باب النون بعدها العين
٦٩ فقرة، ج ٣ ص ١٢٠
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٣ ص ١٣٣
ومن أهل بخارى: شريك النخعى، ومحمد بن القاسم الأسدى، صحبه أربعين سنة،
ج ٣ ص ١٣٤وحمل عنه كثيرًا، ومحمد بن فضل، وكان أستاذ أبى حفص الكبير، ومحمد بن سلام أستاذ البخارى، وهو الذى بث علم أبى حنيفة بما وراء النهر، وخليد بن حسان صاحب الحسن، وابن سيرين نزيل بخارى حمل عنه كثيرًا، وحذيفة بن إسحاق أكثر عنه، وعثمان بن حميد المعروف بأبى حنيفة روى له مناقب. ومن أهل سمرقند: حفص بن سلم الفزارى حمل عنه كثيرًا، ونصر بن عبد الملك أحد مفاخر سمرقند فى علم الحديث والفقه، وكان يسمى نصر الإمام، أكثر عنه، وآخرون. ومن أهل كشى: راهب الكشى أكثر عنه. ومن أهل ترمذ: عبد العزيز بن خالد، جالسه وحمل عنه كثيرًا، وإسماعيل بن زياد الترمذى، لزمه وأخرج له المناقب. ومن أهل بلخ: مقاتل بن حيان، أدرك مشايخ أبى حنيفة مثل نافع وغيره، ثم جالس أبا حنيفة وأخذ عنه وروى له المناقب، والمتوكل ابن حمران، جاوره أربع سنين وروى عنه، والحكم بن عبد الله أبو مطيع البلخى سيد أهل بلخ، لزمه وروى عنه كثيرًا، وبث مذهبه ببلخ ونواحيها، سأل أبا حنيفة عن أربعة آلاف مسألة فأجابه فيها، وأبو معاوية خالد بن سليمان أحد مفاخر بلخ أكثر عنه، والحسين بن سليمان، كان من كبراء أصحابه، وكان ثقة فى حديثه، وإبراهيم بن أدهم روى عنه ونصحه، وأبو حنيفة حتى أقبل على العلم، وشقيق بن إبراهيم البلخى العابد الزاهد، لزمه وحمل عنه كثيرًا ولزم زفر بعده، وآخرون.
-
ومن أهل هراة: الهياج بن بسطام إمام أهل هراة، صحبه اثنى عشر سنة، وحمل عنه كثيرًا من الحديث والفقه، وكنانة بن جبلة، صحبه مدة طويلة وروى كثيرًا، وعبد بن واقد أكثر عنه، وآخرون كثيرون. ومن أهل قهسان: الجراح القهسانى، أكثر عنه رواية الحديث. ومن أهل سجستان: قاضى الزم سمعه وروى عنه أبان بن عبد الله، والفضيل السجزى، روى عنه الحديث والفقه. ومن أهل زم: أبو معروف السجستانى قاضى الزم، سمعه وروى عنه. ومن أهل خوارزم: المغيرة بن موسى البصرى نزيل خوارزم، روى عنه كثيرًا، وإبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمى، وأبو على قاضى خوارزم، روى مناظرته مع جهم بن صفوان، ورشد الخوارزمى، وابنه داود، وآخرون كثيرون غير هؤلاء.
-
الفصل السادس
فيمن أثنى عليه واعترف بفضله
وفى التهذيب: قال محمد بن سعد العرفى: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة، لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظ، ولا يحدث بما لا يحفظ. وقال صالح بن
ج ٣ ص ١٣٥محمد الأسدى الحافظ: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو حنيفة ثقة فى الحديث. وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز، عن يحيى بن معين: كان أبو حنيفة لا بأس به. وقال مرة: كان أبو حنيفة عندنا من أهل الصدق، ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيًا. وعن عبد الله بن المبارك: لولا أن الله عز وجل أغاثنى بأبى حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس. وعن الشافعى، رحمه الله: قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك فى هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. وعن ضرار بن صرد: وسُئل يزيد بن هارون: أيهما أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟ قال: سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفه أفقه.
