(ذكر عهد أبي بكر «إلى عمر» واستخلافه إياه ووصيته إياه)
٢٠ فقرة، ج ١ ص ٦٦٥
- ج ١ ص ٦٦٥
عن إبراهيم النخعي، قال: أول من ولّى أبو بكر شيئا من أمور المسلمين عمر بن الخطاب ولاه القضاء. وكان أول قاض في الإسلام (٣) .
-
عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه. جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظني إلا ميت لما بي. وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم. فأمّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياة منّي كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي. فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك. قال: فلعلكم تختلفون. قالوا: لا. قال: فعليكم عهد الله على الرّضى، قالوا: نعم. قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده. فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: أشر عليّ برجل،
ج ١ ص ٦٦٦ووالله إنك عندي لها لأهل وموضع. فقال: عمر. فقال: اكتب. فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه. ثم أفاق. فقال: اكتب عمر (١) .
-
عن الشعبي. قال: بينا طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد جلوسا عند أبي بكر في مرضه عوّادا. فقال أبو بكر: ابعثوا إلى عمر. فأتاه فدخل عليه، فلما دخل أحسّت أنفسهم أنّه خيرته.
-
فتفرقوا عنه وخرجوا وتركوهما. فجلسوا في المسجد وأرسلوا إني علي ونفر معه، فوجدوا عليّا في حائط فتوافوا إليه واجتمعوا. وقالوا:
يا عليّ يا فلان ويا فلان؛ إن خليفة رسول الله مستخلف عمر. وقد علم وعلم الناس أن إسلامنا كان قبل إسلام عمر، وفي عمر من التسلط على الناس ما فيه ولا سلطان له. فادخلوا بنا عليه نسأله فإن استعمل عمر، كلّمناه فيه فأخبرناه عنه. ففعلوا. فقال أبو بكر:
اجمعوا لي الناس أخبركم من اخترت لكم، فخرجوا فجمعوا الناس إلى المسجد. فأمر من يحمله إليهم حتى وضعه على المنبر، فقام فيهم باختيار عمر لهم. ثم دخل. فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فقالوا له:
ماذا تقول لربّك وقد استخلفت علينا عمر. فقال: أقول استخلفت عليهم خير أهلك (٢) .
-
عن عاصم بن عدي، قال: جمع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر من يحمله إلى المنبر. فكانت آخر خطبة خطبها؛ فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس احذروا الدنيا ولا تثقوا بها، فإنها غدّارة. وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبّوها فبحب كل واحدة منهما
ج ١ ص ٦٦٧تبغض الأخرى. وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله. ولا يتحمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعملكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحي من التّعلّم، ولا يتحيّر عند البديهة. قويّ على الأمور، لا يخور لشيء منها ضدّه بعدوان ولا تقصير. يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والظلم (١) ، وهو عمر بن الخطاب - ثم نزل فدخل.
-
فحمل السّاخط أمارته الراضي بها على الدخول معهم توصلا (٢) .
-
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عثمان يكتب وصية أبي بكر فأغمي على أبي بكر فجعل عثمان يكتب فكتب عمر، فلما أفاق قال: ما كتبت؟ قال: كتبت عمر. قال كتبت الذي أردت أن آمرك به ولو كتبت نفسك لكنت لها أهلا (٣) .
-
عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كتب عثمان عهد الخليفة بعد أبي بكر، وأمره أن لا يسمي أحدا. وترك اسم الرجل - فأغمي على أبي بكر إغماءة. فأخذ عثمان العهد فكتب فيه اسم عمر. قال:
فأفاق أبو بكر فقال: أرني العهد، فإذا فيه اسم عمر. قال: من كتب هذا؟ فقال عثمان: أنا. فقال: رحمك الله وجزاك خيرا، فو الله لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلا (٤) .
-
عن الواقدي، عن أشياخه: أن أبا بكر لما استعز به دعا
ج ١ ص ٦٦٨عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال:
ما سألتني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني. فقال أبو بكر: وإن.
فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه. ثم دعا عثمان ابن عفان. فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب. فقال: أنت أخبرنا به. فقال: على ذلك يا أبا عبد الله. فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر:
يرحمك الله والله لو تركته ما عدتك. وشاور بعده سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار.
-
وسمع بعض أصحاب النبي ﷺ فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفوني؟! خاب من تزوّد من أمركم بظلم. أقول اللهم استخلفت عليهم خير أهلك. أبلغ عني ما قلت من وراءك. ثم اضطجع - ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب.
-
«بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أوّل عهده بالآخرة داخلا فيها. حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب؛ إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب. فاسمعوا له وأطيعوا.
-
وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم إلا خيرا؛ فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه. وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب.
-
والخير أردت، ولا أعلم الغيب، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (١) . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
- ج ١ ص ٦٦٩
ثم أمر بالكتاب فختمه، وخرج به مختوما. فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم. فبايعوا. ثم دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه، ثم خرج. فرفع أبو بكر يديه وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فولّيت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر؛ فاخلفني فيهم فهم عبادك (١) .
-
عن قيس بن أبي حازم. قال: خرج علينا عمر ومعه شديد مولى أبي بكر، ومعه جريدة يجلس بها الناس، فقال: يا أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول الله ﷺ . قال: إني قد رضيت لكم عمر فبايعوه (٢) .
-
عن قيس قال: رأيت عمر وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس يقول: اسمعوا لقول خليفة رسول الله ﷺ ، فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس.
فقال: يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة فو الله ما ألوتكم.
قال قيس: فرأيت عمر بعد ذلك على المنبر (٣) .
-
عن أبي عبيدة قال قال عبد الله: أفرس الناس ثلاثة أبو بكر
ج ١ ص ٦٧٠في عمر، وصاحبة موسى حين قالت استأجره، وصاحبة يوسف (١) .
-
عن موسى الجهني قال سمعت أبا بكر بن حفص يقول:
قال أبو بكر لعائشة حين احتضر: يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لهم دينارا ولا درهما، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير. إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة. فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر.
-
فجاءه الرسول وعنده عبد الرحمن بن عوف فبكى عمر حتى سالت دموعه على الأرض وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، ارفعهن يا غلام، فقال عبد الرحمن: سبحان الله يا أمير المؤمنين تسلب عيال أبي بكر عبدا حبشيا، وبعيرا ناضحا، وجرد قطيفة ثمنها خمسة دراهم فقال: ما تأمر؟ قال: آمر بردهن على عياله.
قال: خرج أبو بكر عنهن عند الموت وأردهن «أنا» إلى عياله.
-
لا يكون ذلك والله أبدا الموت أسرع من ذلك (٢) .