ج ١ ص ٩١٧

  1. بكسر الفاء بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم راء مشددة مضمومة بعدها هاء ومعناه بلغة عجم الأندلس الحديد ابن خلف بن أحمد أبو القاسم، وأبو

    ج ١ ص ٩١٨محمد الشاطبي (٣٩٦٢) الرعيني (٣٩٦٣) الضرير-ولي الله-الإمام العلامة، أحد الأعلام الكبار والمشتهرين في الأقطار، ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بشاطبة (٣٩٦٤) من الأندلس، وقرأ ببلده القراءات وأتقنها على أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفزي (٣٩٦٥) ثم رحل إلى بلنسية (٣٩٦٦) بالقرب من بلده فعرض بها التيسير من حفظه والقراءات على ابن هذيل، وسمع منه الحديث وروى عنه وعن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف بن سعادة صاحب أبي علي الحسين بن سكرة الصدفي وعن الشيخ أبي محمد عاشر بن محمد بن عاشر صاحب أبي محمد البطليوسي وعن أبي محمد عبد الله ابن أبي جعفر المرسي وعن أبي العباس بن طراز ميل وعن أبي الحسن عليم بن هاني العمري وأبي عبد الله محمد بن حميد أخذ عنه كتاب سيبويه والكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة وغيرها، وعن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم وأبي الحسن ابن النعمة صاحب كتاب ري الظمآن في تفسير القرآن، وعن أبي القاسم حبيش صاحب عبد الحق بن عطية صاحب التفسير المشهور ورواه عنه.

    ج ١ ص ٩١٧
  2. ثم رحل للحج فسمع من أبي طاهر السلفي بالإسكندرية وغيره، ولما دخل مصر أكرمه القاضي الفاضل وعرف مقداره وأنزله بمدرسته التي بناها بدرب الملوخية (٣٩٦٧) داخل

    ج ١ ص ٩١٩القاهرة، وجعله شيخها، وعظمه تعظيما كثيرا، ونظم قصيدتيه اللامية والرائية بها، وجلس للإقراء فقصده الخلائق من الأقطار، ثم إنه لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بيت المقدس توجه فزاره سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ثم رجع فأقام بالمدرسة الفاضلية يقرئ حتى توفى، وكان إماما كبيرا أعجوبة في الذكاء، كثير الفنون، آية من آيات الله تعالى، غاية في القراءات حافظا للحديث، بصيرا بالعربية، إماما في اللغة، رأسا في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع والكشف (٣٩٦٨) ، شافعي المذهب، مواظبا على السنة، بلغنا أنه ولد أعمى، ولقد حكى عنه أصحابه ومن كان يجتمع به عجائب وعظموه تعظيما بالغا حتى أنشد الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي رحمه الله من نظمه في ذلك

    رأيت جماعة فضلاء فازوا … برؤية شيخ مصر الشاطبي (٣٩٦٩)

    وكلهم يعظمه ويثني … كتعظيم الصحابة للنبي

    أخبرني بعض شيوخنا الثقات عن شيوخهم أن الشاطبي كان يصلي الصبح بغلس بالفاضلية، ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السرى إليه ليلا، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله: من جاء أولا فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق، فاتفق في بعض الأيام أن بعض أصحابه سبق أولا فلما استوى الشيخ قاعدا قال: من جاء ثانيا فليقرأ فشرع الثاني في القراءة وبقي الأول لا يدري حاله وأخذ يتفكر ما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له ففطن أنه أجنب تلك الليلة ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لما انتبه فبادر إلى الشيخ فأطلع الشيخ على ذلك فأشار للثاني بالقراءة، ثم إن ذلك الرجل بادر إلى حمام جوار المدرسة فاغتسل به، ثم رجع قبل فراغ الثاني والشيخ قاعد أعمى على حاله، فلما فرغ الثاني قال الشيخ: من جاء أولا فليقرأ فقرأ، وهذا من أحسن ما نعلمه وقع لشيوخ هذه الطائفة، بل

    ج ١ ص ٩٢٠لا أعلم مثله وقع في الدنيا.

