منزلة الكوفة من علوم الاجتهاد
٤٢ فقرة
الصفحة ١ من ٢
- صفحته في الشاملة
وَلَا بدَّ هُنَا من استعراض مَا كَانَت عَلَيْهِ الْكُوفَة، من عهد بنائها إِلَى زمن أبي حنيفَة، ليعلم من لَا يعلم وَجه امتيازها عَن بَاقِي الْأَمْصَار، فِي تِلْكَ العصور، حَتَّى أَصبَحت مشرق الْفِقْه الناضج، المتلاطم الْأَنْوَار، فَأَقُول: لَا يخْفَى أَن الْمَدِينَة المنورة زَادهَا الله تَشْرِيفًا - كَانَت مهبط الْوَحْي، ومستقر جمهرة الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ - إِلَى أَوَاخِر عهد ثَالِث الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، خلا الَّذين رحلوا إِلَى شواسع الْبلدَانِ للْجِهَاد وَنشر الدَّين، وتفقيه الْمُسلمين، وَلما ولي الْفَارُوق رَضِي الله عَنهُ، وافتتح الْعرَاق فِي عَهده، بِيَد سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ، أَمر عمر بِبِنَاء الْكُوفَة، فبنيت سنة ١٧ هـ، وأسكن حولهَا الفصح من قبائل الْعَرَب، وَبعث عمر رَضِي الله عَنهُ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الْكُوفَة، ليعلم أَهلهَا الْقُرْآن، ويفقههم فِي الدَّين، قَائِلا لَهُم: "وَقد آثرتكم بِعَبْد الله عَلَى نَفسِي" وَعبد الله هَذَا مَنْزِلَته فِي الْعلم بَين الصَّحَابَة عَظِيمَة جدا، بِحَيْثُ لَا يَسْتَغْنِي عَن علمه - مثل عمر - فِي فقهه، ويقظته، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ عمر: "كُنَيْفٌ ملئ فقهاً" ، وَفِي رِوَايَة "علما" ، وَفِيه ورد حَدِيث: "إِنِّي رضيت لأمتي مَا رَضِي لَهَا ابْن أم عبد" ، وَحَدِيث: "وتمسكوا بِعَهْد ابْن مَسْعُود" ، وَحَدِيث: "من أَرَادَ أَن يقْرَأ الْقُرْآن غضاً، كَمَا أنزل، فليقرأه عَلَى قِرَاءَة ابْن أم عبد" ، وَقَالَ النَّبِي صلوَات الله عَلَيْهِ: "خُذُوا الْقُرْآن من أَرْبَعَة" ، وَذكر ابْن مَسْعُود فِي صدر الْأَرْبَعَة، وَقَالَ حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ: "كَانَ أقرب النَّاس هَديا، ودلاً، وسمتاً، برَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْن مَسْعُود، حَتَّى يتَوَارَى منا فِي بَيته، وَلَقَد علم المحفظون من أَصْحَاب مُحَمَّد أَن ابْن أم عبد، هُوَ أقربهم إِلَى الله زلفى" ، وَحُذَيْفَة حُذَيْفَة، وَمَا ورد فِي فضل ابْن مَسْعُود، فِي - كتب السّنة - شَيْء كثير جدا، فَابْن مَسْعُود عُني بتفقيه أهل الْكُوفَة، وتعليمهم الْقُرْآن من سنة بِنَاء الْكُوفَة، إِلَى أَوَاخِر خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ، عناية لَا مزِيد عَلَيْهَا، إِلَى أَن امْتَلَأت الْكُوفَة بالقراء، وَالْفُقَهَاء الْمُحدثين، بِحَيْثُ أبلغ بعض ثِقَات أهل الْعلم عدد من تفقه عَلَيْهِ، وَعَلَى أَصْحَابه، نَحْو أَرْبَعَة آلَاف عَالم، وَكَانَ هُنَاكَ مَعَه أَمْثَال سعد بن مَالك - أبي وَقاص - وَحُذَيْفَة، وعمار، وسلمان، وَأبي مُوسَى، من أصفياء الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، يساعدونه فِي مهمته، حَتَّى إِن عَلّي بن أبي طَالب كرم الله وَجهه، لما انْتقل إِلَى الْكُوفَة سُرَّ من