مقدمة التحقيق

١٬٤٤٣ فقرة، ج ١ ص ٥

الصفحة ٣٦ من ٣٧

  1. الثَّامِنُ: أثبتنا النَّصَّ كما وَرَدَ في النُّسَخِ وإنْ خالَفَ المشهورَ مِنْ قواعدِ النَّحْوِ واللغة، وعلَّقنا على ذلك بِذِكْرِ وجوهٍ له تُصَحِّحُهُ مِنْ

    ج ١ ص ٣٥٥
  2. مذاهبِ النحاةِ واللغويِّين وغَيْرِهِمْ (١) :
  3. وقد اختلَفَ أهلُ العِلْمِ، رحمهم الله، تُجَاهَ هذه القَضِيَّةِ - وهي إصلاحُ اللَّحْنِ والتصحيف، والأَخْطاءِ النَّحْوِيَّةِ واللُّغَوِيَّة، في النُّسَخِ الخَطِّيَّة - وكان اختلافُهُمْ في جهتين:

    الجهةُ الأُولى: إصلاحُ الخَطَأِ في النُّطْقِ والرِّوَاية، وذَكَرُوا فيه طُرُقًا أربعةً:

    الأُولى: طريقةُ مَنْ يَرَى أنَّه يَرْوِيهِ على الخَطَأِ واللَّحْنِ كما سَمِعَهُ؛ وذَهَبَ إلى ذلك: نافعٌ مولى ابنِ عُمَرَ، ومحمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وأبو الضُّحَى، وأبو مَعْمَرٍ عبدُاللهِ بنُ سَخْبَرة، وأبو عُبَيْدٍ القاسمُ بنُ سَلَاّمٍ، قال ابنُ الصَّلَاح في كتابه "علوم الحديث" (ص٢١٨) : «وهذا غُلُوٌّ في مذهبِ اتِّبَاعِ اللفظِ، والمَنْعِ مِنَ الروايةِ بالمعنى» .

  4. والثانية: طريقةُ مَنْ يَرَى تغييرَهُ وإصلاحَهُ وروايتَهُ على الصَّوَابِ؛ وقد ذهَبَ إلى ذلك: ابنُ المُبَارَك، والأَوْزاعيُّ، والشَّعْبيُّ، والقاسمُ ابنُ محمَّد، وعَطَاءٌ، وهَمَّامٌ، والنَّضْرُ بن شُمَيْل؛ قال ابن الصَّلَاح في الموضعِ السابقِ مِنْ كتابِهِ المذكور: «وهو مذهبُ المحصِّلين والعُلَماءِ من المحدِّثين، والقَوْلُ به في اللَّحْنِ الذي لا يَخْتَلِفُ به المَعْنَى وأمثالِهِ لازمٌ على مَذْهَبِ تَجْوِيزِ روايةِ الحديثِ بالمعنى» .

  5. والثالثة: طريقةُ التوقُّفِ، وهي تَرْكُ رِوَايَةِ الخَطَأِ والصَّوَابِ جميعًا؛ حكى ذلك ابنُ دَقِيقِ العِيدِ في «الاقتراحِ» (ص٢٩٤-٢٩٥) عن شَيْخه عِزِّ الدينِ ابنِ عبدِالسَّلَام، قال: سمعتُ أبا محمَّد ابنَ عبدِالسَّلَامِ - وكان أحدَ سَلَاطينِ العُلَماء - كان يَرَى في هذه المسألةِ ما لم أَرَهُ لأحدٍ: أنَّ هذا اللفظَ المُخْتَلَّ لا يُرْوَى على الصَّوَاب، ولا على الخَطَأ؛ أمَّا على الصواب: فإنه لم يُسْمَعْ مِنَ الشيخِ كذلك، وأمَّا على الخَطَإ: فلأنَّه (ص) لم يَقُلْهُ كذلك. اهـ. قال الزَّرْكَشِيُّ في «النُّكَتِ على ابن الصَّلَاح» (٣/٦٢٢-٦٢٣) : «وهذا نظيرُ قولِ أصحابِنَا [يعني: الشافعيَّةَ] فيما لو وكَّله ببيعٍ فاسدٍ: أنَّه لا يستفيدُ الفاسد؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَأْذَنْ فيه، ولا الصحيح؛ لأنَّ المالكَ لم يَأْذَنْ فيه» . اهـ.