-
وعن محمد بن مزاحم: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس: أما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبى رواد، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثورى، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة. ثم قال: ما رأيت فى الفقه مثله. وعنه: إذا اجتمع سفيان وأبو حنيفة فمن يقوم لهما على فتيا. وعن أبى نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص فى المسائل. وعن محمد بن سعيد أبى عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن أبى داود الخريبى يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبى حنيفة فى صلاتهم. قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه. وعن شداد بن حكيم: ما رأيت أعلم من أبى حنيفة. وعن مكى بن إبراهيم: كان أبو حنيفة أعلم أهل زمانه. وعن يحيى بن معين: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: لا نكذب، والله ما سمعنا أحسن من رأى أبى حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب فى الفتوى إلى قول الكوفيين، ويختار قوله من أقوالهم، ويتسع رأيه من بين أصحابه. وعن الربيع: سمعت الشافعى يقول: الناس عيال على أبى حنيفة. كل هذا ذكره صاحب التهذيب فى ترجمة أبى حنيفة بأسانيده.
-
وعن سفيان بن عيينة: شيئان ما ظننت أنهما يجاوزان قنطرة الكوفة، وقد بلغا الآفاق: قراءة حمزة، ورأى أبى حنيفة. وروى ابن عبد البر بإسناده، عن سفيان بن عيينة أنه قال: أول من اقتدى للحديث بالكوفة أبو حنيفة، أقعدنى بالجامع وقال: هذا أقعد الناس بحديث عمرو بن دينار، فحدثتهم. وكان مسعر بن كدام، وأيوب السختاينى، والأعمش، وشعبة يثنون على أبى حنيفة، فقال: ثقة، ما سمعت أحدًا ضعفه، هذا شعبة ابن الحجاج يكتب إليه أن يحدث ويأمره، وثقه شعبة. وسُئل يحيى أيضًا: هل
ج ٣ ص ١٣٦حدث سفيان عن أبى حنيفة؟ فقال: نعم، كان أبو حنيفة ثقة صدوقًا فى الحديث والفقه، مأمونًا على دين الله تعالى. وعن الحسن بن صالح: كان النعمان بن ثابت فهمًا عالمًا متثبتًا فى علمه، إذا صح عنده الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعد إلى غيره. وعن عبد الرزاق بن همام: ما رأيت أحدًا قط أحكم من أبى حنيفة. وعن يحيى بن معين: ما رأيت مثل وكيع، وكان يفتى برأى أبى حنيفة. وعن الشافعى: كان أبو حنيفة وقوله فى الفقه مسلمًا له فيه. وكان أحمد بن حنبل كثيرًا ما يثنى على أبى حنيفة، ولاسيما لما ابتلى وضرب على القول بخلق القرآن. وعثمان المزنى كان أبو حنيفة أفقه من حماد، وأفقه من إبراهيم، وأفقه من علقمة.
-
ولو ذكرنا ما أثنى العلماء الكبار والسادات الأخيار على أبى حنيفة لطال الكتاب جدًا، وفى هذا القدر كفاية للمنصف، وأما المتعصب أو الحاسد فيتصامم عن ذلك، ليت شعرى ما يفيد قول بعض المحطين عليه ممن أتى من بعد هؤلاء الكبار الذين ذكرناهم كالبخارى، فإنه ذكره بالتضعيف، وكالنسائى يقول: كثير الغلط والخطأ على قلة روايته. وكان ابن عدى الذى لا يستحى ولا يعرف مقداره حتى يقول: عامة ما يرويه غلط، وتصحيف، وزيادات، وله أحاديث صالحة، وليس من أهل الحديث. ثم يتبعهم الدارقطنى، والبيهقى، والخطابى فيما ذكروا، فهؤلاء وأمثالهم إن كان قصدهم إظهار الصواب وبيان أن ما فى نفس الأمر فليس كذلك؛ لأن قولهم هذا ينافى ويضاد أقوال من ذكرناهم من الأكابر والسادات كالثورى، وابن عيينة، وابن المبارك، ومالك، والشافعى، وأحمد، ويحيى بن معين، ووكيع، وأضرابهم، وإن كان لغير ذلك فهذا حرام، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء" ، فانظر ماذا يترتب من الأمر فى هذا، فالعاقل إذا سمع ثناء السادات المذكورين على أبى حنيفة بخير، ثم سمع من هؤلاء بضده يصغى إلى قول المادحين أو إلى قول الذامين، ولا يصغى إلا إلى قول المدح، ولاسيما من هؤلاء العلماء الذين هم أركان الدين، وحفاظ المسلمين، ونقاد المحدثين، ومحمل كلام أهل الذم على التعصب، والتحامل، فلا يمشى إلى ذلك؛ لخمالته وتفاهته.