كَثْرَة فقهائها، وَقَالَ: "رحم الله ابْن أم عبد، قد مَلأ هَذِه الْقرْيَة علما" وَفِي لفظ: "أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، سُرُج هَذِه الْقرْيَة" وَلم يكن بَاب مَدِينَة الْعلم، بِأَقَلّ عناية بِالْعلمِ مِنْهُ، فوالى تفقيههم، إِلَى أَن أَصبَحت الْكُوفَة لَا مثيل لَهَا فِي أَمْصَار الْمُسلمين، فِي كَثْرَة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم الْقُرْآن، وعلوم اللُّغَة الْعَرَبيَّة فِيهَا، بعد أَن اتخذها عَلّي بن أبي طَالب كرم الله وَجهه، عَاصِمَة الْخلَافَة، وَبعد أَن انْتقل إِلَيْهَا أقوياء الصَّحَابَة، وفقهاؤهم، وبينما ترَى مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي، والسيوطي لَا يستطيعان أَن يذكرَا من الصَّحَابَة الَّذين نزلُوا مصر إِلَّا نَحْو ثَلَاثمِائَة صَحَابِيّ، تَجِد الْعجلِيّ يذكر أَنه توطن الْكُوفَة وَحدهَا، من الصَّحَابَة، نَحْو ألف وَخَمْسمِائة صَحَابِيّ، بَينهم نَحْو سبعين بَدْرِيًّا، سُوَى من أَقَامَ بهَا، وَنشر الْعلم بَين ربوعها، ثمَّ انْتقل إِلَى بلد آخر، فضلا عَن بَاقِي بِلَاد الْعرَاق، وَمَا يرْوَى عَن ربيعَة وَمَالك من الْكَلِمَات البتراء فِي أهل الْعرَاق، لَيْسَ بثبات عَنْهُمَا أصلاُ، وجلَّ مقدارهما عَن مثل تِلْكَ المجازفة، ولسنا فِي حَاجَة هُنَا إِلَى شرح ذَلِك، فنكتفي بِالْإِشَارَةِ، فكبار أَصْحَاب عَلّي. وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا بهَا، لَو دونت تراجمهم فِي كتاب خَاص لأتى كتابا ضخماً، والمجال وَاسع جدا لمن يُرِيد أَن يؤلف فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَقد قَالَ مَسْرُوق بن الأجدع التَّابِعِيّ الْكَبِير: "وجدت علم أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْتَهِي إِلَى سِتَّة: إِلَى عَلّي. وَعبد الله. وَعمر. وَزيد بن ثَابت. وَأبي الدَّرْدَاء. وأبيّ بن كَعْب، ثمَّ وجدت علم هَؤُلَاءِ السِّتَّة انْتَهَى إِلَى عليّ، وَعبد الله" ، وَقَالَ ابْن جرير: "لم يكن أحد لَهُ أَصْحَاب معرفون، حرروا فتياه ومذاهبه فِي الْفِقْه، غير ابْن مَسْعُود، وَكَانَ يتْرك مذْهبه، وَقَوله، لقَوْل عمر. وَكَانَ لَا يكَاد يُخَالِفهُ فِي شَيْء من مذاهبه، وَيرجع من قَوْله، إِلَى قَوْله" وَكَانَ بَين فُقَهَاء الصَّحَابَة من يُوصي أَصْحَابه بالإلتحاق إِلَى ابْن مَسْعُود، إِقْرَارا مِنْهُم بواسع علمه، كَمَا فعل معَاذ بن جبل، حَيْثُ أَوْصَى صَاحبه عَمْرو بن مَيْمُون الأودي باللحاق بِابْن مَسْعُود، بِالْكُوفَةِ
-
وَلَا مطمع هُنَا فِي استقصاء ذكر أَسمَاء أَصْحَاب عَلّي. وَابْن مَسْعُود بِالْكُوفَةِ، وَلَكِن لَا بَأْس فِي ذكر بَعضهم هُنَا، فَنَقُول:
١ - مِنْهُم - عُبَيْدَة بن قيس السَّلمَانِي، الْمُتَوفَّى سنة ٧٢ هـ، كَانَ شُرَيْح إِذا اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر فِي قَضِيَّة يُرْسل إِلَى السَّلمَانِي هَذَا يستشيره، كَمَا فِي "الْمُحدث المفاصل" - للرامهرمزي، وَشُرَيْح ذَلِك، الْمَعْرُوف بِكَمَال الْيَقَظَة فِي الْفِقْه، وَأَحْكَام الْقَضَاء.
