٥١ - باب إنما جعل الإمام ليوتم به
١٣٤ فقرة، ج ٦ ص ١٣٩
الصفحة ١ من ٤
- ج ٦ ص ١٣٩
وصلى النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مرضه الَّذِي توفى فِيه بالناس وَهُوَ جالس.
وَقَالَ ابن مَسْعُود: إذا رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع، ثُمَّ يتبع الإمام.
-
وَقَالَ الْحَسَن - فيمن يركع مَعَ الإمام ركعتين ولا يقدر عَلَى السجود -: يسجد للركعة الأخيرة سجدتين، ثُمَّ يقضي الركعة الأولى بسجودها. وفيمن نسي سجدة حَتَّى قام: يسجد.
-
المقصود بهذا الباب: أن الإمام يتبع فِي جميع أفعاله، وإن فات من متابعته شيء، فإنه يقضيه المأموم ثُمَّ يتبعه، وإنما يتم هَذَا بأن يصلوا وراءه جلوساً إذا صلى جالساً.
-
وهذا المعنى هُوَ الَّذِي قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأجله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ) ) ، والبخاري يدعي نسخه، كما ذكره فِي آخر الباب، فعلى قوله يفوت كمال المتابعة والائتمام بِهِ.
-
وما علقه من صلاة النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالساً فِي مرضه قَدْ خرجه فِي الباب بإسناده.
-
وأما مَا حكاه عَن ابن مَسْعُود، فمضمونه: أن من رفع رأسه قَبْلَ الإمام فإنه يعود إلى الركوع والسجود الَّذِي رفع مِنْهُ، فيمكث بقدر مَا رفع قبله ليتم متابعته، ويكون ركوعه وسجوده بقدر ركوع الإمام وسجوده.
- ج ٦ ص ١٤٠
وهكذا قَالَ عُمَر بْن الخَطَّاب، قَالَ: إذا رفع أحدكم رأسه من ركعته أو سجدته قَبْلَ الإمام، فليعد حَتَّى يرى قَدْ أدرك مَا فاته.
-
خرجه حرب الكرماني والإسماعيلي فِي ((مسند عُمَر) ) من طريق أَيْنَ إِسْحَاق، عَن يعقوب بْن عَبْد الله بْن الأشج، عَن بسر بْن سَعِيد، عَن الحارث بْن مخلد، عَن أَبِيه مخلد، قَالَ: سَمِعْت عُمَر – فذكره.
-
وخرجه الحافظ أبو موسى المديني من طريق حماد بْن مسعدة، عَن ابن أَبِي ذئب، عَن يعقوب بْن الأشج، بِهِ، إلا أَنَّهُ رفعه إلى النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
ورفعه فِيهِ نكارة.
-
وقد اعتبر النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا القدر من المتابعة للأمام، كما خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، وليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قَالَ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}
-
[الفاتجة: ٧] فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم)) . فَقَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((فتلك بتلك، وإذا قَالَ: سَمِعَ الله لمن حمده، فقالوا: اللهم ربنا لَكَ الحمد، يسمع الله لكم؛ فإن الله تعالى قَالَ عَلَى لسان نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَمِعَ الله لمن حمده، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع) ) ؛ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((فتلك بتلك) ) – وذكر بقية الحَدِيْث.
-
ومعنى قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((فتلك بتلك) ) : أن مَا سبقكم من ركوعه قبلكم
ج ٦ ص ١٤١وسجوده قبلكم تدركونه بتأخركم بالرفع بعده من الركوع والسجود، فتساوونه فِي قدر ركوعه وسجوده بذلك.
-
وروى أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن مَسْعُود، عَن النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: ((لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود، فمهما أسبقكم بِهِ إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم بِهِ إذا سجدت تدركوني بِهِ إذا رفعت؛ إني قَدْ بدنت) ) .
-
وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث ابن مسعدة صاحب الجيوش، قَالَ: سَمِعْت رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول: ((إني قَدْ بدنت، فمن فاته ركوعي أدركه فِي بطء قيامي) ) .
-
فلهذا المعنى قَالَ ابن مَسْعُود: فمن رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ثُمَّ يتبع الإمام.
-
وفيه معنى آخر، وَهُوَ: أَنَّهُ إذا فعل ذَلِكَ فَقَدْ تخلص من محذور رفعه قَبْلَ الإمام، وَهُوَ منهي عَنْهُ.
-
وقد روي مثل قَوْلِ ابن مَسْعُود عَن عُمَر وابنه، وعن كثير من التابعين ومن بعدهم من العلماء، وَهُوَ قَوْلِ الفقهاء المشهورين كأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وأحمد.
-
وأوجب أصحابنا عَلَى السابق أن يرفع ليتبع الإمام، مَا دام الإمام لَمْ يرفع بعد.
-
فإن رفع الإمام، فقالوا: يسحب لَهُ أن يعوض عَن ذَلِكَ
ج ٦ ص ١٤٢بالتطويل فِي السجدة الثانية، وحملوا عَلِيهِ مَا روي عَن ابن عُمَر، قَالَ: من رفع رأسه فِي السجدة الأولى قَبْلَ الإمام فليطول فِي الثانية.
-
وعن ابن مَسْعُود، قَالَ: ليصنع فِي الثانية بعد الإمام بقدر مَا كَانَ رفع فِي الأولى.
-
خرجهما سَعِيد بْن منصور فِي ((سننه) ) .