-
وقد روى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: استعموا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذى نفسى بيده هم أشد تعايرًا من التيوس ماذروا بها. وروى أيضًا بإسناده إلى سعيد بن المسيب، عن ابن عباس قال: خذوا من العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم فى
ج ٣ ص ١٣٧بعض، فإنهم يتعايرون تعاير التيوس فى الزريبة. وقال أبو عمر: الصحيح فى هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت أمانته لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتى فى جرحه ببينة محاولة يصح بها جرحه على طريق الشهادات، فما ورد من ذلك، ولا يلتفت إليه ما ذكر عن مغيرة، عن حماد، أنه ذكر أهل الحجاز فقال: قد سألتهم فلم يكن عندهم شىء، والله لصبيانكم أعلم منهم بل صبيان صبيان صبيانكم. وعن مغيرة: قدم علينا حماد من مكة فأتيناه. فقال أحمد: والله يا أهل الكوفة لقيت عطاء، ومجاهدًا، وطاووسًا، فصبيانكم أعلم منهم، بل صبيان صبيانكم. قال مغيرة: هذا بغى منه. قال أبو عمر: صدق. فقد كان أبو حنيفة، وهو أفقه الناس بحماد، يفضل عطاء عليه. قال أبو عاصم: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أفضل من عطاء بن أبى رباح، ومنه كلام مالك فى ابن إسحاق دجال؛ لكونه قال: هاتوا علم مالك فأنا بيطاره، ولكونه قال: هو مولى بنى تميم، وإنما هو أصبحى من حلفاء بنى تميم، وربما كان تكذيب مالك له لتشيعه وللقدر، وأما الصدق فوثقه ابن وهب.
قال أحمد بن صالح: سألت ابن وهب عن أبى إسحاق فوثقه، فقلت: إن مالك يقول: كذاب، قال: لا يقبل قول بعضهم فى بعض. ومنه قول الفضل بن موسى: قال أبو حنيفة: إن الأعمش لم يصم رمضان، ولا اغتسل من جنابة. قال على بن خشرم: فقلت للفضل: ما يعنى بذلك؟ قال: كان الأعمش يرى الماء من الماء، ويتسحر على حديث حذيفة. وقال يحيى بن يحيى: كنت آتى ابن القاسم فيقول لى: من أين؟ فأقول: من عند ابن وهب، فيقول: الله الله اتق الله، أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل. ثم آتى ابن وهب، فيقول: من أين؟ فأقول: من عند ابن القاسم، فيقول: اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأى. وقال أبو عمر أيضًا: وقد كان ابن معين، عفا الله عنه، يطلق فى أعراض بعض الثقات لسانه، منها قوله: كان عبد الملك أبخر، وكان رجل سوء، وكان أبو عثمان النهدى شرطيًا. وقال فى الزهرى: ولى الخراج لبعض بنى أمية، وإنه فقد مرة مالاً فاتهم غلامًا له، فضربه فمات. وقوله فى الأوزاعى: كان من الجند. وقال فى موضع آخر: لا يكتب عن الجند. وقال: حديثه عن الزهرى، ويحيى بن أبى كثير ليس بثبت. وقوله: كان طاووس شيعيًا. ذكر هذا كله أبو الفتح الأزدى فى آخر الضعفاء، عن العلائى، عن يحيى، وقد رواه مفرقًا عباس وغيره عنه، ومما عيب به يحيى قوله فى الشافعى: ليس بثقة، فقال أحمد: ومن أين يعرف يحيى الشافعى، هو لا يعرف الشافعى ولا يعرف ما يقول الشافعى، أو نحو هذا من جَهِلَ شيئًا عاداه. فصدق أحمد، وكلام الأقران بعضهم فى بعض لا عبرة به إلا ببرهان، فانظر أيها العاقل إذا لم يلتفت إلى قول