-
٢ - وَمِنْهُم - عَمْرو بن مَيْمُون الأودي، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤ هـ، من قدماء أَصْحَاب معَاذ بن جبل كَمَا سبق، معمر مخضرم، أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وَحج مائَة عمْرَة وَحجَّة.
-
٣ - وَمِنْهُم - زر بن حُبَيْش، الْمُتَوفَّى سنة ٨٢ هـ، معمر مخضرم، كَانَ يؤم النَّاس فِي التَّرَاوِيح، وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة، وَهُوَ رِوَايَة قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَمِنْه أَخذهَا عَاصِم، وَقد رَوَاهَا عَنهُ أَبُو بكر بن عَيَّاش، وفيهَا الْفَاتِحَة. والمعوذتان. وَأما مَا يرْوَى عَن ابْن مَسْعُود من الشواذ، فَلَيْسَ بقرَاءَته، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظ رويت عَنهُ فِي صدد التَّفْسِير. فدوَّنها من دَوَّنها فِي عداد الْقِرَاءَة، كَمَا يظْهر من "فَضَائِل الْقُرْآن" - لأبي عبيد، وَكَانَ زر من أعرب النَّاس، وَكَانَ ابْن مَسْعُود يسْأَله عَن الْعَرَبيَّة.
-
٤ - وَمِنْهُم - أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب السّلمِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤ هـ، عرض الْقُرْآن عَلَى عليّ كرم الله وَجهه، وَهُوَ عمدته فِي الْقِرَاءَة، وَقد فرَّغ نَفسه لتعليم الْقُرْآن لأهل الْكُوفَة بمسجدها، أَرْبَعِينَ سنة. كَمَا أخرجه أَبُو نعيم بِسَنَدِهِ، وَمِنْه تلقى السبطان الشهيدان، الْقِرَاءَة بِأَمْر أَبِيهِمَا، وَعَاصِم تلقى قِرَاءَة عليٍّ عَنهُ، وَهِي الْقِرَاءَة الَّتِي يَرْوِيهَا حَفْص عَن عَاصِم، وَقِرَاءَة عَاصِم بالطريقين فِي أقْصَى دَرَجَات التَّوَاتُر فِي جَمِيع الطَّبَقَات، وَعرض السّلمِيّ أَيْضا عَلَى عُثْمَان. وَزيد بن ثَابت.
-
٥ - وَمِنْهُم - سُوَيْد بن غَفلَة الْمذْحِجِي، ولد عَام الْفِيل، فصحب أَبَا بكر، وَمن بعده، إِلَى أَن توفّي بِالْكُوفَةِ سنة ٨٢ هـ.
-
٦ - وَمِنْهُم - عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٦٢ هـ، وَعنهُ يَقُول ابْن مَسْعُود: "لَا أعلم شَيْئا إِلَّا وعلقمة يُعلمهُ" . وَفِي "الْفَاصِل" : حَدثنَا الْحسن بن سهل الْعَدوي، من أهل رامهرمز، حَدثنَا عَلّي بن الْأَزْهَر الرَّازِيّ، حَدثنَا جرير عَن قَابُوس، قَالَ: قلت لأبي، كَيفَ تَأتي عَلْقَمَة، وَتَدَع أَصْحَاب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ ! فَقَالَ: يَا بني، لِأَن أَصْحَاب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يستفتونه، وَله رحْلَة إِلَى أبي الدَّرْدَاء بِالشَّام، والى عمر. وَزيد. وَعَائِشَة بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ مِمَّن جمع عُلُوم الْأَمْصَار.
