(سيرة عمر رضي الله عنه في عماله)

٢٠ فقرة، ج ١ ص ٨٠٥

  1. * حدثنا عفّان قال، حدثنا حمّاد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن: أن عمر رضي الله عنه قال: هان عليّ (٢) شيء أصلح به قوما: أن أبدلهم أميرا مكان أمير.

    ج ١ ص ٨٠٥
  2. * حدثنا موسى بن هارون الرّقي قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عيسى بن راشد بن أبي رزين الثّمالي قال، حدثنا يزيد بن رفاعة قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من رابه من أمير ظلامة فلا يعجزه طيبه ولا عبيطه ولا نابه (١) .

    ج ١ ص ٨٠٦
  3. * حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا المبارك بن سعيد، عن نوح بن جابر، عن خاله رياش قال: كان عمر رضي الله عنه يبعث إلى عماله عند رأس كل سنة فيقدمون عليه فيسألهم عن الناس وعمّا وراءهم، فمن أراد أن يردّه ردّه، ومن أراد أن يعزله حبسه عنده.

  4. * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إسحاق ابن يوسف، عن عبد الله بن أبي سليمان، عن عطاء، قال:

    كان عمر رضي الله عنه يكتب إلى عمّاله أن يوافوه بالموسم فوافوه، فقام فقال: أيها الناس، إني استعملت عليكم عمالي هؤلاء، ولم أستعملهم ليصيبوا (٢) من أبشاركم (٣) ، ولا من أموالكم ولا من أعراضكم، ولكن استعملتهم ليحجزوا بينكم أو يردّوا عليكم فيئكم فمن كانت له مظلمة عند أحد منهم فليقم، فما قام من الناس أحد

    ج ١ ص ٨٠٧يومئذ إلا «فلان» قام فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانا (ضربني) (١) مائة سوط فقال: يضرب مائة!! فاستقد منه. فقام عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، إنك متى تفتح هذا على عمّالك تكثر عليهم، وتكون سنّة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أقيد منه، وقد رأيت النبي ﷺ يقيد من نفسه. فقال: دعنا إذن نرضيه. قال: أرضوه. قال فافتديت منه بمائتي دينار، فكان كل سوط بدينارين (٢) .

  5. * حدثنا يزيد بن هارون قال، أنبأنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لم أبعث عمّالي عليكم ليصيبوا من أشعاركم، ولا أبشاركم ولا أموالكم إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، ويقسموا فيئكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فو الله لأقصّنّه منه، فقال عمرو ابن العاص: يا أمير المؤمنين إن كان رجل على رعية يؤدب بعض رعيته إنك لتقصه منه؟ فقال: أنا لا أقصه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ أقصّ من نفسه. ثم قال ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمّروهم في البعوث فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم (٣) .

  6. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا أبو المليح الرّقي قال،

    ج ١ ص ٨٠٨حدثنا عبد الملك بن أبي القاسم قال، قال عمرو بن العاص رضي الله عنه لرجل من تجيب: يا منافق، فقال التجيبي ما نافقت منذ أسلمت، ولا أغسل لي رأسا ولا أدهنه حتى آتي عمر رضي الله عنه ، فأتى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إن عمرا نفّقني ولا والله ما نافقت منذ أسلمت. فكتب عمر رضي الله عنه إلى عمرو رضي الله عنه ، وكان إذا غضب عليه يكتب: إلى العاص بن العاص، أما بعد فإنّ فلانا التجيبي ذكر أنك نفّقته، وقد أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين أو قال سبعين. فقام فقال: أنشد الله رجلا سمع عمرا نفّقني إلا قام فشهد. فقام عامة أهل المسجد، فقال له حشمه، أتريد أن تضرب الأمير؟ قال، وعرض عليه الأرش فقال: لو ملئت لي هذه الكنيسة ما قبلت، فقال له حشمه: أتريد أن تضربه؟ فقال التجيبي: ما أرى لعمر رضي الله عنه هاهنا طاعة، فلما ولّى قال عمرو رضي الله عنه : ردّوه، فأمكنه من السوط وجلس بين يديه، قال:

    أتقدر أن تمتنع مني بسلطانك؟ قال: لا، فامض لما أمرت به قال:

    فإني أدعك لله (١) .

