مقدمة التحقيق
١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥
الصفحة ١ من ٣٧
- ج ١ ص ٥
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *}
-
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ *} [الأنعَام: ١] {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ *} .
-
والحمدُ لله الذي لا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمة من نِعَمه إلا بنعمةٍ منه تُوجِبُ على مؤدِّي ماضي نِعَمِهِ بأدائها: نعمةً حادثةً يجبُ عليه شكرُهُ بها!
-
ولا يَبْلُغُ الواصفون كُنْهَ عظمته. الذي هو كما وَصَفَ نفسَهُ، وفوق ما يصفه به خلقُهُ.
-
نَحْمَدُهُ سبحانه حمدًا كما ينبغي لِكَرَمِ وجهه وعِزِّ جلاله، ونستعينُهُ استعانةَ مَنْ لا حولَ له ولا قوةَ إلا به، ونستهديه بهداه الذي لا يَضِلُّ مَنْ أنعَمَ به عليه، ونستغفرُهُ لِمَا أَزْلَفْنَا وأَخَّرْنَا استغفارَ مَنْ يُقِرُّ بعبوديته، ويعلمُ أنه لا يغفر ذنبَهُ ولا يُنَجِّيهِ منه إلا هو.
-
ونَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسوله، بعثَهُ اللهُ على حينِ فَتْرةٍ من الرسلِ، فكان خِيرَتَهُ المصطفَى لوحيه، المنتَخَبَ لرسالته، المُفضَّلَ على جميع خلقِه: بفتحِ رحمتِهِ وختمِ نبوتِهِ، وأعمِّ ما أُرْسِلَ به مُرْسَلٌ قبله، المرفوعَ ذِكْرُهُ مع ذِكْرِهِ في الأُولى، والشافعَ المشفَّعَ في الأخرى، أفضلَ خلقِهِ نَفْسًا، وأجمعَهُمْ لكلِّ خُلُقٍ رَضِيَهُ في دينٍ ودنيا، وخيرَهم نسبًا ودارًا.
- ج ١ ص ٦
فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغفَلَ عن ذِكْره الغافلون، وصلَّى عليه في الأوَّلين والآخِرِين، أفضلَ وأكثَرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ مِنْ خَلْقِه، وزكَّانا - وإياكم - بالصلاةِ عليه أفضلَ ما زكَّى أحدًا من أمته بصلاتِهِ عليه، وجزاه اللهُ عنا أفضَلَ ما جزى مُرْسَلاً عَمَّنْ أُرْسِلَ إليه، فلم تُمْسِ بنا نعمةٌ ظهرَتْ ولا بطنَتْ، نلنا بها حَظًّا في دينٍ ودنيا، أو دُفِعَ بها عنا مكروهٌ فيهما أو في واحدٍ منهما - إلا ومحمَّدٌ صلى الله عليه سَبَبُهَا، القائدُ إلى خَيْرِها، والهادي إلى رُشْدِها (١) .
-
أما بعد:
فإنَّ عِلْمَ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أَجَلِّ العلومِ (٢) التي لم تَتَهَيَّأْ معرفتُهَا إلا لنَزْرٍ يَسِيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ؛ وقد صُنِّفَتْ فيه مصنَّفاتٌ عديدةٌ (٣) ، من أَهَمِّهَا "كِتَابُ الْعِلَلِ" لأبي محمَّدٍ عبدِ الرحمنِ ابنِ أبي حاتمٍ الرازيِّ (ت٣٢٧هـ) ، الذي جَمَعَ فيه كلامَ أبيه وأبي زُرْعَةَ في تعليلِ الأحاديثِ، معَ زيادةِ كلامِ بعضِ الأئمَّةِ الآخَرِينَ - على قِلَّتِهِ - وربَّما أَدْلَى هو بِدَلْوِهِ في الكلامِ في هذه العِلَلِ أحيانًا.