-
٧ - وَمِنْهُم - مَسْرُوق بن الأجدع، عبد الرَّحْمَن الْهَمدَانِي الْمُتَوفَّى سنة ٦٣ هـ، معمر مخضرم، أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وَله رحلات وَاسِعَة فِي الْعلم.
-
٨ - وَمِنْهُم - الْأسود بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤، مُعَمر مخضرم، حج ثَمَانِينَ، مَا بَين حجَّة وَعمرَة وَهُوَ ابْن أخي عَلْقَمَة، وَكَانَ خَال إِمَام أهل الْعرَاق، إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ.
-
٩ - وَمِنْهُم - شُرَيْح بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ، مُعَمر مخضرم، وَلَي قَضَاء الْكُوفَة فِي عهد عمر، وَاسْتمرّ عَلَى الْقَضَاء، اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة، إِلَى أَيَّام الْحجَّاج، إِلَى أَن توفّي سنة ٨٠ هـ. وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ عليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه: "قُم يَا شُرَيْح! فَأَنت أقضى الْعَرَب" (١) فناهيك بقاض يكون مَرْضيَّ الْقَضَاء فِي عهد الرَّاشِدين، وَفِي الدولة الأموية طول هَذِه الْمدَّة، وَقد غَذَّى بأقضيته الدقيقة، فقه أهل الْكُوفَة، ودربهم عَلَى الْفِقْه العلمي.
-
١٠ - وَمِنْهُم - عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، أدْرك مائَة وَعشْرين من الصَّحَابَة، وَوَلِيَ الْقَضَاء، غرق مَعَ ابْن الْأَشْعَث شَهِيدا، سنة ٨٣ هـ.
- صفحته في الشاملة
وَمِنْهُم
١١ - عَمْرو بن شُرَحْبِيل الْهَمدَانِي.
-
١٢ - وَمرَّة بن شراحبيل.
-
١٣ - وَزيد بن صوحان.
-
١٤ - والْحَارث بن قيس الْجعْفِيّ.
-
١٥ - وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود النَّخعِيّ.
-
١٦ - وَعبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود.
-
١٧ - وخثيمة بن عبد الرَّحْمَن.
-
١٨ - وَسَلَمَة بن صُهَيْب.
-
١٩ - وَمَالك بن عَامر.
-
٢٠ - وَعبد الله بن سَخْبَرَة.
-
٢١ - وخلاس بن عَمْرو.
-
٢٢ - وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
-
٢٣ - وَعبيد بن نَضْلَة.
-
٢٤ - وَالربيع بن خَيْثَم.
-
٢٥ - وَعتبَة بن فرقد.
-
٢٦ - وصلَة بن زفر.
-
٢٧ - وَهَمَّام بن الْحَارِث.
-
٢٨ - والْحَارث بن سُوَيْد.
-
٢٩ - وزاذان أَبُو عَمْرو الْكِنْدِيّ.
-
٣٠ - وَزيد بن وهب.
-
٣١ - وَزِيَاد بن جرير.
-
٣٢ - وكرودس بن هَانِئ.
-
٣٣ - وَيزِيد بن مُعَاوِيَة النَّخعِيّ، وَغَيرهم من أصحابهما، وَأكْثر هَؤُلَاءِ لقوا عمر. وَعَائِشَة أَيْضا، وَأخذُوا عَنْهُمَا، وَهَؤُلَاء كَانُوا يفتون بِالْكُوفَةِ، بِمحضر الصَّحَابَة، فَلَو تلِيَ حَدِيث هَؤُلَاءِ، أَو فقههم عَلَى مَجْنُون لأفاق، فَلَا يَسْتَطِيع من يدْرِي مَا يَقُول، أَن يُوَجه أَي مُؤَاخذَة نَحْو حَدِيث هَؤُلَاءِ، وفقههم، وتليهم طبقَة لم يدركوا عليا، وَلَا ابْن مَسْعُود، وَلَكنهُمْ تفقهوا عَلَى أصحابهما، وجمعوا عُلُوم عُلَمَاء الْأَمْصَار إِلَى علومهم، وَمَا ذكره ابْن حزم، مِنْهُم نبذة يسيرَة فَقَط، وَعدد هَؤُلَاءِ فِي غَايَة الْكَثْرَة، وَأمرهمْ فِي نِهَايَة الشُّهْرَة، ولسنا بسبيل سرد أسمائهم إِلَّا أَنا نلفت الأنظار إِلَى عدد الَّذين خَرجُوا مَعَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، عَلَى الْحجَّاج الثَّقَفِيّ، فِي دير الجماجم، سنة ٨٣ هـ، من الْفُقَهَاء الْقُرَّاء خَاصَّة من أهل الطبقتين، وَبينهمْ أَمْثَال (آ) - أبي البخْترِي سعيد بن فَيْرُوز. (ب) - وَعبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى. (ج) - وَالشعْبِيّ. (د) - وَسَعِيد بن حبير، قَالَ الْجَصَّاص فِي "أَحْكَام الْقُرْآن" ص ٧١ - ١: وَخرج عَلَيْهِ من الْقُرَّاء أَرْبَعَة آلَاف رجل، هم خِيَار التَّابِعين، وفقهاؤهم، فقاتلوه مَعَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، اهـ.