  7. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال:

    * حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله (البجلي (٢) رضي الله عنه : أن رجلا كان مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وكان ذا سوط (٣) ونكاية في العدوّ، فغنموا مغنما

    ج ١ ص ٨٠٩فأعطاه أبو موسى رضي الله عنه بعض سهمه فأبى أن يقبله إلا جميعا، فضربه أبو موسى رضي الله عنه عشرين سوطا، وحلق رأسه، فجمع شعره ورحل إلى عمر رضي الله عنه حتى قدم عليه - قال جرير رضي الله عنه وأنا أقرب الناس منه - فأدخل يده في خبيئة فأخرج شعره فضرب به صدر عمر رضي الله عنه وقال: أما والله لولا … فقال عمر رضي الله عنه : صدق والله لولا النار. فقال: يا أمير المؤمنين كنت رجلا ذا سوط ونكاية (في العدو (١) وأخبره بأمره (وقال (٢) فضربني أبو موسى عشرين سوطا وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يقتص منه، فقال عمر رضي الله عنه : لأن يكون الناس كلهم على مثل صرامة هذا أحبّ إليّ من جميع ما أفاء (الله (٣) علينا. فكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه : سلام عليك أما بعد فإن فلانا أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك به في ملأ من الناس (فعزمت عليك لما قعدت له في ملأ من الناس حتى يقتص منك (٤) وإن كنت فعلت ذلك به في خلاء لما قعدت له في خلاء حتى يقتص منك، فقال له الناس: اعف عنه، فقال: لا أعفو عنه لأحد من الناس، فلما صعد أبو موسى رضي الله عنه ليقتص منه رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم قد عفوت عنه لك.

  8. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا سليمان بن المغيرة قال، سمعت حميد بن هلال قال، حدثنا عبد الله بن يزيد الباهلي قال:

    ج ١ ص ٨١٠دخل عليّ ضبّة بن محصن فتحدّث عندي من الليل حتى خشيت عليه الحراس، فكان فيما حدثني قال: شاكيت أبا موسى كبعض ما يشاكي الرجل أميره فانطلقت (إلى عمر (١) لآتي عليه، وذلك عند حضور وفادة أبي موسى إلى عمر، والبرد إذ ذاك على الإبل قال، فكتب (أبو موسى (٢) سلام عليك. أما بعد فإني كتبت إليك وأنا خارج في كذا وكذا، وكتبت إليك وضبّة بن محصن قد خرج من عندي غاضبا بغير إذني فهو بيني وبينك. فأحببت أن تعلم ذلك يا أمير المؤمنين، قال فسبقني كتابه، فقدمت المدينة فجئت إلى باب عمر رضي الله عنه فقلت: السلام عليك أيدخل ضبّة بن محصن؟ قال:

    لا مرحبا ولا أهلا. قال فقلت: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ولا مال. قال: فأعاد (ضبة (٣) ذلك ثلاث مرار، وأعادها (عمر (٤) ثم قال: ادخل، فدخلت فقلت: يا أمير المؤمنين، الرجل يظلمه سلطانه المظلمة فإذا انتهى إلى أمير المؤمنين فلم يجد عنده غيرا فو الله إنّ الأرض لواسعة وإن العدو لكبير، قال: فكأنما كشفت عن وجهه غطاء، فقال ادن دنوّك: فدنوت فقال: إيه؟ فقلت: أبو موسى اصطفى لنفسه أربعين من أبناء الأساورة (٥) فقال:

    يا غلام اكتب، فكتب. ثم قال: إيه؟ فقلت: أبو موسى له مكيالان يكتال بمكيال ويكيل للناس بغيره. فقال: اكتب، فكتب.