-
وقد طُبِعَ هذا الكتابُ أَوَّلَ مَرَّةٍ سنةَ (١٣٤٣هـ) بتحقيقِ الأستاذِ مُحِبِّ الدِّينِ الخَطِيبِ _ح؛ في المطبعةِ السَّلَفيَّةِ التي كان أنشأَهَا،
ج ١ ص ٧مُعْتَمِدًا في تحقيقِه على نُسْخَتَيْنِ، لكنَّ إحداهما منقولةٌ عن الأخرى كما سيأتي بيانُهُ (١) ، وفيهما أسقاطٌ وتصحيفاتٌ، لكنَّهُ وَفَّى بإثباتِ النَّصِّ على حَسَبِ استطاعتِهِ.
-
ثم عَمَدَ الأخُ نَشْأَتُ بنُ كمالٍ الْمِصْرِيُّ، فحَقَّقَ الكتابَ اعتمادًا على النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ الأخرى، وطُبِعَ الكتابُ بتحقيقِهِ في (٤) مجلَّداتٍ، غيرَ أنَّه وقَعَ في أخطاءٍ نَبَّهَ عليها الأخُ محمَّدُ بنُ صالحٍ الدباسِيُّ الذي قام بتحقيقِ الكتابِ وإخراجِهِ في (٣) مجلَّدات، على وجهٍ أَفْضَلَ مِنْ سابقَيْهِ؛ فجزى اللهُ الجميعَ خيرَ الجزاءِ.
-
وقد مَنَّ اللهُ تعالى عَلَيْنَا بالفَرَاغِ مِنْ تحقيقِ هذا الكتابِ، الذي ابتدأْنَا العمَلَ فيه قبل أكثَرَ من خمس سنين، وما كنا نتوقَّع أننا سنلاقي ما لاقيناه من عَنَتٍ ومَشَقَّةٍ في إخراجه على وجهٍ نرجو أن يكونَ الأقرَبَ إلى الصوابِ إنْ شاء الله تعالى.
-
وكانت الرغبةُ في أولِ الأَمْرِ متجهةً إلى إخراجِهِ اعتمادًا على نسخةِ مكتبة أحمد الثالث وحدها؛ دون تخريجٍ أو تعليقٍ إلا على ما لابُدَّ منه، لكنْ واجهَنَا كثيرٌ من الإشكالاتِ التي تَطَلَّبَتِ الرجوعَ إلى نُسَخٍ أخرى، فجمعنا ما وَقَفْنَا عليه منها، ومع هذا كلِّه لم يَزَلْ في الكتابِ مواضعُ أخرى مُشْكِلَةٌ، فرأينا ضرورةَ تقصِّي المراجعِ التي تأخذُ عن ابن أبي حاتم بطريق الرواية أو النقل، كما رأينا ضرورةَ
ج ١ ص ٨تخريجِ الرواياتِ والطرقِ لإتمامِ العمل، فساعَدَنَا هذان الأمران كثيرًا على إزالةِ كثيرٍ من تلك الإشكالاتِ كما سيأتي تفصيلُهُ في خُطَّةِ العملِ إن شاء الله.
-
وقد قدَّمنا للكتاب بمقدمةٍ تناولنا فيها ما يلي:
١ - أهميَّة عِلْمِ عِلَلِ الحديث، والمصنَّفات فيه، وتعريف العِلَّة في اللغة والاصطلاح، وذِكْر أسباب العلة. وكنا نرغب في ذكر قرائن الترجيح والتعليل وأجناس العلة، لكن رأينا الاكتفاء برسالة أخينا الدكتور عادل الزُّرَقي في «قرائن العلة» (١) ، وبما ذكره أبو عبد الله الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص١١٣-١١٨) عن أجناس العلَّة، ولخَّصه وهذَّبه السُّيُوطي في «تدريب الراوي» (١/٤٢٢-٤٢٧) وبلَغَنَا أنَّ الأخ أبا سفيان مصطفى باحو جَمَعَ ذلك وزاد عليه في بحثٍ بعنوان "العِلَّة وأجناسها عند المحدِّثين" لم يُطْبَعْ بعدُ. أجزل الله الأجر والثواب للجميع.