-
فَإِذا نظرت إِلَى عُلَمَاء سَائِر الْأَمْصَار (١) يعدُّ من أحْسنهم حَالا من يُهَاجر أَبَاهُ، وَمن يقبل جوائز الْحُكَّام، ويساير أهل الحكم، وقَلَّ بَينهم من يخْطر لَهُ عَلَى بَال مقاومة الظُّلم، وبذل كل مرتخص وغال فِي هَذَا السَّبِيل، فبذلك أَصبَحت أَحْوَال الْكُوفَة فِي أَمر الدِّين. والخُلُق. وَالْفِقْه. وَعلم الْكتاب. وَالسّنة. واللغة الْعَرَبيَّة ماثلة أَمَام الباحث الْمنصف، فَيحكم بِمَا تمليه النَّصَفة، فِي الموازنة بَين عُلَمَاء الْأَمْصَار. وَهَذَا مِمَّا يَجْعَل للكوفة مركزاً لَا يسامى عَلَى توالي الْقُرُون، وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَت الْكُوفَة معقل أهل الدَّين، يفر اليها المضطهدون، طول أَيَّام الْجور، فِي عهد الأموية.
-
وَسَعِيد بن جُبَير وَحده، جمع علم ابْن عَبَّاس إِلَى علمه حَتَّى أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يَقُول، حينما رَأَى أهل الْكُوفَة يأتونه ليستفتوه: أَلَيْسَ فِيكُم ابْن أم الدهماء؟ يَعْنِي "ابْن جُبَير" ، يذكرهم مَا خصّه الله من الْعلم الْوَاسِع، بِحَيْثُ يُغني علمه أهل الْكُوفَة، عَن علم ابْن عَبَّاس.
-
وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ من أهل هَذِه الطَّبَقَة، قد جمع أشتات عُلُوم هَاتين الطبقتين، بعد أَن تفقه عَلَى عَلْقَمَة، قَالَ أَبُو نعيم: أدْرك إِبْرَاهِيم أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ، وَعَائِشَة، وَمن بعدهمَا، من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، اهـ.