    ج ١ ص ٨١١قلت: وسرّيته عقيلة لها قصعة (١) غادية رائحة يأكل منها أشراف الجند. قال: اكتب، فكتب. قال: فما لبث إلا يسيرا حتى قدم أبو موسى. فمشيت إلى جنبه أغبطه وأذكر أمير المؤمنين به حتى جاء إلى أمير المؤمنين، فقال: ما بال أربعين (٢) اصطفيتهم لنفسك من أبناء الأساورة؟ قال: يا أمير المؤمنين، اصطفيتهم وخشيت أن أن يخدع الجند عنهم ففاديتهم واجتهدت في فدائهم، وكنت أعلم بفدائهم، ثم خمّست وقسّمت. قال ضبّة: وصادق والله؛ فو الله ما كذب أمير المؤمنين ولا كذبته. قال: فما بال هذا المكيال الذي تكتال به وتكيل للناس بغيره؟ قال: مكيال أكيل به قوت أهلي وأرزاق دوابي، ما كلت به لأحد ولا اكتلت به لأحد. قال ضبة:

    وصادق والله: فما كذب أمير المؤمنين ولا كذبته. قال: فما بال قصعة عقيلة الغادية الرائحة؟ قال: فسكت فلم يعتذر منها بشيء، فقال لوفده أنشد الله رجلا أكل منها مارمّ (٣) القوم. ثم عاد، فقال وكيع بن بشر التميمي: قبّح الله تلك القصعة ما أحلّ لنا ما قد أصبنا منها (٤) ، فقال عمر رضي الله عنه : لا جرم، والذي نفس عمر بيده لا ترى عقيلة العراق ما دمت أملك شيئا، فاحتبسها عنده، قال

    ج ١ ص ٨١٢حميد: فذكرت هذا لأبي بردة (١) فقال: ما رأت عقيلة العراق حتى قبض عمر رضي الله عنه (٢) .

  9. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن فضيل بن زيد الرقاشي قال: سرت سرية على عهد عمر رضي الله عنه على أرجلهم فأعيا رجل منهم فأراد أن يقيموا عليه (فرفض أمير السرية (٣) فنادى: يا عمراه، فمضوا وتركوه، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فكتب إلى أبي موسى رضي الله عنه أن ابعث إليّ بالرجل.

  10. فبعث به إليه فأخذ قناة فجعل يضربه بها ويقول: يا لبّيكاه، ويقول: يا مهلك، يقول لك الرجل انتظرني فتذهب وتتركه فينادي يا عمراه؟ فجعل يعتذر إليه، فقال: والله لصلاح رجل من المسلمين أحب إليّ من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك وكتب إلى (أبي (٤) موسى رضي الله عنه : انظر مهلكا فلا تستعمله ما كنت لنا على عمل.

  11. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: خرج جيش في زمن عمر رضي الله عنه نحو الجبل، فانتهوا إلى نهر ليس عليه جسر، فقال أمير ذلك الجيش لرجل من أصحابه - انزل فابغنا مخاضة نجوز فيها (وذلك (٥) في

    ج ١ ص ٨١٣يوم بارد شديد البرد، فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت. فأكرهه، فقال: يا عمراه يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه وهو في سوق المدينة فقال:

    يا لبيكاه يا لبيكاه، وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه، وقال له: لولا أن تكون سنّة لأقدت منك لا تعمل لي على عمل أبدا (١) .

  12. * حدثنا القعنبيّ قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: استعمل عمر رضي الله عنه رجلا من الأنصار فنزل بعظيم أهل الحيرة عبد المسيح (عمرو ابن حيّان (٢) بن بقيلة فأمال عليه بالطعام والشراب ما دعا به فاحتبس عليه بالهزل (٣) فدعا الرجل فمسح بلحيته، فركب إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، قد خدمت كسرى وقيصر فما أتى إليّ في ملك أحد منهم ما أتي إليّ في ملكك، قال: وما ذاك؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملنا عليه بالطعام والشراب ما دعا به، فاحتبس بالهزيل فدعاني فمسح بلحيتي، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه ، فقال: هيه، أمال عليك بالطعام والشراب ما دعوت به، ثم مسحت بلحيته؟! والله لولا أن تكون سنة ما تركت في لحيتك طاقة إلا نتفتها، ولكن اذهب فوالله لا تلي لي عملا أبدا.

