٦٨ - باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم
١٦ فقرة، ج ٦ ص ٢٥١
- ج ٦ ص ٢٥١
ويذكر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قالَ: ((ائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم) ) .
-
هذا الحديث، خرجه مسلم من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قالَ: رأى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أصحابه تأخرا، فقالَ: ((تقدموا، فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) ) .
-
والبخاري لا يخرج لأبي نضرة، فذلك علق حديثه هذا على هذا الوجه.
قالَ البخاري:
ج ٦ ص ٢٥١٧١٣ – حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقالَ: ((مروا أبا بكر يصلي بالناس) ) . فقلت: يا رسول الله، أبو بكر رجل أسيف، وأنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ فقالَ: ((مروا أبا بكر يصلي
بالناس)) . فقلت
ج ٦ ص ٢٥٢لحفصة: قولي لهُ: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. قالَ: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس) ) . فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجاء النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى جلس عن يسار أبو بكر، فكان أبو بكر يصلي قائما، وكان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر.
-
قد تقدم ذكر هذا الحديث والإشارة إلى ما قيل في هذه اللفظة، وهي: ((عن يسار أبي بكر) ) ؛ فأن أبا معاوية تفرد بها، وما قيل فيما بعدها، وأنه مدرج، واختلاف الناس: هل كانَ أبو بكر إماما أو مأموما.
-
فإن قوله: ((يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ) قد قيل أن المراد به:
أنه كانَ يراعي في صلاته التخفيف على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويفعل ما كانَ أسهل عليهِ وأخف وأيسر، فكان ذَلِكَ اقتداؤه به، من غير أن يكن مؤتما به، كما قالَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعثمان بن أبي العاص لما استعمله على الطائف، وأمره بتخفيف الصلاة بالناس، وقال لهُ: ((اقتد بأضعفهم) ) – أي: راع حال الضعفاء ممن يصلي وراءك، فص صلاة لا تشق عليهم.
-
والأكثرون فسروا اقتداء أبي بكر بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بأنه كانَ مؤتما بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ج ٦ ص ٢٥٣وكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إماما لأبي بكر.
-
وأما قوله: ((والناس يقتدون بصلاة أبي بكر) ) فاختلف الناس في تأوياه – أيضا.
فقالت طائفة: المعنى أن أبا بكر كانَ يسمعهم التكبير لضعف صوت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينئذ، فكان اقتداؤهم بصوت أبي بكر، وكان مبلغا عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لم يكن إماما
للناس، فاقتداء أبي بكر والناس كلهم إنما كانَ بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما كانَ أبو بكر يبلغ عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التكبير؛ ليتمكنوا من الاقتداء.
-
ومما يتفرع على ذَلِكَ: أن الشعبي قالَ: إذا انتهيت إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤسهم، وقد رفع الإمام، فاركع؛ فإن بعضكم أئمة بعض.
-
وهذا قول غريب، والجمهور على خلافه، وأن الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه.
-
وهذا هوَ المعنى الذي بوب عليهِ البخاري هاهنا، وكذلك عليهِ النسائي وغيره.
-
وهو قول أصحاب الشافعي، على قولهم: إن أبا بكر كانَ مؤتما بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فإنهم اختلفوا: هل كانَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إماما لأبي بكر، أو مأموما به؟ على وجهين.
وقال الإمام أحمد: بل كانَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إماما لأبي بكر، وكان أبو بكر إماما للناس الذين وراءه، فكانت تلك الصلاة بإمامين.
-
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الصلاة بإمامين: هل هي من خصائص النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أو هوَ حكم عام يستوي فيهِ جميع الأمة؟ على ثلاث روايات عنه.
- ج ٦ ص ٢٥٤
وأختار أبو بكر ابن جعفر وغيره من أصحابنا رواية اختصاص النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك.
-
وروى حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ وجعا، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ووجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خفة، فقعد إلى جنب أبي بكر، فأم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا بكر وهو قاعد وأم الناس أبو بكر وهو قائم.
-
خرجه الدارقطني وغيره.
-
والصحيح: أن قوله: ((فوجد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خفة) ) إلى آخر الحديث مدرج من قول عروة، كما رواه مالك وابن نمير وغيرهما، عن هشام بغير هذا اللفظ، وقد سبق ذَلِكَ.