-
٢ - دراسة مُطَوَّلة للمُصَنِّف عبد الرحمن بن أبي حاتم _ح.
-
٣ - ترجمة موجزة لأبي حاتم، وأبي زرعة، رحمة الله عليهما.
-
٤ - التعريف بـ "كتابِ العِلَلِ" لابن أبي حاتم، وفيه:
أ) تمهيدٌ يتضمَّنُ أَهَمِّيَّةَ الكتابِ، وبَعْضَ مميِّزاتِهِ، ومَنْهَجَ مصنِّفِهِ فيه.
- ج ١ ص ٩
ب) رواياتُ الكتاب.
-
جـ) ترجمة لرواة الكتاب.
-
د) وصف النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ المعتمدة.
-
هـ) تحقيق اسمِ الكتابِ، وصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى مصنِّفِهِ.
-
و) خُطَّة العَمَلِ ومنهجنا في تحقيق الكتاب، مع بعضِ التنبيهات.
-
ز) نماذج من النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ للكتاب.
-
وها هو الكتابُ بين يدَيْكَ - أخي القارئ الكريم - لك غُنْمُهُ، وعلينا غُرْمُهُ، ولا نستطيعُ أنْ نَصِفَ لك ما بُذِلَ فيه من جُهْد، نسألُ اللهَ تعالى أَلَاّ يَحْرِمنا أَجْرَهُ، وحسبنا أنَّا بَذَلْنَا وُسْعَنَا ولا نَدَّعي الكمال، فإنْ أصبنا فَمِنَ الله، وإنْ أخطأنا فَمِنْ أنفسنا ومِنَ الشيطان، مع دعائنا لِمَنْ أتحفَنَا بشيءٍ من الملحوظاتِ حتى نَتَلَافاها ونَتَدَارَكَهَا في طبعةٍ لاحقة إنْ شاء الله.
-
ولا يفوتنا في الختامِ أنْ نَتقدَّمَ بالشُّكْرِ الجزيلِ لفضيلة الدكتور الشيخ محمد بن تُرْكي التُّرْكي الذي أَتْحَفنا ببعضِ النسخ الخطية لهذا الكتاب.
-
والشُّكْرُ موصولٌ للمحرِّك الإداري للعمل الشيخ أبي أسامة محمد ابن سالم بن علي بن جابر؛ على بَذْلِ وُسْعِهِ وطاقتِهِ، وحُنْكتِهِ في الإدارة على وجه ظهرت ثماره بحمد الله.
- ج ١ ص ١٠
كما نشكُرُ فَرِيقَ التحقيقِ في هذا الكتابِ الذين لولا تيسيرُ الله سبحانه، ثم تضافُرُ جهودهم؛ لَمَا أمكَنَ إنجازُ هذا العمل الضخم، مع هذه الصعوبات، وهم الإخوة الأساتذة:
١) د. حيدر بن عيدروس علي أحمد.
-
٢) عيسى بن كُوكُوني صُوك.
-
٣) عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الضاحي.
-
٤) حسني بن أحمد بن حَسَانين الجُهَني.
-
٥) حسام بن محمد القَطَّان.
-
٦) علي بن أحمد بن عبد الباقي الخُولي.
-
٧) أيمن بن أحمد ذو الغِنى.
-
٨) محمد بن خالد الوَبَارنه.
-
٩) محمد بن رجب بن محمد الخُولي.
-
كما نَشْكُرُ كلًّا من مُنَضِّد الكتاب الأستاذ يسري بن حسين محمد سعد، وفريق المقابلة: الأستاذ إبراهيم بن عبد الجليل رضوان، والأستاذ حسان بن عبد الكريم العثمان.