ج ٣ ص ١٣٨مثل مالك فى حق ابن إسحاق، ولا إلى قول مثل حماد فى عطاء، ومجاهد، وطاووس، ولا إلى قول يحيى بن معين فى الشافعى، فكيف يلتفت إلى كلام ابن العدى، والدارقطنى، ونحوهما فى حق الإمام أبى حنيفة؟! فاعتبر من هذا، وما مثل من تكلم فى حق الأئمة الأربعة إلا كما قيل:
كناطح صخرة يومًا ليفلقها
فلم يضرها وأوهى قرنة الوعل
وهو للأعشى، وقال الحسين بن حميد:
يا ناطح الجبل العالى لتكلمه
أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
الفصل السابع
فى فطنته وورعه
وعن الشافعى، رحمه الله تعالى: ما قامت النساء عن رجل أعقل من أبى حنيفة. وقال إبراهيم بن عمر بن حماد بن أبى حنيفة: وكان أبو حنيفة حسن الفراسة، فقال لداود الطائى: أنت تتخلى للعبادة. وقال لأبى يوسف: أنت تميل إلى الدنيا. وقال لزفر وغيره كلامًا، فكان كما قال. وفى التهذيب: عن أسد بن عمر: وصلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة الليل يقرأ جميع القرآن فى ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه فى الليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن فى الموضع الذى توفى فيه سبعين ألف مرة. وعن إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة، عن أبيه، قال: لما مات أبى سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله، ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد عينك الليل منذ أربعين سنة، وقد أتبعت من بعدك، وفضحت القراء. وعن بشر بن الوليد، عن أبى يوسف، قال: بينا أنا أمشى مع أبى حنيفة، إذ سمعت رجلاً يقول لرجل: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، قال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عنى بما لم أفعل. وكان يُحيى الليل صلاة ودعاء وتضرعًا.
-
وعن خارجة بن المصعب: ختم القرآن فى ركعة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفان، وتميم الدارى، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة. وعن يحيى بن نصير: كان أبو حنيفة ربما ختم القرآن فى شهر رمضان ستين ختمة. وعن عبد الله بن المبارك: قدمت الكوفة فسألت عن أورع أهلها، فقالوا: أبو حنيفة. وعن مكى بن إبراهيم: جالست الكوفيين، فما رأيت منهم أورع من أبى حنيفة. وعن عبيد الله بن عمرو الرقى: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلى قضاء الكوفة فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، فى كل يوم
ج ٣ ص ١٣٩عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. وعن يحيى بن آدم: أن أبا حنيفة أراده ابن هبيرة أن يدخل فى الطراز، يعنى بيت المال، فلم يدخل، فضرب ثلاثين يومًا. وعن أبى يوسف: أن ابن هبيرة ضرب أبا حنيفة بالسياط حتى قطع لحمه على أن يلى قضاء الكوفة فلم يفعل.