-
وعامر بن شرَاحِيل الشعبي، الَّذِي يَقُول عَنهُ ابْن عمر، لما رَآهُ يحدث بالمغازي: "لَهو أحفظ لَهَا مني، وَإِن كنت قد شهدتها مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم" ، يفضل أَبَا عمرَان إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ هَذَا، عَلَى عُلَمَاء الْأَمْصَار كلهَا، حَيْثُ يَقُول لرجل حضر جنَازَته، عِنْدَمَا توفّي سنة ٩٥ هـ: "دفنتم أفقه النَّاس" ، فَقَالَ الرجل: ومِنَ الْحسن؟ قَالَ: أفقه من الْحسن، وَمن أهل الْبَصْرَة، وَمن أهل الْكُوفَة، وَأهل الشَّام، وَأهل الْحجاز، كَمَا أخرجه أَبُو نعيم بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ. وَأهل النَّقْد يعدون مَرَاسِيل النَّخعِيّ صحاحاً، بل يفضلون مراسيله عَلَى مسانيد نَفسه، كَمَا نَص عَلَى ذَلِك ابْن عبد الْبر فِي "التَّمْهِيد" ، وَيَقُول الْأَعْمَش ": مَا عرضت عَلَى إِبْرَاهِيم حَدِيثا قطّ إِلَّا وجدت عِنْده مِنْهُ شَيْئا، وَقَالَ الْأَعْمَش أَيْضا: كَانَ إِبْرَاهِيم صيرفي الحَدِيث، فَكنت إِذا سَمِعت الحَدِيث من بعض أَصْحَابنَا عرضته عَلَيْهِ، وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد: كَانَ الشّعبِيّ، وَأَبُو الضُّحَى، وَإِبْرَاهِيم، وأصحابنا يَجْتَمعُونَ فِي الْمَسْجِد، فيتذاكرون الحَدِيث، فَإِذا جَاءَتْهُم فتْيا، لَيْسَ عِنْدهم مِنْهَا شَيْء، رموا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. وَقَالَ الشّعبِيّ، عَن إِبْرَاهِيم: أَنه نَشأ فِي أهل بَيت فقه، فَأخذ فقههم، ثمَّ جالسنا، فَأخذ صفو حديثنا، إِلَى فقه أهل بَيته، فَإِذا نعيته أنعى الْعلم، مَا خلف بعده مثله، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: تستفتوني، وَفِيكُمْ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ؟!، وَمِمَّا أخرجه أَبُو نعيم فِي " الْحِلْية ": حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن حَيَّان حَدثنَا أَبُو أسيد ثَنَا أَبُو مَسْعُود ثَنَا ابْن الْأَصْبَهَانِيّ ثَنَا عثام عَن الْأَعْمَش، قَالَ: مَا رَأَيْت إِبْرَاهِيم يَقُول بِرَأْيهِ فِي شَيْء قطّ. اهـ. وَمثله فِي " ذمّ الْكَلَام " - لِابْنِ مت، فعلَى هَذَا يكون كل مَا يرْوَى عَنهُ من الْأَقْوَال فِي أَبْوَاب الْفِقْه، فِي " آثَار " أبي يُوسُف. و" آثَار " مُحَمَّد بن الْحسن، و" المُصَنّف " لِابْنِ أبي شيبَة، وَغَيرهَا أثرا من الْآثَار.
-
وَالْحق أَنه كَانَ يروي وَيرَى، فَإِذا رَوَى فَهُوَ الْحجَّة، واذا رَأَى واجتهد، فَهُوَ الْبَحْر الَّذِي لَا تعكره الدّلاء، لتوفر أَسبَاب الِاجْتِهَاد عِنْده بأكملها، بل هُوَ الْقَائِل: "لَا يَسْتَقِيم رَأْي إِلَّا بِرِوَايَة، وَلَا رِوَايَة إِلَّا بِرَأْي" كَمَا أخرجه أَبُو نعيم بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ، وَهِي الطَّرِيقَة المثلى فِي الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ والرأي.
صفحته في الشاملةوَقَالَ الْخَطِيب فِي " الْفَقِيه والمتفقه" : أخبرنَا أَبُو بشر مُحَمَّد بن عمر الْوَكِيل أخبرنَا عمر بن أَحْمد بن الْوَاعِظ ثَنَا مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة ثَنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش حَدثنِي الْحسن بن عبيد الله النَّخعِيّ، قَالَ: قلت لإِبراهيم: أكل مَا أسمعك تُفْتِي بِهِ سمعته؟ فَقَالَ لي: لَا، قلت: تُفْتِي بِمَا بِمَا لم تسمع؟!، فَقَالَ: سَمِعت الَّذِي سَمِعت، وَجَاءَنِي مَا لم أسمع، فقسته بِالَّذِي سَمِعت، اهـ. وَهَذَا هُوَ الْفِقْه حَقًا، وبمثل هَذَا الإِمَام الْجَلِيل تفقه حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، شيخ أبي حنيفَة، وَكَانَ حَمَّاد شَدِيد الْمُلَازمَة لإِبراهيم، قَالَ أَبُو الشَّيْخ فِي "تَارِيخ أَصْبَهَان" : حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن الْحسن بن هَارُون بن سُلَيْمَان بن يَحْيَى بن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: وَجه إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ حماداً، يَوْمًا يَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا بدرهم، فِي زنبيل، فَلَقِيَهُ أَبوهُ رَاكِبًا دَابَّة، وبيد حَمَّاد الزنبيل، فزجره، وَرَمَى بِهِ من يَده، فَلَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيم جَاءَ أَصْحَاب الحَدِيث، والخراسانية يدقون عَلَى بَاب مُسلم بن يزِيد - وَالِد حَمَّاد -، فَخرج إِلَيْهِم فِي اللَّيْل بالشمع، فَقَالُوا: لسنا نريدك، نُرِيد ابْنك حماداً، فَدخل إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بني! قُم إِلَى هَؤُلَاءِ، فقد علمت أَن الزنبيل أَدَّى بك إِلَى هَؤُلَاءِ، اهـ.