  13. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال:

    أخبر سماك بن حرب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال، حدثنا

    ج ١ ص ٨١٤عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أنه كان مع عمر رضي الله عنه في حجّ - أو عمرة - قال: فبينا نحن نسير إذا نحن براكب متعجل. فقال عمر رضي الله عنه إني لأظن هذا يطلبنا، فأنخ لا نشقّ عليه، فأنخنا، وذهب عمر رضي الله عنه يبول وجاء الراكب وقال لابن عمر: أأنت عمر؟ قال: لا، قال: لقد زعم أهل الماء أن عمر مرّ آنفا. قال: فبال عمر رضي الله عنه ثم جاء، فبكى الرجل فقال عمر رضي الله عنه : ما يبكيك؟ إن كنت غارما أعنّاك، وإن كنت خائفا أمناك، إلا أن تكون قتلت نفسا، وإن كنت خفت جوار قوم حولناك عن مجاورتهم. فقال الرجل: لا، ولكن شربت الخمر وأنا أحد بني تميم، فأخذني أبو موسى فجلدني وسوّد وجهي وطاف بي في الناس، وقال: لا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تجالسوه.

  14. فحدثت نفسي بإحدى ثلاث: إما أن أتخذ سيفا فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتي المشركين فآكل معهم وأشرب، وإما أن آتيك فترسلني إلى الشام فإنهم لا يعرفونني. فبكى عمر رضي الله عنه ثم قال: إني كنت من أشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنا، وما يسرّني أن رجلا لحق بالمشركين وأن لي كذا وكذا، ثم كتب إلى أبي موسى رضي الله عنه : إن فلان بن فلان التميمي أخبرني بكذا وكذا، وايم الله لئن عدت لأسودنّ وجهك وليطاف بك في الناس، فإن أردت أن تعلم أحقّ ما أقول فعد وأمر الناس فليؤاكلوه وليجالسوه، وإن تاب فاقبلوا شهادته. وكساه عمر رضي الله عنه حلّة وحمله وأعطاه مائتي درهم (١) .

  15. * حدثنا الفضل بن دكين قال، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الفسيل، عن هارون بن عبد الله الحضرمي، عن عفيّف، ابن معدي كرب قال: خرجنا أناس نشي بسعد الأشعث وغير واحد من وجوه أهل الكوفة - حتى قدمنا المدينة فنزلنا في رحبة من رحابها نطلب منزلا، إذ مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ناحية الطريق معه درّة في يده فقال بعضنا: هذا أمير المؤمنين، وقال بعضنا: ما هو به، فالقوم يختصمون إذ رأى مكاننا فأقبل إلينا، فسلم. ثم قال الأشعث وأصحابه: يا أمير المؤمنين، إنا قد جئنا نذكر لك ما قد رأينا من عاملنا سعد، فإن أحببت أن نقوم معك قمنا معك، وإن أحببت أن تجلس إلينا فعلت، قال: لا بل أجلس إليكم، هاتوا ما عندكم. قلنا: يا أمير المؤمنين، ظلمنا واعتدى علينا، ومنعنا حقوقنا فلم نجئ في غيبة، ونحن نحب أن تعزله عنا وتستعمل علينا غيره. فقام وقال: لعل ذلك أن يكون، فلما ولّى قلنا: والله ما صنعنا شيئا وما أدركنا حاجتنا ولا كفينا أنفسنا، وهو مخبر سعدا الآن بما قلنا، فيكون أخبث ما كان لنا صحبة، يا عفيّف أدركه، فسمع حسّا خلفه فوقف فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: ما حاجتك؟ قال: أرسلني إليك أصحابنا قالوا: إذا لم تسمع فيه ما قلنا فنحن نحب ألاّ تذكره له. قال: لعل ذلك أن يكون، قال: ثم تبوأنا منزلنا، ثم غدونا إلى المسجد وسعد عنده في المنزل فمكثنا طويلا فخرج إلينا سعد وهو يذم أهل الحيرة وأهل المخالفة. قال قلنا: إنا لله، استعمله علينا ويكون شر ما كان لنا صحبة، فقال قائل: هذا والله غضب رجل قد عزل، قال: فبينما نحن كذلك إذ جاء رسول

    ج ١ ص ٨١٦عمر رضي الله عنه فأدخلنا عليه فقال: يا أشعث، إني قد عزلت عنكم سعدا، ولكن أخبروني عما أسألكم عنه؛ إذا كان الإمام عليكم فجار عليكم ومنعكم حقوقكم وأساء صحبتكم ما تصنعون به؟ قلنا يا أمير المؤمنين، ما نصنع به إن رأينا خيرا حمدنا الله وقبلنا، وإن رأينا جورا وظلما صبرنا حتى يفرج الله منه، قال: أما هو إلا ما أسمع؟ قالوا: لا والله ما عندنا إلا ما قلنا لك، قال فضرب بيده على جبهته ثم قال: لا والله الذي لا إله إلا هو لا تكونون شهداء في الأرض حتى تأخذوهم كأخذهم إياكم، وتضربوهم في الحق كضربهم إياكم وإلا فلا.

