المرفوع والمقطوع

٥٧ فقرة، ج ١ ص ٤٩

الصفحة ١ من ٢

  1. ٧ - وما أُضيفيَ للنَّبي "المرفوعُ" ... وما لتابِعٍ هو "المقطوعُ"

    ج ١ ص ٤٩
  2. ذكر المؤلف رحمه الله نوعين من أنواع الحديث وهما "المرفوع - والمقطوع" وهما القسم الرابع والخامس مما ذكر في النظم.

  3. ونقول: إن الحديث باعتبار من أسند إليه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    ١ - المرفوع.

  4. ٢ - الموقوف، ولم يذكره الناظم هنا وسيذكره فيما بعد١.

  5. ٣ - المقطوع.

  6. وتختلف هذه الثلاثة باختلاف منتهى السند.

  7. فما انتهى سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فهو المرفوع.

  8. وما انتهى إلى الصحابي فهو الموقوف.

  9. وما انتهى إلى من بعده فهو المقطوع. والمقطوع غير المنقطع كما سيأتي.

  10. فالمرفوع هو: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلّم من قول، أو فعل، أو تقرير.

  11. مثال القول: قوله صلى الله عليه وسلّم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢. فهذا مرفوعٌ من القول.

  12. ومثال الفعل: توضأ النبي صلى الله عليه وسلّم فمسح على خفيه. وهذا مرفوع من الفعل.

  13. ومثال التقرير: قوله صلى الله عليه وسلّم للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء١. فأقرّها على ذلك، وهذا مرفوع من التقرير.

    ج ١ ص ٥٠
  14. وهل ما فُعل في وقته، أو قيل في وقته، يكون مرفوعاً؟

  15. نقول: إن علم به فهو مرفوع؛ لأنه يكون قد أقر ذلك، وإن لم يعلم به فليس بمرفوع؛ لأنه لم يُضف إليه، ولكنه حُجة على القول الصحيح، ووجه كونه حُجة إقرار الله إيَّاه.

  16. والدليل على هذا: أن الصحابة - رضوان الله عليهم - احتجوا بإقرار الله لهم في بعض ما يفعلونه، ولم ينكر عليهم ذلك، كما قال جابر - رضي الله عنه -: "كنا نعزل والقرآن ينزل" ٢، وكان القرآن ينزل في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم وكأنهم يقولون: لو كان هذا الفعل حراماً، لنهى الله عنه في كتابه، أو أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلّم بذلك، لأن الله لا يقرّ الحرام.

  17. والدليل على ذلك قوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: ١٠٨] . فهؤلاء الذين بيَّتوا ما لا يرضاه الله تعالى، من القول، قد استخفوا عن أعين الناس، ولم يعلم بهم الناس، ولكن لما كان فعلهم غير مرضي عند الله تعالى أنكر الله عليهم ذلك.

  18. فدلّ هذا على أن ما فُعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ولم ينكره الله تعالى فإنه حُجة، لكننا لا نسمّيه مرفوعاً، وذلك لأنه لا تصحُّ نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلّم.

  19. وإنما سُمي المرفوع مرفوعاً لارتفاع مرتبته لأن السند غايته النبي صلى الله عليه وسلّم فإن هذا أرفع ما يكون مرتبة.

    ج ١ ص ٥١
  20. وأما ما أضيف إلى الله تعالى من الحديث فإنه يسمى: الحديث القدسي، أو الحديث الإلهي، أو الحديث الرباني؛ لأن منتهاه إلى رب العالمين عز وجل، والمرفوع منتهاه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم.

  21. وقوله: "وما لتابعٍ هو المقطوعُ" .

  22. وهذا هو القسم السابع. والمقطوع هو: ما أضيف إلى التابعي ومن بعده، هكذا سماه أهل العلم بالحديث.

  23. سمي بذلك لأنه: منقطع في الرتبة عن المرفوع، وعن الموقوف.

  24. مثل: ما لو نُقل كلام عن الحسن البصري رحمه الله فنقول عنه هذا أثرٌ مقطوع.

  25. وما أضيف إلى الصحابي نوعان:

    ١ - ما ثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى عندهم المرفوع حكماً.