-
ولم يفرق أكثرهم بَيْن أن يرفع قبله عمداً أو سهواً، وهذا عَلَى أصل الحنفية ظاهر؛ لأنهم يرون أن لا تبطل الصلاة بزيادة ركوع أو سجود عمداً، وأما أصْحَاب الشَّافِعِيّ وأحمد فعندهم تبطل الصلاة بذلك عمداً.
وَقَالَ بعض متأخريهم: إنه إن رفع قَبْلَ الإمام عمداً لَمْ يعد إلى متابعته فيما رفع عَنْهُ من ركوع أو سجود؛ لأنه يكون قَدْ تعمد زيادة ركن عمداً فتبطل صلاته بذلك.
-
والصحيح: مَا أطلقه الأئمة وأكثر أصحابهم؛ فإن عوده إلى المتابعة قطع لما فعله من القيام والقعود الَّذِي سبق بِهِ الإمام، وعود إلى متابعة الإمام، وليس عوده إتماماً للركوع ولا للسجود الَّذِي سبق بِهِ، بل هُوَ إبطال لَهُ، فلا يصير بذلك متعمداً لزيادة ركن تام.
-
وبكل حال؛ فإذا تعمد المأموم سبق إمامه ففي بطلان صلاته بذلك وجهان لأصحابنا.
-
وقيل: إن البطلان ظاهر كلام أحمد، وروي عَن ابن عُمَر، وأكثر العلماء عَلَى أنها لا تبطل، ويعتد لَهُ بِهَا إذا اجتمع مَعَ إمامه فيما بعد.
-
ولو كَانَ سبق الإمام سهواً حَتَّى أدركه
ج ٦ ص ١٤٣إمامه اعتد لَهُ بذلك عِنْدَ أصحابنا وغيرهم، خلافاً لزفر.
-
وقد بسطت القول عَلَى ذَلِكَ فِي ((كِتَاب القواعد فِي الفقه) ) . والله أعلم.
-
وأما مَا حكاه البخاري عَن الْحَسَن، فإنه يتضمن مسألتين:
- إحداهما:
-
إذا صلى مَعَ الإمام ركعتين، وقدر عَلَى الركوع فيهما مَعَهُ دون السجود فإنه عجز عَنْهُ، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد سجد سجدتين، فكملت لَهُ الركعة الثانية، وأعاد الركعة الأولى الَّتِيْ عجز عَن سجدتيها.
-
وهذا يدل عَلَى أن المأموم إذا تخلف عَن متابعة الإمام فِي سجدتين من ركعة، فَقَدْ فات المأموم تلك الركعة؛ فلهذا لَمْ يعتد بالركعة الأولى، وإنما يعتد بالثانية؛ لأنه قدر عَلَى قضاء السجدتين، وإدراك الإمام قَبْلَ سلامه، فهو كما لَوْ أدركهما مَعَهُ.
-
وفي هَذَا نظر؛ فإنه كَانَ ينبغي أن يأتي بالسجدتين فِي قيام الإمام إلى الثانية، ثُمَّ يلحقه كما يأتي بهما فِي حال تشهده فِي الثانية، ولا فرق بَيْنَهُمَا.
-
وقد يحمل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يتمكن من السجدتين إلا فِي التشهد، ولم يتمكن فِي حال قيام الإمام فِي الثانية.
-
وعن أحمد فيما إذا تخلف عَن الإمام حَتَّى فاته مَعَهُ سجدتان – روايتان:
إحداهما: أَنَّهُ تلغى ركعته، كما قَالَ الْحَسَن، ولكن لا فرق عنده بَيْن الركعة الأولى والثانية.
-
والرواية الثانية: إن خاف فوات الركعة الثانية بتشاغله بقضاء
ج ٦ ص ١٤٤السجدتين فكذلك، وإن لَمْ يخف قضى السجدتين إذا قام الإمام فِي الثانية ثُمَّ لحقه فيها.
-
واختلف الأصحاب فِي ذَلِكَ: فمنهم من قَالَ: هاتان الروايتان جاريتان فِي جميع صور التخلف عَن متابعة الإمام بركنين، سواء كَانَ لسهو أو نوم أو زحام.
-
ومنهم من قَالَ: إنما نَصَّ أحمد فِي الساهي والنائم عَلَى أن ركعته تلغى، ونص فِي المزحوم عَلَى أَنَّهُ يقضي ثُمَّ يلحق الإمام، فيقر النصان عَلَى مَا نَصَّ عَلِيهِ من غير نقل ولا تخريج، ويفرق بَيْن المزحوم وغيره، بأن غير المزحوم مفرط ومقصر فتلغى ركعته، بخلاف المزحوم فإنه معذور فيأتي بما فاته ويلحق إمامه.
-
وروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي فِي رَجُل صلى مَعَ الإمام ركعة، فلما كَانَ فِي الثانية ركع الإمام وسجد سجدتيه، ثُمَّ قام فِي الثالثة والرجل قائم؟ قَالَ: إن أدركه فِي سجدتيه ركع وسجد معهم، وإن كَانَ قَدْ نهض فِي الثالثة اتبعه فيما بقي من صلاته، ثُمَّ يقضي تلك الركعة الَّتِيْ نام عَنْهَا أو غفل.
-
وعن الزُّهْرِيّ، فِي الرَّجُلُ يصلي مَعَ الإمام، فينام حَتَّى يفرغ الإمام من الركعة والسجدتين؟ قَالَ: يصلي مَا تركه بهد أن يسلم، ويسجد سجدتي السهو.