    ج ١ ص ٨١٥
  16. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا حبان بن علي، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند عمر رضي الله عنه فأتاه ناس من أهل الكوفة فشكوا إليه سعدا حتى قالوا ما يحسن يصلي، فقال سعد (١) : أمّا أنا والله فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، قال عمر رضي الله عنه : ذاك الظّن بك يا أبا إسحاق، وكيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: أركد (٢) في الأوليين وأحذف في الأخريين قال: فأرسل به عمر رضي الله عنه إلى الكوفة فطيف به في مساجدها، فيقولون فيه خيرا ويثنون خيرا حتى انتهوا إلى مجلس بني عبس وفيه رجل يكنى أبا سعدة فقال: اللهم كان لا ينفر في السّريّة، ولا يعدل

    ج ١ ص ٨١٧في القضية، ولا يقسم بالسويّة، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأشدّ فقره، وأعم بصره، واعرض عليه الفتن. قال عبد الملك (بن عمير (١) : فأنا رأيته بعد كبيرا فقيرا ذاهب البصر، فقال له: كيف أنت يا أبا سعد؟ فيقول: (شيخ (٢) كبير فقير مفتون أجيبت فيّ دعوة سعد (٣) .

  17. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، * حدثنا ثابت، عن هلال بن أمية: أن عمر رضي الله عنه استعمل عياض بن غنم (٤) على الشام، فبلغه أنه اتخذ حماما، واتخذ نوّابا، فكتب إليه أن يقدم عليه، فقدم، فحجبه ثلاثا، ثم أذن له، ودعا بجبة صوف فقال: البس هذه، وأعطاه كنف (٥) الراعي وثلاثمائة شاة، وقال: انعق بها، فنعق بها، فلما جاوز هنيهة قال: أقبل، فأقبل يسعى حتى أتاه، فقال: اصنع بها كذا وكذا، اذهب. فذهب حتى إذا تباعد ناداه يا عياض أقبل، فلم يزل يردده حتى عرقه في جبته، قال: أوردها عليّ يوم كذا وكذا، فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمر رضي الله عنه إليه فقال: انزع عليها. فاستقى حتى ملأ الحوض فسقاها، ثم قال، انعق بها فإذا كان يوم كذا فأوردها،

    ج ١ ص ٨١٨فلم يزل يعمل به حتى مضى شهران، قال: فاندس إلى امرأة عمر رضي الله عنها وكان بينه وبينها قرابة، فقال: سلي أمير المؤمنين فيم وجد عليّ؟ فلما دخل عليها قالت: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ قال: يا عدوة الله، وفيم أنت وهذا، ومتى كنت تدخلين بيني وبين المسلمين؟ إنما أنت لعبة يلعب بك، ثم تتركين.

    قال: فأرسل إليها عياض: ما صنعت؟ فقالت: وددت أني لم أعرفك ما زال يوبخني حتى تمنيت أن الأرض انشقّت فدخلت فيها، قال:

    فمكث ما شاء الله ثم اندس إلى عثمان رضي الله عنه فقال: سله فيم وجد عليّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ فقال:

    إنه مرّ إليك عياض فقال: شيخ من شيوخ قريش، قال فتركه بعد ذلك شهرين أو ثلاثة ثم دعاه، فقال: هيه، اتّخذت نوّابا، واتخذت حماما، أتعود؟ قال: لا، قال: ارجع إلى عملك (١) .

  18. * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: بعث عمر رضي الله عنه شرحبيل بن السّمط (٢) - وكان ممن شهد اليرموك - على جيش، فلما نزل بهم قال: عزمت عليكم لما أخبرتموني بكل ذنب أذنبتموه؟ فجعلوا يعترفون بذنوبهم، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال: ما له لا أمّ له، يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟ والله لا يعمل لي عملا أبدا.