    ج ١ ص ٣٥٧
  6. وهذا القولُ غريبٌ.

  7. والرابعة: طريقةُ التفصيلِ بَيْنَ ما له وَجْهٌ سائغٌ في لُغَةِ العَرَبِ؛ فلا يُغَيَّرُ، وما لَيْسَ له وَجْهٌ؛ فيغيَّرُ؛ حَكَى ذلك القَابِسِيُّ في «المُلَخَّصِ» - كما في "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٣/٦٢٢) - قال القابِسِيُّ: «وأمَّا اللَّحْنُ في الحديثِ فشديدٌ، وقد سَمِعْتُ أبا الحَسَنِ محمَّدَ بنَ هاشمٍ البَصْرِيَّ - وكان مِنْ عُلَمَاءِ الناسِ وخِيَارِهِمْ رحمه الله تعالى - يقولُ: سُئِلَ أبو عِمْران - يعني النَّسَوِيَّ - عن اللَّحْنِ يُوجَدُ في الحديثِ؟ فقال: إنْ كان شيئًا تقولُهُ العَرَبُ - وإنْ كان في غَيْرِ لغةِ قُرَيْش - فلا يُغَيَّرُ؛ لأنَّ النبيَّ (ص) كان يُكَلِّمُ

    ج ١ ص ٣٥٨الناسَ بلسانهم، وإنْ كان مِمَّا لا يُوجَدُ في كلامِ العَرَبِ فَرَسُولُ اللهِ (ص) لا يَلْحَنُ» . اهـ.

  8. واختاره ابنُ حَزْمٍ في «كتابِ الإحكامِ» (٢/٢١٦) ، قال: «وأمَّا اللَّحْنُ في الحديثِ: فإنْ كان شَيْئًا له وَجْهٌ في لغةِ بَعْضِ العَرَبِ، فَلْيَرْوِهِ كما سَمِعَهُ، ولا يُبَدِّلْهُ، ولا يَرُدَّهُ إلى أَفْصَحَ منه، ولا إلى غَيْرِهِ، وإنْ كان شيئًا لا وَجْهَ له في لغةِ العَرَبِ البَتَّةَ، فحَرَامٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يحدِّثَ باللَّحْنِ عن النبيِّ، فإنْ فَعَلَ فهو كاذبٌ مُسْتحِقٌّ للنارِ في الآخِرَةِ؛ لأنَّا قد أيقنَّا أنَّه _ج لم يَلْحَنْ قَطُّ؛ كتيقُّنِنَا أنَّ السماءَ مُحِيطَةٌ بالأرضِ، وأنَّ الشمسَ تطلُعُ من المَشْرِقِ، وتَغْرُبُ في الْمَغْرِبِ؛ فمَنْ نَقَلَ عن النبيِّ (ص) اللَّحْنَ، فقد نَقَلَ عنه الكَذِبَ بيقين، وفَرْضٌ عليه أنْ يُصْلِحَهُ، ويَبْشُرَهُ مِنْ كتابه، ويَكْتُبَهُ مُعْرَبًا، ولا يحدِّثَ به إلا مُعْرَبًا، ولا يَلْتَفِتَ إلى ما وُجِدَ في كِتَابِهِ من لَحْنٍ، ولا إلى ما حَدَّثَ شيوخُهُ ملحونًا ... » . اهـ.