-
وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ
د/ سعد بن عبد الله بن عبد العزيز الحميِّد
د/ خالد بن عبد الرحمن بن علي الجريسي
ج ١ ص ١١أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ
لقد مَنَّ اللهُ على الأُمَّةِ المحمَّديةِ أنْ جعلها خيرَ الأمم، ودينَها خاتَمَ الأديانِ وأكملَهَا، ونبيَّها خاتَمَ الأنبياءِ وأفضلَهم. وتكفَّل اللهُ لهذه الأُمَّةِ بِحِفْظِ وَحْيها من التحريف والتبديل؛ فقال سبحانه: [الحِجر: ٩] ، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} والذِّكْرُ هنا يَعُمُّ الكتابَ والسُّنَّة؛ لأنَّ السنَّةَ وحيٌ منزَّلٌ من الله سبحانه؛ قال تعالى: [النّجْم: ٣] {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *} ، وهي المبيِّنة للقرآن، وسمَّاها الله ذكرًا؛ قال تعالى: [النّحل: ٤٤] {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، فلا يمكن العملُ بالقرآن بمَعْزِل عن السنة؛ كعدد الصَّلوات في اليوم والليلة، وعدد ركعات الصَّلاة، وصفة أدائها، وهكذا الزكاة، والحَجُّ، والصَّوم، وغير ذلك، وهذا الذي جَعَلَ مكحولاً _ح يقول: القرآنُ أحوَجُ إلى السُّنَّة من السنَّة إلى القُرآن (١) .
وقال يحيى بن أبي كثير: السُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب، وليس الكتابُ بقاضٍ على السنَّة (٢) .
ج ١ ص ١٢وقال الفَضْل بن زياد: سمعتُ أحمدَ بن حنبل وسُئل عن هذا الحديث الذي رُوي: أنَّ السُّنَّةَ قاضيةٌ على الكتاب؟ فقال: ما أجسُرُ على هذا أنْ أقولَهُ، ولكنَّ السنَّةَ تفسِّر الكتاب، وتعرِّفُ الكتابَ وتبيِّنه (١) .
وقال حَسَّان بن عَطيَّة: كان جبريلُ _ج يَنْزِلُ على رسول الله (ص) بالسُّنَّة كما ينزل عليه بالقرآن، يعلِّمه إياها كما يعلِّمه القرآن (٢) .
وقال إسماعيل بن عُبَيدالله: ينبغي لنا أن نَحْفَظَ حديثَ رسول الله (ص) كما نحفَظُ القرآنَ؛ لأن الله تعالى يقول: [الحَشر: ٧] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (٣) .
-
وهذا هو الذي فهمه الصحابيُّ الجليلُ عبد الله بن مسعود ح حين قال: «لَعَنَ اللهُ الواشمَاتِ والمُسْتَوْشِمَاتِ، والنَّامِصَاتِ والمُتَنمِّصَاتِ، والمُتَفلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ» ، فبلغ ذلك امرأةً من بني أَسَدٍ يقال لها: أُمُّ يعقوب، وكانتْ تَقْرَأُ القرآنَ، فأتتْهُ فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك؛ أنك لعنتَ الواشمات والمُسْتَوشمات،
ج ١ ص ١٣والمُتَنمِّصات، والمُتَفلِّجات للحُسْن، المغيِّراتِ خَلْقَ الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعَنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ الله (ص) ، وهو في كتاب الله؟ ! فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لَوْحَيِ المصحفِ فما وجدتُّهُ، فقال: لئنْ كنتِ قرأتِيهِ لقد وجَدتِّيهِ (١) ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: [الحَشر: ٧] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . فقالتِ المرأةُ: فإني أرى شيئًا مِنْ هذا على امرأتِكَ الآنَ، قال: اذهبي فانظُري، فدخلَتْ على امرأةِ عبد الله، فلم تَرَ شيئًا، فجاءتْ إليه فقالتْ: ما رأيتُ شيئًا، فقال: أَمَا لو كان ذلك لم نُجامِعْها (٢) .
