٣٣ -باب احتساب الآثار
٣٥ فقرة، ج ٦ ص ٢٨
- ج ٦ ص ٢٨
٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الله بْن حوشب: ثنا عَبْد الوهاب، قَالَ: حَدَّثَنِي حميد، عَن أَنَس، قَالَ: قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((يَا بني سَلَمَة، ألا تحتسبون آثاركم؟) ) .
- ج ٦ ص ٢٨
٦٥٦ - وَقَالَ ابن أَبِي مريم: أنا يَحْيَى بْن أيوب: حَدَّثَنِي حميد: حَدَّثَنِي أَنَس، أن نبي سَلَمَة أرادوا أن يتحولوا عَن منازلهم فينزلوا قريباً من النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: فكره النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعروا منازلهم، فَقَالَ: ((ألا تحتسبون آثاركم؟) ) .
قَالَ مُجَاهِد: خطاهم: آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم.
-
ساقه أولا من حَدِيْث عَبْد الوهاب الثَّقَفِيّ، عَن حميد مختصراً ثُمَّ ذكر من رِوَايَة يَحْيَى بْن أيوب المصري - وَهُوَ ثقة، لكنه كثير الوهم - مطولاً، وزاد فِيهِ تصريح حميد بالسماع لَهُ من أَنَس، فإن حميداً قَدْ قيل: إنه لَمْ يسمع من أَنَس إلا قليلاً، وأكثر رواياته عَنْهُ مرسلة، وقد سبق ذكر ذَلِكَ، وما قاله الإسماعيلي فِي تسامح المصريين والشامين فِي لفظه ((حَدَّثَنَا) ) وأنهم لا يضبطون ذَلِكَ.
-
وقد خرجه فِي ((كِتَاب الحج) ) من طريق الفزاري، عَن حميد، عَن أَنَس،
ج ٦ ص ٢٩قَالَ: أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رَسُول الله - رضي الله عنه - أن تعرى المدينة، فَقَالَ: ((يَا بني، ألا تحتسبون آثاركم؟) ) .
-
وبنو سَلَمَة: قوم من الأنصار، كَانَتْ دورهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فأمرهم النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بملازمة دورهم، وأخبرهم أن خطاهم يكتب لهم أجرها فِي المشي إلى المسجد.
-
وخرج مُسْلِم فِي ((صحيحه) ) من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر، عَن جابر، قَالَ: كَانَتْ دارنا نائيةً من المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: ((إن لكم بكل خطوةٍ درجة) ) .
-
ومن حَدِيْث أَبِي نضرة، عَن جابر، قَالَ: أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، والبقاع خالية. قَالَ: فبلغ ذَلِكَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: ((يَا بني سَلَمَة، دياركم تكتب آثاركم) ) . فقالوا: مَا يسرنا أنا كنا تحولنا.
-
وقوله: ((دياركم) ) بفتح الراء عَلَى الإغراء، أي: الزموا دياركم.
-
وخرجه الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعدي، عَن أَبِي نضرة، عَن أَبِي سَعِيد، قَالَ: كَانَتْ بنو سَلَمَة فِي ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فَنَزَلت هذه الآية: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: ١٢] ، فقام رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إن آثاركم تكتب) ) ، فَلَمْ ينتقلوا.
-
وأبو سُفْيَان، فِيهِ ضعف.
-
والصحيح: رِوَايَة مسلمٍ، عَن أَبِي نضرة، عَن جابر، وكذا قاله
ج ٦ ص ٣٠الدارقطني وغيره.
-
وخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك، عَن عَكْرِمَة، عَن ابن عَبَّاس، قَالَ: كَانَتْ الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقربوا، فَنَزَلت: {نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} . قَالَ: فثبتوا.
-
وقد ذكر البخاري عَن مُجَاهِد، أَنَّهُ فسر الآثار - يعني: فِي هذه الآية - بالخُطا، وزاد - أيضاً - بقوله: آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم.
-
وفي حَدِيْث أَنَس: فكره رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعروا المدينة أو منازلهم.
-
يعني: يخلوها فتصير عراةً من الأرض.
-
والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه: قوله تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ}
-
[الصافات: ١٤٥] .
-
وروى يَحْيَى بْن سَعِيد الأنصاري هَذَا الحَدِيْث، عَن حميد، عَن أَنَس، وَقَالَ: فكره أن يعروا المسجد.
قَالَ الإمام أحمد وهم فِيهِ. إنما هُوَ: كره أن يعروا المدينة.
-
وقد دلت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجرهُ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ.
-
وقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى:
ج ٦ ص ٣١((أعظم النَّاس أجراً فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى) ) .
-
وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،: ((وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة) ) .
-
وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر.
-
وسبق - أيضاً - حَدِيْث أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ.
-
وفي ((المسند) ) و ((سنن أَبِي داود) ) وابن ماجه، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً) ) .
-
وفي ((صحيح مُسْلِم) ) عَن أَبِي بْن كعب، قَالَ: كَانَ رَجُل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد مِنْهُ، وكان لا تخطئه صلاة. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ - أو قُلتُ لَهُ -: لَوْ اشتريت حماراً تركبه فِي الظلماء أو الرمضاء؟ قَالَ: مَا يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((قَدْ جمع الله لَكَ ذَلِكَ كله) ) .
-
وفي رِوَايَة لَهُ - أيضاً -: فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إن لَكَ مَا احتسبت) ) .
-
وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ ثياب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله.
-
وفي ((المسند) ) و ((صحيح ابن حبان) ) عَن عَبْد الله بْن عَمْرِو، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((من راح إلى المسجد جماعة فخطوتاه: خطوة تمحو سيئة،
ج ٦ ص ٣٢وخطوة تكتب حسنة، ذاهباً وراجعاً)) .
-
وهذا المطلق قَدْ ورد مقيداً فِي حَدِيْث أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخري فيما مضى.
- وسيأتي بقيدين:
-
أحدهما: أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله.
-
والثاني: أن لا يخرج إلا إلى الصلاة فِي المسجد، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاص.
-
وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر، غير أن هَذَا الأجر الخاص - وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات - لا يحصل بذلك.
-
وأعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل.
-
وفي ((المسند) ) بإسناد منقطع، عَن حذيفة، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد) ) .