  9. واختار هذا المذهبَ أيضًا: ابنُ فارسٍ في كتابِ «مآخذ العِلْم» - كما في "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٣/٦٢٣) - لكنَّه اشتَرَطَ في تغييرِهِ وروايتِهِ على الصوابِ: العِلْمَ بالعربيَّة، وجَعَلَ هذا مما يَحْتَاجُ إلى تَرَوٍّ وبَحْثٍ شديدٍ؛ فإنَّ اللغةَ واسعةٌ، واختار الجوازَ، وقال: وأما قولُهُ (ص) : «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كما سَمِعَ» ؛ فالمرادُ: كما سَمِعَ مِنْ صِحَّةِ المعنَى واستقامتِهِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ يُغَيِّرَانِ المعنى، فأمَّا أنْ يَسْمَعَ اللَّحْنَ فيؤدِّيَهُ فلا. وبَعْدُ

    ج ١ ص ٣٥٩فمعلومٌ أنَّ النبيَّ (ص) كان لا يَلْحَنُ؛ فينبغي أنْ تُؤَدَّى مقالتُهُ عنه في صِحَّةٍ كما سُمِعَ منه» . اهـ.

  10. واختاره أيضًا ابنُ المنيِّر - كما في "فتح المغيث" للسخاوي (٢/٢٦٧) ، و "النكت على مقدِّمة ابن الصَّلَاح" للزركشي (٣/٦٢٣) - واحتجَّ على الجَوَازِ بقولِهِ (ص) : «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» .

  11. الجهةُ الثانيةُ: اختلافُهُمْ في إصلاحِ الخَطَأِ في أصلِ النُّسْخَةِ والكتابِ، وللعلماءِ في ذلك قديمًا وحديثًا مَسْلَكان:

    الأوَّل: مَسْلَكُ مَنْ يَرَى إصلاحَهُ في الكتابِ، وتَغْيِيرَ ما وقَعَ في أُصُولِهِ، وربَّما أَشَارُوا إلى ما في الأَصْلِ المَنْسُوخِ عنه، وربَّما لم يُشِيرُوا، وقد ينبِّهون على سَبَبِ تَغْيِيرهم، وكثيرًا ما يُغْفِلون التنبيه، ومِنْ هؤلاءِ الإمامُ أبو الوَلِيدِ الوَقَّشِيُّ كما سيأتي في كلامِ القاضي عِيَاضٍ.

  12. وعلى هذا المذهبِ: عَمَلُ كثيرٍ مِنْ نَاشِرِي الكُتُبِ (مِمَّنْ تَسَمَّوْا بـ «المحقِّقين» ) في هذا الزمان، وسيأتي في كلامِ القاضي عِيَاضٍ وابنِ الصَّلَاح وغيرِهِمَا ما في هذا المَسْلَكِ مِنْ مفاسدَ خطيرةٍ، وشرورٍ مستطيرةٍ، على العِلْمِ والتراثِ، واللهُ المستعان!!

  13. والثاني - وهو مذهبُ المحقِّقين مِنْ أهلِ العلمِ قديمًا وحديثًا -: أنَّ الصحيحَ: إثباتُ النَّصِّ كما وَصَلَ إلينا في أُصُولِهِ ونُسَخِهِ الخَطِّيَّةِ، مع تَبْيِينِ الصَّوَابِ في الحاشية، ووَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ العربيَّةِ أو النَّقْلِ؛ إنْ

    ج ١ ص ٣٦٠أمكنَ ذلك؛ وهذا ما سِرْنَا عليه في هذا الكتابِ.