  19. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو جميع سالم ابن راشد قال، حدثنا الحسن قال: استعمل عمر رضي الله عنه مجاشع ابن مسعود (١) على عمل، فبلغه أن امرأته تحدث (٢) بيوتها، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : من عبد الله أمير المؤمنين إلى مجاشع بن مسعود، سلام عليك أما بعد فإنه بلغني أن الخضيراء تحدث بيوتها، فإذا أتاك كتابي هذا فعزمت عليك ألا تضعه من يديك حتى تهتك ستورها. قال: فأتاه الكتاب والقوم عنده جلوس، فنظر في الكتاب فعرف القوم أنه قد أتاه بشيء كرهه، فأمسك الكتاب بيده ثم قال للقوم: انهضوا فنهضوا: ولا والله ما يدرون إلى ما ينهضهم، فانطلق بهم حتى انتهى إلى باب داره فدخل، فلقيته امرأته فعرفت الشرّ في وجهه فقالت له: ما لك؟ فقال: إليك عني، فقد أرمضتني، فذهبت المرأة، وقال للقوم: ادخلوا، فدخل القوم، فقال: فليأخذ كل رجل منكم ما يليه من هذا النحو واهتكوا، قال: فهتكوها جميعا حتى ألقوها إلى الأرض، والكتاب في يده لم يضعه بعد * حدثنا أبو بكر العليمي، عن علي بن محمد، عن حبان ابن موسى، وعلي بن مجاهد، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: أوفد سعد بن أبي وقّاص جرير بن عبد الله (٣) إلى عمر رضي الله عنه ، فقال له الأشعث بن قيس: إن استطعت أن تنال من شرحبيل

    ج ١ ص ٨٢٠ابن السمط عند عمر فافعل، وكان شرحبيل قد شرف بالكوفة، وكان أثيرا عند سعد فغمّ ذلك الأشعث، فلما قدم جرير على عمر رضي الله عنه سأله عن الناس، فقال: هم كقداح الحصير فيها الأعضل الطائش والقائم الرائش، وسعد أمامها يقيم ميلها ويعمر عضاها، وقد قال قائل. قال: وما قال القائل؟ قال، قال:

    ألا ليتني والمرء سعد بن مالك … وزبراء وابن السّمط في لجة البحر

    فيغرق أصحابي وأخرج سالما … على ظهر قرقور أنادي أبا بكر (١)

    قال عمر رضي الله عنه : أقد فعلها؟ وكيف عطاعة الناس له؟ قال: يقيمون الصلاة لوقتها، ويؤتون الزكاة ولاتها، قال: الله أكبر، إذا أقيمت الصلاة، وأوتيت الزكاة كانت الطاعة. وكتب إلى سعد: أن احمل إليّ (زبراء وشرحبيلا فأرسلهما فأمسك زبراء (٢) عنده بالمدينة، وحمل شرحبيل إلى الشام فشرف بها.

    ج ١ ص ٨١٩
  20. * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا سعيد بن عبد العزيز: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغزى جيشا فغزا فيهم فتى كان يدنو من عمر رضي الله عنه ويألفه، فأوصى به عمر صاحب البعث خيرا، فكان معه، فراودته جارية لصاحب الجيش أو لرفيق له عن نفسها فامتنع عليها، فأخذت نفقة لسيدها فجعلتها في عيبة الفتى، فافتقدها صاحبها فوجدها في عيبة الفتى، فقطع يده، ثم أراد حسمها بالنار فامتنع عليهم فمات، فلما قفل الجيش سأل عمر رضي الله عنه عن الفتى، فأخبروه بأمره،

    ج ١ ص ٨٢١قال: وبيد عمر رضي الله عنه عصا، فجعل يضرب بها الأرض ويقول والله ما زنى وما سرق، والله ما زنى وما سرق؟ هل كانت معكم جارية؟ قالوا: نعم، قال: ايتوني بها، فأتوه بها، فسألها، فاعترفت فأمربها عمر رضي الله عنه فقتلت به. قال سعيد: فمن يومئذ قال عمر رضي الله عنه : لا يقطع إلاّ إمام. قال سعيد: وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

    من استعملناه منكم فليجعل الرفق. يعني العدل والأمانة ( … (١)