-
الفصل الثامن
أن مذهبه أحق بالتقديم وأوفق للإمامة
وأصلح للولاة والأئمة من مذهب المخالفين
من وجوه، منها: أنه أخذ العلم عن حماد بن أبى سليمان، وحماد أخذ عن إبراهيم النخعى، وإبراهيم أخذ عن علقمة والأسود، وهما أخذا عن عمر بن الخطاب، وعلى ابن أبى طالب، وعبد الله بن مسعود، ولم يوجد لأحد من الفقهاء هذه الطريقة ولا يدانيها، فإذا كان كذلك فالأخذ عن إسناده المتصل بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى جل علمه أولى من الأخذ عن غيره. ومنها: أنه كان فى القرن الذى شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهله بالعدالة والخيرية، فوجب الأخذ بقوله دون من كان فى الزمن الذى ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الكذب يفشو فيه. ومنها: أنه من التابعين كما ذكرناه، والتابعى ممن يشهد له بالعدالة والخير فى الطبقة الثانية. ومنها: أن الفقه سؤال وجواب، فالسؤال له، وكذلك نصف الجواب، وهو ينازعهم فى الربع الباقى، وذلك لأنه أول من وضع الأسئلة، فهذا نصف العلم، ثم أجاب عنها، فقال بعضهم: أصاب، وقال بعضهم: أخطأ فى بعض، فإذا جعلنا نصف جوابه جوابًا صار له نصف النصف فبقى الربع، وهو ينازعهم فيه، ولا يسلم لهم. وأما بيان أن مذهبه أوفق للإمامة فمن وجوه:
أحدها: مسألة الاستثناء المتصل، فإن أبا حنيفة هو الذى وضعها، فعلى هذا لما توجد بيعة الخليفة ولا السلطان ولا عهد لأحد من المسلمين. وروى عن بعض السلف أنه قال: لا يزال الإسلام مشَيَّد الأركان ما بقى له ثلاثة أشياء: الكعبة، والدولة العباسية، والفيتا على مذهب أبى حنيفة.
-
والثانى: أن الأراضى الخراجية إذا عجزت أربابها عن زراعتها، وعن أداء خراجها، قال أبو حنيفة: للإمام أن يؤجر الأرض من غيرهم، ويأخذ الخراج من الأجرة، وإن لم يجد من يؤاجرها منه جاز له أن يبيعها ويأخذ الخراج من ثمنها، سواء رضى أربابها بذلك أو لم يرضوا. وقال من خالفه: ليس له ذلك.
-
والثالث: أن الإمام إذا فتح بلدة من بلاد الكفر بالقهر، وأراد أن يمن عليهم ويقرهم
ج ٣ ص ١٤٠على أملاكهم، ويضع الجزية على رؤوسهم، ولا يقسمها، قال أبو حنيفة: جاز للإمام أن يفعل ذلك، سواء رضيت بذلك جنوده أو لا. وقال من خالفه: ليس له أن يمن عليهم إلا برضاء الغانمين، والواجب أن يقسمها بين الغانمين. ولها نظائر كثيرة اكتفينا بهذا القدر.
-
الفصل التاسع
فى الخبر الذى ورد حقه من طرق عديدة
الأولى: عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يكون فى أمتى رجل يقال له: أبو حنيفة، هو سراج أمتى يوم القيامة" .
-
والثانية: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سيكون رجل يقال له: النعمان بن ثابت، ويكنى بأبى حنيفة، يُحيى دين الله وسنتى" .
-
والثالثة: عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يظهر من بعدى رجل يعرف بأبى حنيفة، يُحيى الله سنتى على يديه" .
-
والرابعة: روى عن على بن أبى طالب كذلك. وكل طريق من هذه على وجوه مختلفة فى المتن والإسناد، بينا جميع ذلك فى ترجمة أبى حنيفة فى تاريخنا البدرى، والمحدثون ينكرون هذا الحديث، بل أكثرهم يدعون وضعه، ولكن اختلاف طرقه ومتونه ورواته يدل على أن له أصلاً، والله أعلم بالصواب.