  14. وفي تصويبِ هذا المنهجِ في «تحقيقِ النصوصِ» يقول ابنُ الصَّلَاحِ _ح في كتابه «علوم الحديث» (ص ٢٢٩-٢٣٠) : «وأمَّا إصلاحُ ذلك وتَغْيِيرُهُ في كتابِهِ وأَصْلِهِ: فالصوابُ تَرْكُهُ وتقريرُ ما وقَعَ في الأَصْلِ على ما هُوَ عليه، مع التَّضْبِيبِ عليه، وبيانِ الصوابِ خارجًا في الحاشية؛ فإنَّ ذلك أَجْمَعُ للمَصْلَحَةِ، وأَنْفَى لِلْمَفْسَدةِ، وقد رُوِّينَا أنَّ بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئِيَ في المنامِ وكأنَّه قد مَرَّ مِنْ شَفَتِهِ أو لسانِهِ شَيْءٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَفْظَةٌ مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ (ص) غَيَّرْتُهَا برأيي، ففُعِلَ بي هذا. وكثيرًا ما نَرَى ما يَتَوَهَّمُهُ كثيرٌ من أهلِ العلمِ خَطَأً - وربَّما غَيَّرُوهُ - صوابًا ذا وَجْهٍ صحيحٍ، وإنْ خَفِيَ واسْتُغْرِبَ!! لا سيَّما فيما يَعُدُّونَهُ خَطَأً مِنْ جهةِ العربيةِ؛ وذلك لِكَثْرةِ لُغَاتِ العربِ وتَشَعُّبِهَا، ورُوِّينَا عن عبدِاللهِ بنِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: كان إذا مَرَّ بأبي لَحْنٌ فاحشٌ غَيَّرَهُ، وإذا كان لَحْنًا سهلاً تَرَكَهُ، وقال: كذا قال الشيخُ!!» .

  15. وقد علَّق الزَّرْكَشِيُّ على ما ذكره ابنُ الصَّلَاحِ، فقال في «النُّكَتِ» (٣/٦٢٣-٦٢٤) : «ما ذكره المصنِّفُ أنه الصوابُ، حكاه ابنُ فارسٍ عن شيخه أبي الحَسَنِ عليِّ بنِ إبراهيمَ القَطَّانِ، قال: فكان يَكْتُبُ الحديثَ على ما سَمِعَهُ لَحْنًا، ويكتُبُ على حاشيةِ كتابِهِ: «كذا قال - يعني الذي حدَّثه - والصوابُ كذا» ، قال ابنُ فارسٍ: وهذا أَحْسَنُ ما سَمِعْتُ في هذا البابِ، وقال أبو حَفْصٍ الْمَيَّانِشِيُّ في «إيضاحِ ما لا

    ج ١ ص ٣٦١يَسَعُ المحدِّثَ جَهْلُهُ» [ص٢٥٨-٢٥٩، ضِمْنَ خَمْسِ رسائلَ في علوم الحديث] : «صَوَّبَ بعضُ المشايخِ هذا، وأنا أستحسنُهُ، وبه آخُذُ» . اهـ.

    وقال ابنُ دقيقِ العيدِ في «الاقتراح» (ص٢٦٢) : «وإذا وقَعَ في الروايةِ خَلَلٌ في اللفظِ: فالذي اصطُلِحَ عليه ألَاّ يُغَيَّرَ؛ حَسْمًا للمادَّةِ؛ إذْ غَيَّرَ قومٌ الصَّوَابَ بالخطأ؛ ظَنًّا منهم أنه الصَّوَابُ، وإذا بَقِيَ على حالِهِ، يُضَبَّبُ عليه، ويُكْتَبُ الصوابُ في الحاشية» . اهـ.

  16. وقد حرَّر ذلك كلَّه وأجاد في البَيَان: القاضي عِيَاضٌ في كتابه «الإلماع» (ص١٨٥- ١٨٨) ، فقال _ح: «الذى استمَرَّ عليه عَمَلُ أكثرِ الأشياخِ: نقلُ الروايةِ كما وَصَلَتْ إليهمْ وسَمِعُوهَا، ولا يغيِّرونها مِنْ كُتُبِهِمْ، حتى أَطْرَدوا ذلك في كلماتٍ من القرآنِ استَمَرَّتِ الروايةُ في الكُتُبِ عليها بخلافِ التلاوةِ المُجْمَعِ عليها، ولم يَجِئْ في الشاذِّ مِنْ ذلك في الموطَّأ والصَّحِيحَيْنِ وغيرها؛ حمايةً للباب، لكنَّ أَهْلَ المعرفةِ منهم يُنَبِّهُونَ على خَطَئِهَا عند السماعِ والقراءةِ وفى حواشى الكُتُبِ، ويَقْرَؤُونَ ما فى الأصولِ على ما بَلَغَهُمْ.