-
وكما أنَّ اللهَ سبحانه ابتَلَى آدَمَ وذريَّتَهُ بالإهباطِ إلى الأرض، وبِمَكْرِ الشيطانِ وكَيْدِهِ لهم لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعه ممَّن يَعْصيه، وهو القادر سبحانه على أن يجعلَهُمْ كلَّهم عاملين بطاعته؛ كما قال تعالى: [السَّجدَة: ١٣] {وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَِمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *} ؛ فإنه كذلك ابتلى الأمَّةَ المحمَّديةَ بطريقةِ نقل السُّنَّة النبوية وروايتها، فمِنَ المعلوم أنَّ السُّنَّة لم
ج ١ ص ١٤تُدَوَّنْ في عصر النبوَّة والخلفاءِ الراشدين كما دُوِّن القرآن؛ لأسبابٍ يطولُ ذِكْرُها (١) ؛ من أهمِّها: طولُ الفترة التي يلزمُهُمْ فيها تدوينُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه (ص) مِنْ أقوالٍ، وأفعال، وتقريرات، وهي ثلاثٌ وعشرون سنة، مع قِلَّةِ الكَتَبة، ونُدْرَةِ أدواتِ الكتابة، على نحوٍ يَصْعُبُ معه - بل يستحيلُ - كتابةُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه (ص) طيلةَ هذه الفترة على أكتافِ الإبل، والألواح، وعُسُبِ النخل، والحجارةِ؛ فهذه هي الأدواتُ التي كانوا يَكْتُبون عليها، أما الجُلود فنادرةٌ، وأما الوَرَقُ فمعدومٌ.
-
وكما أنَّ الصِّراعَ بين الشيطان وبني آدم قائمٌ منذ أنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرض، فالصِّراعُ كذلك موجودٌ بين علماء الحديث وأعداء السُّنَّة، وقد تمخَّض هذا الصِّراع عن تلك الجُهُود التي بذلها العلماءُ لحمايةِ جَنَابِ السُّنَّة، وذَبِّ الكذبِ عنها والدَّخيلِ عليها، وتتمثَّلُ في أمور عديدة، من أهمِّها: نَشْأَةُ الإسناد، وعِلْمُ الجرح والتعديل والكلامُ في الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً، ومعرفةُ التاريخِ الذي يَسْتبِينُ به صدقُ الرواةِ وكذبُهم، واتصالُ الأسانيدِ وانقطاعُهَا، وعِلْمُ مصطلح الحديث، والمصنَّفاتُ في صحيحِ السُّنَّة وضعيفها، وغيرُ ذلك كثير؛ ومن أشهره: معرفةُ عِلَلِ الحديثِ الذي هو موضوعُ كتابنا هذا.
- ج ١ ص ١٥
ومع أنَّ مدارَ معرفةِ الصحيح من السَّقيم من الحديثِ: على الإسناد الذي قالوا عنه: إنه مِنَ الدِّين (١) ، والنظرُ في الإسنادِ يكونُ في اتصالِهِ وثِقَةِ رجاله؛ إلا أنَّ المحدِّثين وضعوا نُصْبَ أعينهم أمرًا آخَرَ، وهو أنَّ الثقةَ قد يَهِمُ، وربَّما دَخَلَ في دِينِ الله ما ليس منه بسببِ أوهامِ الثقاتِ الذين يُظَنُّ بهم الظَّنُّ الحسن؛ فَمِنْ هنا نشأ عِلْمُ عِلَلِ
ج ١ ص ١٦الحديث الذي يُعْنَى أولَ ما يُعْنَى بأوهامِ الثقات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) : «والمقصودُ هنا أنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُق - مع عدمِ التشاعرِ أو الاتفاقِ في العادة - يُوجِبُ العلمَ بمضمون المنقول، لكنَّ هذا يُنتفَعُ به كثيرًا في عِلْمِ أحوال الناقلين، وفى مثل هذا يُنتفَعُ برواية المجهول، والسيِّئ الحفظ، وبالحديثِ المُرْسَل، ونحوِ ذلك. ولهذا كان أهلُ العلم يَكْتُبون مثلَ هذه الأحاديث ويقولون: إنه يَصْلُحُ للشواهدِ والاعتبارِ ما لا يَصْلُحُ لغيره؛ قال أحمد: قد أكتُبُ حديثَ الرجلِ لأعتبرَهُ....