-
الفصل العاشر
فى وفاته، رضى الله عنه
قال ابن خلكان: توفى فى رجب. وقيل: فى شعبان سنة خمس وخمسين ومائة. وعن يحيى بن معين: مات سنة إحدى وخمسين ومائة. ويقال: سنة ثلاث وخمسين ومائة. والصحيح أنه مات فى سنة خمسين ومائة. وقيل: لإحدى عشرة ليلة من جمادى الأولى من سنة خمسين ومائة، وكانت وفاته فى السجن ليلة القضاء، وهو الصحيح. وقيل: إنه لم يمت فى السجن. وقيل: إنه توفى فى اليوم الذى ولد فيه الشافعى. وعن عبد الرحمن ابن مالك بن مغول: أن المنصور أرسل إليه وهو فى الحبس: إنك إن أجبت وقلت ما طلبت منك لأخرجنك من السجن ولأكرمنك، فأبى عليه أشد الإباء، فأمر أن يخرج كل يوم ويضرب عشرة أسواط، وكان يخرج كل يوم ويضرب، فلما تتابع عليه الضرب فى تلك الأيام بكى وأكثر الدعاء، فما لبث إلا يسيرًا حتى مات فى الحبس مبطونًا مجهودًا،
ج ٣ ص ١٤١فأخرجت جنازته، وكثر بكاء الناس عليه، ودفن فى مقابر الخيزران. ويقال: ضيقوا عليه الأمر فى الطعام والشراب والحبس، ودسوا إليه فسموه وقتلوه. وقال يحيى بن النضر: لم يشك أن أبا حنيفة سقى السم فمات.
-
وعن أبى حسان الزيادى: لما أحس أبو حنيفة بالموت سجد، فخرجت نفسه وهو ساجد، وكان عمره يوم توفى سبعين سنة، وغسله الحسن بن عمارة، وهو من مشايخ أبى حنيفة، ومن كبار المحدثين، وكان يصب عليه الماء أبو رجاء عبد الله بن واقد الهروى إمام أهل هراة، وصلى عليه الحسن بن عمارة أيضًا، وصلى عليه يوم مات ست مرات؛ لكثرة الزحام، آخرهم عليه صلاة ابنه حماد، وجاء المنصور وصلى على قبره. ويقال: مكث الناس يصلون على قبره أكثر من عشرين يومًا، وبنى شرف الملك أبو سعد محمد ابن منصور الخوارزمى مستوفى مملكة السلطان ملكشاه السلجوقى على قبره قبة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية، وذلك فى سنة تسع وخمسين وأربعمائة. ويقال: إن أبا سعد بناهما نيابة عن السلطان ألب أرسلان محمد، والد السلطان ملكشاه، وهو الظاهر، لأن العادة جرت أن النواب يباشرون عن ملوكهم، فنسب العمارة إليه بهذا الطريق. وقال أبو نصر: لم يكن لأبى حنيفة من الولد الذكران غير حماد، وكان لحماد من الأولاد أبو حبان، وإسماعيل، وعمر، وعثمان، وكان حماد يكنى بأبى إسماعيل، وإسماعيل هذا ولى القضاء بالبصرة للمأمون، وكان فقيهًا، محدثًا، ورعًا شديدًا على أهل الأهواز، رضى الله عنهم أجمعين.
-
٢٤٧٢ - النعمان بن راشد الجزرى: أبو إسحاق الرقى، مولى بنى أمية. روى عن زيد ابن أبى أنيسة، وعبد الله بن مسلم بن شهاب أخى الزهرى، وعبد الله بن أبى محذورة، والزهرى، وميمون بن مهران. روى عنه جرير بن حازم، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان، وابن جريج، وهو من أقرانه، ووهيب بن خالد. وعن يحيى القطان: ضعيف جدًا. وعن أحمد: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير. وعن يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشىء. وقال البخارى: فى حديثه وهم، وهو صدوق فى الأصل. وكذلك قال عبد الرحمن بن أبى حاتم، عن أبيه، وقال: أدخله البخارى فى كتاب الضعفاء، فسمعت أبى يقول: تحول منه. وقال النسائى: ضعيف كثير الغلط. وعنه:
ج ٣ ص ١٤٢أحاديثه مغلوطة. وذكره ابن حبان فى الثقات. استشهد به البخارى، وروى له الباقون، وأبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٧٣ - النعمان بن سالم الطائفى: روى عن أويس بن أبى أوس الثقفى، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبى العاص، وعمر بن أوس بن أوس، ويعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفى، وجدته. روى عنه أبو يونس حاتم بن أبى صعرة، والحكم بن عبد الملك، وداود بن أبى هند، وسماك بن حرب، وشعبة، وعامر الأحول. وقال يحيى، وأبو حاتم: ثقة. زاد أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان فى الثقات. روى له الجماعة سوى البخارى، وروى له أبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٧٤ - النعمان بن سعد بن حبة: ويقال: ابن جبير الأنصارى الكوفى، خال عبد الرحمن بن إسحاق الكوفى. روى عن الأشعث بن قيس، وزيد بن أرقم، وعلى بن أبى طالب، والمغيرة بن شعبة. روى عنه ابن أخته أبو شيبة عبد الرحمن بن إسحاق. قال أبو حاتم: ولم يرو عنه غيره. وذكره ابن حبان فى الثقات. روى له الترمذى، وأبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٧٥ - النعمان بن أبى عياش الزرقى الأنصارى: أبو سلمة المدنى، جد طلحة بن يحيى الزرقى، واسم أبى عياش زيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل: عبيد ابن معاوية. روى عن جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأبى سعيد الخدرى، وخولة بنت شام، ويقال: بنت قيس. روى عنه أبو حازم سلمة بن دينار، وسمى مولى أبى بكر الصديق، وسهيل بن أبى صالح، وعبد الله بن دينار، ومحمد بن عجلان، ويحيى
ج ٣ ص ١٤٣ابن سعيد الأنصارى، وآخرون. وعن يحيى: ثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات، وكان أبوه فارس النبى - صلى الله عليه وسلم -. روى له الجماعة سوى أبى داود، وروى له أبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٧٦ - النعمان بن منذر الغسانى: ويقال: اللخمى أبو الوزير الدمشقى. روى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان بن موسى، وطارق بن عبد الرحمن، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبى رباح، ومجاهد، والزهرى، ومكحول الشامى، وآخرين. روى عنه سويد بن عبد العزيز، وعمر بن عبد الواحد، ومحمد بن شعيب بن شابور، والهيثم بن حميد الغسانى، ويحيى بن حرملة، وآخرون. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث. قال أبو زرعة: ثقة. وقال دحيم: ثقة، إلا أنه يرمى بالقدر. قال أبو داود: كان داعية إلى القدر، وضع كتابًا يدعو فيه إلى القدر. وقال النسائى: ليس بذاك القوى. وذكره ابن حبان فى الثقات. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى له أبو داود، والنسائى، وأبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٧٧ - نعيم بن ثابت: أبو قتيبة البصرى، وهو أبو قتيبة الكبير. يروى عنه عبد الرحمن بن أبى حماد، وأبو يحيى الحمانى. روى له أبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٧٨ - نعيم بن حكيم المدنى: روى عن أبى مريم، وقيس. روى عنه شبابة بن سوار، وأسباط بن محمد، وأبو عوانة، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وعبد الله بن داود الخريبى، ومحمد بن بشر العبدى، وعبيد الله بن موسى العبسى. وقال محمد بن سعد: ولم يكن بذاك. وقال يحيى بن معين، وأحمد بن عبد الله العجلى: ثقة. وقال ابن حراش: صدوق، ولا بأس به. وقال أبو داود: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له أبو داود، والنسائى. وذكره الذهبى فى الميزان. وقال الأزدرى: أحاديثه مناكير، والله أعلم.
- ج ٣ ص ١٤٤
٢٤٧٩ - نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث بن همام بن سلمة بن مالك الخزاعى: أبو عبد الله المروزى الفارضى الأعور، سكن مصر، وأبى الحسين بن واقد. وروى عن إبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن طهمان، فقال حديثًا واحدًا، وبقية بن الوليد، وجرير بن عبد الحميد، وحفص بن غياث، وروح بن عبادة، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وعبد الرزاق بن همام، وعبد العزيز الدراوردى، وفضيل ابن عياض، وأبى عصمة نوح بن أبى مريم، وهشيم بن بشير، ووكيع، ويحيى القطان، وأبى داود الطيالسى، وأبى معاوية الضرير، وآخرين. روى عنه البخارى مقرونًا بغيره، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجانى، وإبراهيم بن أبى داود البرلسى شيخ الطحاوى، وحسين بن نصر بن المبارك شيخ الطحاوى أيضًا، ويونس بن عبد الأعلى شيخه أيضًا، ويحيى بن عثمان شيخه أيضًا، وأحمد بن آدم غندر، وبكر بن سهل الدمياطى، والحسن ابن على الحلوانى، وأبو زرعة الدمشقى، وأبو حاتم الرازى، وآخرون.