  17. ومنهم: مَنْ يَجْسُرُ على الإصلاحِ، وكان أجرأَهُمْ على هذا من المتأخِّرين القاضى أبو الوليدِ هشامُ بنُ أحمدَ الكِنَانيُّ الوَقَّشِىُّ؛ فإنَّه - لكثرةِ مطالعتِهِ وتفنُّنِهِ في الأدبِ واللغةِ وأخبارِ الناسِ، وأسماءِ الرجالِ وأنسابِهِمْ، وثُقُوبِ فهمِهِ وحِدَّةِ ذِهْنِهِ - جَسَرَ على الإصلاحِ

    ج ١ ص ٣٦٢كثيرًا، وربَّما نبَّه على وجهِ الصوابِ؛ لكنَّه ربَّما وَهِمَ وغَلِطَ في أشياءَ من ذلك، وتحكَّم فيها بما ظَهَرَ له، أو بِمَا رآه في حديثٍ آخَرَ، وربَّما كان الذي أصلحَهُ صوابًا، وربَّما غَلِطَ فيه وأصلَحَ الصوابَ بالخطأ!!

  18. وقد وقَفْنَا له مِنْ ذلك في الصحيحَيْنِ والسِّيَرِ وغيرها على أشياءَ كثيرةٍ، وكذلك لِغَيْرِهِ مِمَّنْ سلك هذا المَسْلَكَ.

  19. وحمايةُ بابِ الإصلاحِ والتغييرِ أولى؛ لئلا يَجْسُرَ على ذلك مَنْ لا يُحْسِنُ، وَيَتَسَلَّطَ عليه مَنْ لا يَعْلَمُ، وطَرِيقُ الأشياخِ أَسْلَمُ مع التَّبْيِينِ؛ فيَذْكُرُ اللفظَ عند السَّمَاعِ كما وقَعَ، وينبِّهُ عليه، ويذكُرُ وجهَ صوابِهِ: إمَّا مِنْ جهةِ العربية، أو النقلِ، أو ورودِهِ كذلك في حديثٍ آخَرَ،، أو يقرؤُهُ على الصوابِ، ثم يقولُ: وقَعَ عند شَيْخنا أو في روايتِنَا كذا، أو مِنْ طريقِ فلانٍ كذا، وهو أَوْلَى؛ لئلا يقولَ على النبيِّ (ص) ما لم يَقُلْ.

  20. وأحسنُ ما يُعْتَمَدُ عليه في الإصلاحِ: أنْ تَرِدَ تلك اللفظةُ المغيَّرةُ صوابًا فى أحاديثَ أُخْرَى، فإنْ ذَكَرَهَا على الصَّوَابِ في الحديثِ أَمِنَ أنْ يقولَ عن النبيِّ (ص) ما لم يَقُلْ، بخلافِ إذا كان إنما أَصْلَحَهَا بِحُكْمِ عِلْمِهِ ومقتضى كلامِ العَرَبِ.

  21. وهذه طريقةُ أبي عَلِيِّ بنِ السَّكَنِ البغداديِّ فى انتقائِهِ روايتَهُ لصحيحِ البُخَاريِّ؛ فإنَّ أكثرَ متونِ أحاديثِهِ ومُحْتَمِلَ روايتِهِ هى عنده

    ج ١ ص ٣٦٣مُتْقَنَةٌ صحيحةٌ مِنْ سائرِ الأحاديثِ الأُخَرِ الواقعةِ في الكتابِ وغيرِهِ.

  22. وقد نَبَّهَ أبو سُلَيْمَانَ الخَطَّابيُّ على ألفاظٍ مِنْ هذا في جُزْءٍ أيضًا (١) ؛ لكنَّ أَكْثَرَ ما ذَكَره مما أنكرَهُ على المحدِّثين له وجوهٌ صحيحةٌ في العربيَّةِ، وعلى لغاتٍ منقولةٍ، واستمرَّتِ الروايةُ به» . اهـ. كلام القاضي عياض، وهو نفيسٌ جِدًّا.