  3. قرأت بخط الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن سلمة الأنصاري الغرناطي ونقلت ما نصه: نقلت من خط الفقيه الأجل الحاج المحدث الخطي أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي ما نصه أبو محمد قاسم بن فيره الشاطبي المقرئ الضرير روى بالأندلس القراءة عن أبي الحسن بن هذيل وأبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفزي وأبي عبد الله بن سعادة وأبي محمد بن عاشر وأبي الحسن بن النعمة وأبي الحسن عليم، ورحل فاستوطن قاهرة مصر، وأقرأ بها القرآن وبها ألف قصيدته هذه يعني الشاطبية، وذكر أنه ابتدأ أولها بالأندلس إلى قوله: «جعلت أبا جاد» ثم أكملها بالقاهرة انتهى.

    قلت: ومن وقف على قصيدتيه علم مقدار ما آتاه الله في ذلك خصوصا اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقها، ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد أن أقول: ولا في غير هذا الفن، فإنني لا أحسب أن بلدا من بلاد الإسلام يخلو منه، بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة به، ولقد تنافس الناس فيها، ورغبوا من اقتناء النسخ الصحاح بها إلى غاية حتى إنه كانت عندي نسخة باللامية والرائية (٣٩٧٠) بخط الحجيج صاحب السخاوي مجلدة فأعطيت بوزنها فضة فلم أقبل، ولقد بالغ الناس في التغالي فيها، وأخذ أقوالها مسلمة، واعتبار ألفاظها منطوقا ومفهوما، حتى خرجوا بذلك عن حد أن تكون لغير معصوم، وتجاوز بعض الحد فزعم أن ما فيها هو القراءات السبع وأن ما عدا ذلك شاذ لا تجوز القراءة به، ومن أعجب ما اتفق للشاطبية في عصرنا هذا أن به من بينه وبين الشاطبي باتصال التلاوة والقراءة رجلين مع أن للشاطبي يوم

    ج ١ ص ٩٢١تبييض هذه الترجمة مائتي سنة وهذا لا أعلم أنه اتفق في عصر من الأعصار للقراءات السبع وإن كان اتفق في بعض القراءات وقتا ما، وما ذلك إلا لشدة اعتناء الناس بها، ومن الجائز أن تبقى الشاطبية باتصال السماع بهذا السند إلى رأس الثمانمائة فإن من أصحاب القاضي بدر الدين بن جماعة اليوم جماعة ولا أعلم كتابا حفظ وعرض في مجلس واحد وتسلسل بالعرض إلى مصنفه كذلك إلا هو.

  4. عرض عليه القراءات أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي وهو أجل أصحابه وأبو عبد الله محمد بن عمر القرطبي والسديد عيسى بن مكي ومرتضى بن جماعة بن عباد والكمال علي بن شجاع الضرير صهره والزين محمد بن عمر الكردي وأبو القاسم عبد الرحمن بن سعيد الشافعي وعيسى بن يوسف بن إسماعيل المقدسي شيخا الفاسي ويوسف بن أبي جعفر الأنصاري وعلي بن محمد بن موسى التجيبي وعبد الرحمن بن إسماعيل التونسي وهؤلاء كملوا عليه القراءات وقرءوا عليه القصيد.

  5. وقرأ عليه بعض القراءات وسمع عليه القصيد الإمام أبو عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب والشيخ أبو الحسن علي بن هبة الله بن الجميزي وأبو بكر محمد بن وضاح اللخمي وعبد الله بن محمد بن عبد الوارث بن الأزرق وهو آخر أصحابه موتا وولده الجمال أبو عبد الله محمد بن القاسم وجد سماعه بالقصيد إلى سورة (ص) فرواها كذلك، وقد بارك الله له في تصنيفه وأصحابه فلا نعلم أحدا أخذ عنه إلا قد أنجب، توفى رحمه الله تعالى في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة بالقاهرة ودفن بالقرافة بين مصر والقاهرة بمقبرة القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني وقبره مشهور معروف يقصد للزيارة وقد زرته مرات وعرض علي بعض أصحابي الشاطبية عند قبره ورأيت بركة الدعاء عند قبره بالإجابة (أ) رحمه الله ورضي عنه.