-
وعن أحمد: كان من الثقات. وعن يحيى: ثقة. وعنه: يروى عن غير الثقات. وقال على بن الحسين بن حبان: وجدت فى كتاب أبى بخط يده: قال أبو زكريا: نعيم بن حماد ثقة، صدوق، رجل صدق، أنا أعرف الناس به، كان رفيقى بالبصرة، كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث. وقال العجلى: مروزى ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقى: وصل أحاديث يوقفها الناس. وقال أبو حاتم: محله الصدق، مات بالعسكر من سر من رأى سنة سبع وعشرين ومائتين. وقال النسائى: نعيم بن حماد ضعيف. وعنه: ليس بثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: ربما أخطأ ووهم. ويقال: كان يضع الحديث فى تقوية السنة وحكايات عن العلماء فى ثابت أبى حنيفة كذب. وقال ابن عدى وابن حماد: منهم فيما يقوله لصلابته فى أهل الرأى، وقد أثنى عليه قوم، وضعفه قوم، وكان أحد من يتصلب فى السنة، ومات فى محنة القرآن فى الحين. وعن أبى بكر الطرسوسى: أخذ نعيم بن حماد فى أيام المحنة سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومائتين، وألقوه فى السجن، ومات سنة سبع وعشرين ومائتين، وأوصى أن يدفن فى قيوده. وقال نفطويه: فجر بأقياده فألقى فى حفرة، ولم يكفن، ولم يصل عليه، فعل ذلك به صاحب ابن أبى
ج ٣ ص ١٤٥داود. روى له مسلم فى مقدمة كتابه، والباقون سوى النسائى، وروى له أبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٨٠ - نعيم بن زياد الأنمارى: أبو طلحة الشامى. روى عن بلال مؤذن النبى - صلى الله عليه وسلم -، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والنعمان بن بشير، وأبى أمامة الباهلى، وأبى كبشة الأنمارى، وأبى هريرة. روى عنه معاوية بن صالح الحضرمى، ومكحول الشامى. قال ابن المدينى: معروف. وقال النسائى: ثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات. روى له أبو داود فى كتاب التفرد، والنسائى، وأبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٨١ - نعيم بن عبد الله المجمر: أبو عبد الله المدنى، مولى آل عمر بن الخطاب، سمى المجمر؛ لأنه كان يجمر المسجد، والمجمر صفة لعبد الله على الصحيح، وبه جزم ابن حبان. وقال النووى: ويطلق على ابنه نعيم مجازًا. روى عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله، وربيعة بن كعب الأسلمى، وسالم مولى شداد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبى هريرة، وآخرين. روى عنه بكير بن عبد الله بن الأشج، وثور بن زيد الديلى، وزيد بن أبى أنيسة، وعمارة بن غزية الأنصارى، ومالك بن أنس، ومحمد بن عجلان، وابنه محمد بن نعيم، وآخرين. قال يحيى، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائى: ثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات. روى له الجماعة، وأبو جعفر الطحاوى.
-
٢٤٨٢ - نعيم بن أبى هند: واسم أبى هند: النعمان بن أشيم الأشجعى، وهو ابن عمر سالم بن أبى الجعد، وابن عم مالك الأشجعى. روى عن أبيه، وأبى وائل، وربعى ابن خراش. روى عنه سليمان التيمى، ومغيرة بن النعمان، وشعبة، والحسن بن سالم بن أبى الجعد. قال ابن أبى حاتم: ولأبيه صحبة. وقال أبو حاتم: صدوق. قال عمرو بن
ج ٣ ص ١٤٦على: مات سنة عشر ومائة. روى له مسلم، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه، وأبو جعفر الطحاوى.