  23. وانظر أيضًا: «الكِفَاية» للخَطِيب (ص١٨٥-١٨٨، و١٩٤ - ١٩٨) ، و «فَتْحَ المُغِيث» للسَّخَاوي (٣/١٦٧-١٧٦) ، و «توجيه النَّظَر» لطاهر الجزائري (٢/٦٩٠ - ٦٩١) .

  24. هذا؛ وقد اخترنا نحنُ مَنْهَجَ عدمِ التغييرِ - إلا ما سيأتي استثناؤُهُ - وذلك فيما يتصرَّفُ فيه كَثِيرٌ من المحقِّقين، ويظنُّونه لَحْنًا، وأبقينا على ما في الأُصُولِ الخطيَّةِ في صُلْبِ الكتاب، وعلَّقنا على ذلك تعليقًا وافيًا يبيِّنُ صِحَّةَ أكثرِ ما وقع في هذه النُّسَخِ، وأنَّ لها وجهًا في العربيَّة، بل قد يَكُونُ لها أحيانًا وجوهٌ كثيرةٌ (٢) ؛ مما سيبيِّنُ للقارئ عَبَثَ كثيرٍ ممن تصدَّروا لإخراجِ كتبِ التُّرَاثِ الإسلاميِّ، وكان أَوْلَى بهم أَلَاّ يَفْعَلُوا؛ فمَنْ تَتَبَّعَ الكُتُبَ المُحَقَّقةَ وَجَدَ أغلَبَ أولئك المحقِّقين! يُثْبِتون الخطأَ في مَتْنِ الكتاب، والصوابَ في الحاشية، ويُرَجِّحُونَ بين النُّسَخِ ترجيحاتٍ خاطئةً، وهذا مِنْ جُرْأَتِهِمْ على ما لم

    ج ١ ص ٣٦٤يُحِيطُوا بعلمِهِ ولمَّا يَأْتِهِمْ تأويلُهُ؛ فتجدُهُمْ يَتَصَرَّفون في نَصِّ الكتابِ بالزيادةِ والنُّقْصَان، والتقديمِ والتأخير، والتصويبِ والتعديل؛ وهذا مخالفٌ لما عُرِفَ عند محقِّقي العلماءِ: أنَّ التحقيقَ: هو إخراجُ الكتابِ كما وضَعَهُ مؤلِّفُهُ، لا كما يَتَرَاءَى لِمُحَقِّقِهِ.

  25. وبعضُهُمْ - وهم كُثُرٌ!! - يزيدُ الطِّينَ بِلَّةً، ويَجْمَعُ بين الحَشَفِ وسُوءِ الكِيلَةِ، فَتَرَاهُ يُغَيِّرُ في صُلْبِ الكتابِ باجتهادِهِ دون إشارةٍ إلى ما في الأصولِ الخَطِّيَّةِ التي رجَعَ إليها - وقد يُشِيرُ إلى ذلك في مقدِّمةِ الكتابِ إشارةً عامَّةً غائمةً - زَعْمًا منه بأنَّ في ذلك تكثيرًا للحواشي بلا فائدةٍ؛ وهذا مَسْخٌ للتراثِ وضياعٌ لِمَا حُجِبَ منه، وهو في الحقيقةِ جَسَارةٌ قد تؤدِّي إلى الإخلالِ بالأمانةِ العلميَّة؛ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَاّ بالله!

  26. ونحنُ هنا نُهِيبُ بإخواننا المحقِّقين بأن يَسِيروا على طريقةِ سَلَفِهِمْ من العلماءِ المتقدِّمين، وقد أشارَ إلى دِقَّةِ مَذْهَبِهِمْ وتصويبِهِ القاضي عِيَاضٌ وابنُ الصَّلَاح وغيرُهُمَا مِمَّنْ ذَكَرْناه، واللهُ الموفِّقُ للصواب، وإليه المَرْجِعُ والمَآب.

