١٠٥- باب الجهر بقراءة الفجر
٢٥ فقرة، ج ٧ ص ٦٠
- ج ٧ ص ٦٠
وقالت أم سلمة: طفت وراء الناس والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي يقرأ بالطور.
-
حديث أم سلمة، قد ذكرنا في الباب الماضي.
-
فيهِ حديثان:
- الأول:
- ج ٧ ص ٦٠
٧٧٣ - حدثنا مسدد: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر - هوَ: جعفر بن أبي
وحشية -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قالَ: انطلق النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بنخلة - عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القران [استمعوا لهُ، فـ] قالوا: هذا - والله - الذي حال بينكم
ج ٧ ص ٦١وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرانا عجبا، يهدي إلى الرشد فامنا به، ولن نشرك بربنا أحداً، فأنزل الله على نبيه: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيّ} ، وإنما أوحي إليه قول الجن.
-
هذه القصة كانت في أول البعثة.
-
وهذا الحديث مما أرسله ابن عباس، ولم يسم من حدثه به من الصحابة، ويحتمل أنه سمعه من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحكي عن نفسه. والله أعلم.
-
وسوق عكاظ نحو نخلة، كانَ يجتمع فيهِ العرب، ولهم فيهِ سوق، فكان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج إليهم، فيدعوهم إلى الله عز وجل، وقد كانت الشهب يرمى بها في الجاهلية، وإنما كثرت عندما بعث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وقد قالَ السدي وغيره: إن السماء لم تحرس إلا حيث كانَ في الأرض نبي أو دين لله ظاهر.
-
والمقصود من هذا الحديث هاهنا: أن الشياطين لما مروا بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي بأصحابه صلاة الصبح، وقفوا واستمعوا القرآن. وهذا يدل على أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانَ يجهر بالقراءة في صلاة الصبح، فلما سمعوا عرفوا أنه هوَ الذي حال بينهم وبين خبر السماء.
-
وظاهر هذا السياق: يقتضي أن الشياطين آمنوا بالقرآن، وكذا قالَ
ج ٧ ص ٦٢السدي وغيره.
-
وقد اختلف في الجن والشياطين: هل هم جنس واحد، أو لا؟
فقالت طائفة: الجن كلهم ولد إبليس، كما أن الإنس كلهم ولد آدم.
-
روي هذا عن ابن عباس من وجه فيهِ نظر. وأنهم لا يدخلون الجنة.
-
وروي - أيضاً - عن الحسن، وأنه قالَ: مؤمنهم ولي لله لهُ الثواب، ومشركهم شيطان لهُ العقاب.
وقالت طائفة: بل الشياطين ولد إبليس، وهم كفار ولا يموتون إلا مع إبليس، والجن [ولد] الجان وليسوا الشياطين، وهم يموتون، وفيهم المؤمن والكافر.
-
روي هذا عن ابن عباس بإسناد فيهِ نظر - أيضاً.
-
وقوله: ((وإنما أوحي إليه قول الجن) ) . يشير ابن عباس إلى أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ير الجن، ولا قرأ عليهم، وإنما أوحي إليه استماعهم القرآن منه وإيمانهم به.
-
وقد روي ذَلِكَ صريحاً عنه، أنه قالَ في أول هذا الحديث: ما قرأ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الجن ولا رآهم - ثم ذكر هذا الحديث.
- الحديث الثاني:
- ج ٧ ص ٦٣
ابن عباس، قالَ: قرأ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما أمر، وسكت فيما أمر، وما كانَ ربك نسيا، ولقد كانَ لكم في رسول الله أسوة حسنة.
-
وخرجه الإمام أحمد، عن عبد الصمد بن الوراث، عن أبيه، عن أيوب، عن عكرمة، قالَ: لم يكن ابن عباس يقرأ في الظهر والعصر، قالَ: قرأ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما أمر أن يقرأ فيهِ، وسكت فيما أمر أن يسكت فيهِ، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وما كان ربك نسيا.
-
وهذا يرد قول من تأول كلام ابن عباس أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسر القراءة في بعض صلاته، ويجهر في بعضها، كما نقله الإسماعيلي والخطابي وغيرهما.
-
وقد روي ذلك صريحاً عن ابن عباس من وجوه أخر، قد ذكرنا بعضها فيها سبق في ((باب: القراءة في الظهر) ) ، وذكرنا اختلاف الروايات عن ابن عباس في ذلك.
-
والمراد من تخريج هذا الحديث في هذا الباب: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في صلاة الفجر، ويجهر بالقراءة فيها؛ فإن ابن عباس أخبر أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ فيما يجهر فيه.
-
ولا خلاف بين أحد من المسلمين كان يجهر بالقراءة في صلاة الفجر كلها.
-
فيستفاد من حديث ابن عباس هذا قراءة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلاة الفجر جهراً وهو المقصود في هذا الباب. والله أعلم.