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ، قبيل هَذَا: حَدثنَا أَحْمد بن الْحسن، قَالَ: سَمِعت ابْن خَالِي عبيد بن مُوسَى، يَقُول سَمِعت جدتي، تَقول عَن جدَّتهَا الْكُبْرَى عَاتِكَة، أُخْت حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: قَالَت: كَانَ النُّعْمَان ببابنا يندف قطننا، ويشري لبننا وبقلنا، وَمَا أشبه ذَلِك، فَكَانَ إِذا جَاءَ الرجل يسْأَله عَن الْمَسْأَلَة، قَالَ: مَا مسألتك؟ قَالَ: كَذَا. وَكَذَا، قَالَ: الْجَواب فِيهَا، كَذَا، ثمَّ يَقُول: عَلَى رِسلك، فَيدْخل إِلَى حَمَّاد، فَيَقُول لَهُ: جَاءَ رجل، فَسَأَلَ عَن كَذَا، فأجبته بِكَذَا، فَمَا تَقول أَنْت؟ فَقَالَ: حدثونا بِكَذَا، وَقَالَ أَصْحَابنَا، كَذَا، وَقَالَ: إِبْرَاهِيم كَذَا، فَيَقُول: فأروي عَنْك؟ فَيَقُول: نعم، فَيخرج فَيَقُول: قَالَ حَمَّاد، كَذَا، اهـ. هَكَذَا كَانَت مُلَازمَة بَعضهم لبَعض، وخدمة بَعضهم لبَعض، أَوَان الطّلب، وَبِهَذَا نالوا بركَة الْعلم. وَقد أخرج ابْن عدي فِي "الْكَامِل" بطرِيق يَحْيَى بن معِين عَن جرير عَن مُغيرَة، قَالَ: قَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: "لقِيت قَتَادَة، وطاوساً، ومجاهداً، فصبيانكم أعلم مِنْهُم، بل صبيان صِبْيَانكُمْ أعلم مِنْهُم" إِنَّمَا قَالَه هَذَا تحديثاً بِالنعْمَةِ، وردا عَلَى بعض شُيُوخ الرِّوَايَة، مِمَّن لم يُؤْت نَصِيبا من الْفِقْه، حَيْثُ كَانَ يُفْتِي فِي مَسْجِد الْكُوفَة، غَلطا، وَيَقُول: لَعَلَّ هُنَاكَ صبياناً يخالفوننا، فِي هَذِه الْفَتَاوَى، وماذا يُفِيد تقدم السن فِي الرِّوَايَة لمن حرم الدِّرَايَة، وَيُرِيد بالصبيان التلاميذ، وَقد أخرج ابْن عدي فِي "الْكَامِل" بطرِيق يَحْيَى بن معِين عَن ابْن إِدْرِيس عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الْملك بن إِيَاس الشَّيْبَانِيّ، أَنه قَالَ: قلت لإِبراهيم: من نسْأَل بعْدك؟ قَالَ: حماداً، اهـ، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان هَذَا، توفّي سنة ١٢٠.