  27. على أنَّنا استَثْنَيْنا مِنْ ذلك بعضَ المواضعِ التي كان أَكْثَرُهَا في أسماءِ الرِّجَالِ والرُّوَاةِ؛ فاتَّبعْنا فيها ما يَلِي:

    فإنْ كان خطأً لا شكَّ فيه: كأنْ يكونَ السِّيَاقُ يَدُلُّ على روايةِ المصنِّف بالسماعِ من شيخٍ تُوُفِّيَ قبل ولادتِهِ، أو يَذكُرَ المصنِّفُ اللفظةَ

    ج ١ ص ٣٦٥أو الاسمَ مَرَّتَيْنِ ومرادُهُ منهما واحدٌ؛ بِدَلالةِ سياقِ كلامِهِ وسابِقِهِ ولاحقِهِ، لكنْ حدَثَ خَلَلٌ في النُّسَخِ في أحدِ الموضعَيْنِ، أو يكونَ قد ذَكَرَهُ المصنِّفُ على الصَّوَابِ في "الجَرْحِ والتَّعديلِ" ، أو في "المَرَاسِيلِ" ، أو أَجْمَعَتْ مصادرُ التخريجِ والتوثيقِ أو مُعْظَمُهَا على الصَّوَابِ، ولا يَصلُحُ تَخريجُ مثلِهِ لغةً - خاصَّةً إذا كان اسمَ راوٍ - فهذا نُغيِّرُهُ إلى الصَّوَابِ، ونَجْعَلُهُ في متنِ الكتابِ بين مَعْقُوفينِ، مع التَّنبيهِ عليه في الحاشيةِ، وذِكْرِ مَصادِرِ تَغْيِيرِهِ وتَصويبِهِ، وقد احتْرَزْنَا في ذلك كثيرًا، وبَذَلْنَا وُسْعَنَا في البُعْدِ عن التَّغييرِ. وقد دَعانا إلى تَغييرِ مثلِ هذا أيضًا: اعتقادُنَا أنَّ هذا الخطَأَ يبعُدُ أن يَقَعَ مِثْلُهُ من المصنِّفَ، إلا أن يكونَ سهوًا. على أنَّ مِثْلَ هذه الأخطاءِ تَكونُ - في الأغلبِ - من النُّسَّاخِ، لا في أصلِ كتابِ المصنِّفِ؛ فَحَسُنَ التَّغييرُ إلى الصَّوابِ على كلِّ حالٍ، واللهُ أعلمُ.

  28. وأمَّا ما كان غيرَ ذلك وكان مُحْتَمِلاً: فقد تَرَكْنَاهُ في صُلْبِ الكتابِ، وعلَّقْنا عليه في الحاشيةِ بذِكْرِ ما نراه صوابًا، واللهُ أعلمُ.

  29. صفحة العنوان من النسخة (أ)

    ج ١ ص ٣٦٩
  30. الصفحة الأولى من النسخة (أ)

    ج ١ ص ٣٧٠
  31. الصفحة قبل الأخيرة من النسخة (أ)

    ج ١ ص ٣٧١
  32. نهاية النسخة (أ)

    ج ١ ص ٣٧٢
  33. صفحة العنوان من النسخة (ف)

    ج ١ ص ٣٧٣
  34. الورقة الأولى من النسخة (ف)

    ج ١ ص ٣٧٤
  35. الصفحة الأخيرة من النسخة (ف)

    ج ١ ص ٣٧٥
  36. صفحة العنوان من النسخة (ت)

    ج ١ ص ٣٧٦
  37. الورقة الأولى من النسخة (ت)

    ج ١ ص ٣٧٧
  38. الورقة الأخيرة من النسخة (ت)

    ج ١ ص ٣٧٨
  39. الصفحة الأولى من النسخة (ش)

    ج ١ ص ٣٧٩
  40. الورقة الأخيرة من النسخة (ش)

    ج ١ ص ٣٨٠