  26. ٢ - وما لم يثبت له حكم الرفع، فإنه يسمى موقوفاً.

  27. فالآثار التي تروى عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أو عن أي واحد من الصحابة، نسميها موقوفة، وهذا هو الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإلا فإنه من المعلوم أنه يصح أن نقول حتى في المرفوع أنه موقوف، لأنه وقف عند النبي صلى الله عليه وسلّم، لكن هذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.

  28. والعلماء قالوا في الضابط في المرفوع حكماً، هو الذي ليس للاجتهاد، والرأي فيه مجال، وإنما يؤخذ هذا عن الشرع.

  29. مثل: ما إذا حدَّث الصحابي عن أخبار يوم القيامة، أو الأخبار الغيبية، فإننا نقول فيه: هذا مرفوع حكماً؛ لأنه ليس للاجتهاد فيه

    ج ١ ص ٥٢مجال، وكذلك لو أن الصحابي فعل عبادة لم ترد بها السنة، لقلنا هذا أيضاً مرفوع حكماً.

  30. ومثَّلوا لذلك بأن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - صلى في صلاة الكسوف، في كل ركعة ثلاث ركوعات١، مع أن السنة جاءت بركوعين في كل ركعة٢، وقالوا: هذا لا مجال للرأي فيه، ولا يمكن فيه اجتهادٌ، لأن عدد الركعات أمرٌ توقيفي يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، فلولا أن عند علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - علماً بهذا ما صلى ثلاث ركوعات في ركعة واحدة، فهذا مرفوعٌ حكماً؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.

  31. وكذلك إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فإنه مرفوع حكماً؛ لأن الصحابي إذا قال: من السنة، فإنما يعني به سنة الرسول صلى الله عليه وسلّم، كقول ابن عباس - رضي الله عنهما - حين قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة وجهر بها، قال: لتعلموا أنها سنة، أو ليعلموا أنها سنة٣.

  32. وكما قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً٤، فهذا وأمثاله يكون من المرفوع حكماً؛ لأن الصحابي لا يُضيف السنة إلا إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلّم.

  33. وأيضاً لو أخبر أحدٌ من الصحابة عن الجنة والنار لقلنا: هذا

    ج ١ ص ٥٣مرفوعٌ حكماً، إلا أنه يُشترط في هذا النوع: ألا يكون الصحابي ممن عُرف بكثرة الأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان ممن عُرفوا بذلك، فإنه لا يُعتبر له حكم الرفع؛ لاحتمال أن يكون ما نقله عن بني إسرائيل، وهؤلاء كثيرون أمثال: عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - فإنه أخذ جملة كبيرة عن كتب أهل الكتاب، في غزوة اليرموك، مما خلَّفه الروم أو غيرهم، لأن في هذا رخصة، فإذا عُرف الصحابي بأنه ينقل عن بني إسرائيل، فإنه لا يكون قوله مرفوعاً حكماً.

  34. وهل ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، هل هو حجة أم لا؟

  35. نقول: في هذا خلاف بين أهل العلم.

  36. فمنهم من قال: بأنه حجة، بشرط ألا يُخالف نصاً، ولا صحابياً آخر، فإن خالف نصًّا أُخذ بالنص، وإن خالف صحابياً آخر أُخذ بالراجح.

  37. ومنهم من قال: إن قول الصحابي ليس بحجة، لأن الصحابي بشر يجتهد، ويصيب ويخطئ.

  38. ومنهم من قال: الحجة من أقوال الصحابة قول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - لأن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر" ١ وقال أيضاً: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا" ٢.

  39. وأما من سواهما فليس قوله بحجة.

  40. والذي يظهر لي أن قول الصحابي حجة إن كان من أهل الفقه

    ج ١ ص ٥٤والعلم، وإلا فليس بحجة، لأن بعض الصحابة كان يفدُ على النبي صلى الله عليه وسلّم، ويتلقى منه بعض الأحكام الشرعية، وهو ليس من الفقهاء، وليس من علماء الصحابة، فهذا لا يكون قوله حجة.