وَقَالَ العقييلي: حَدثنَا أَحْمد بن مَحْمُود الْهَرَوِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُغيرَة الْبَلْخِي، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: لما مَاتَ إِبْرَاهِيم اجْتمع خَمْسَة من أهل الْكُوفَة، فيهم عمر بن قيس الماصر، وَأَبُو حنيفَة، فَجمعُوا أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وجاؤوا إِلَى الحكم بن عتيبة، فَقَالُوا: إِنَّا قد جَمعنَا أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، نَأْتِيك بهَا، وَتَكون رئيسنا. فَأَبَى عَلَيْهِم الحكَم، فَأتوا حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، فَقَالُوا، فأجابهم، اهـ، وَبِهَذَا الْقدر نكتفي من أنباء هَذِه الطَّبَقَة، لِكَثْرَة رجالها، وتشعب أنبائها، مُقْتَصرا عَلَى سَوْق خبريْن، مِمَّا يدل عَلَى اتساع الْكُوفَة فِي الرِّوَايَة والدراية، فِي تِلْكَ الطَّبَقَة.
صفحته في الشاملةقَالَ أَبُو مُحَمَّد الرامَهُرْمُزِي فِي "الْفَاصِل" : حَدثنَا الْحُسَيْن بن نَبهَان ثَنَا سُهَيْل بن عُثْمَان ثَنَا حَفْص بن غياث عَن أَشْعَث عَن أنس بن سِيرِين، قَالَ: أتيت الْكُوفَة فَرَأَيْت فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف يطْلبُونَ الحَدِيث، وَأَرْبَعمِائَة قد فقهوا، اهـ. وَفِي أَي مصر من أَمْصَار الْمُسلمين، غير الْكُوفَة، تَجِد مثل هَذَا الْعدَد الْعَظِيم للمحدثين، وَالْفُقَهَاء. وَفِي هَذَا مَا يدل عَلَى أَن الْفَقِيه مهمته شاقة جدا، فَلَا يكثر عدده كَثْرَة عدد النقلَة. وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي أَيْضا: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن معدان حَدثنَا مَذْكُور بن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ، قَالَ: سَمِعت عَفَّان يَقُول - وَسمع قوما يَقُولُونَ: نسخنا كتب فلَان، ونسخنا كتب فلَان -، فَسَمعته يَقُول: نرَى هَذَا الضَّرْب من النَّاس لَا يفلحون، كُنَّا نأتي هَذَا فنسمع مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد هَذَا، ونسمع من هَذَا مَا لَيْسَ عِنْد هَذَا، فقدمنا الْكُوفَة فَأَقَمْنَا أَرْبَعَة أشهر وَلَو أردنَا أَن نكتب مائَة ألف حَدِيثا لكتبناها، فَمَا كتبنَا إِلَّا قدر خمسين ألف حَدِيث، وَمَا رَضِينَا من أحد إِلَّا مالأمة (١) ، إِلَّا شَرِيكا، فَإِنَّهُ أَبَى علينا، وَمَا رَأينَا بِالْكُوفَةِ لحاناً مجوزاً، اهـ.
-
أنظر، مصرا يكْتب بهَا - مثل - عَفَّان - فِي أَرْبَعَة أشهر. خمسين ألف حَدِيث! مَعَ هَذَا التروي (٢) ، ومسند أَحْمد أقل من ذَلِك بِكَثِير، أيعد مثل هَذَا الْبَلَد قَلِيل الحَدِيث؟! عَلَى أَن أَحَادِيث الْحَرَمَيْنِ مُشْتَركَة بَين عُلَمَاء الْأَمْصَار فِي تِلْكَ الطَّبَقَات، لِكَثْرَة حجهم، وَكم بَينهم من حج أَرْبَعِينَ حجَّة وَعمرَة، وَأكْثر، وَأَبُو حنيفَة وَحده، حج خمْسا وَخمسين حجَّة، وَأَنت ترَى البُخَارِيّ يَقُول: وَلَا أحصي مَا دخلت الْكُوفَة فِي طلب الحَدِيث، حينما يذكر عدد مَا دخل بَاقِي الْأَمْصَار، وَلِهَذَا أيضاُ دلَالَته فِي هَذَا الصدد.