٢٠-باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه
٣٢ فقرة، ج ٨ ص ٢٠٨
- ج ٨ ص ٢٠٨
٩١١ - حدثنا محمد بن سلام: ثنا مخلد: أنا ابن جريجٍ: سمعت نافعا يقول: سمعت ابن عمر يقول: نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يقيم الرجلُ الرجل من مقعده، ثم يجلس فيهِ)) .
قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها.
-
وقد خرّجه البخاري في مواضع متعددة، وفي بعضها زيادة: ((ولكن تفسحوا وتوسعوا) ) .
-
وخرّج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
ج ٨ ص ٢٠٩قال: ((لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الحمعة ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا) ) .
-
وخَّرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم) ) .
-
وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن مقاتل بن حيان، قال: أنزلت هذه الآية – يعني: قوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا} [المجادلة:١١] –في يوم جمعة، وكان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيقٌ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء اناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فسلموا عليه، ثم سلموا على القوم، فقاموا على ارجلهم ينتظرون أن يفسح لهم، فلم يوسع لهم، فشق ذلك على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار –من غير أهل بدر -: ((قم أنت
ج ٨ ص ٢١٠يا فلان، وأنت
يا فلان)) ، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكراهة في وجوههم، وتكلم في ذلك المنافقون، فبلغنا أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((رحم الله رجلاً فسح لاخيه) ) ، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعاً، فيفسح القوم لاخوانهم، ونزلت الآية يوم الجمعة.
-
فظاهر هذا: يدل على أن إقامة الجالس نسخ بهذه الآية، وانتهى الأمر إلى التفسح المذكور فيها.
وقال قتادة: كان هذا للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن حوله خاصة.
-
يشير إلى إقامة الجالسين ليجلس غيرهم؛ فإنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك إكراماً لأهل الفضائل والاستحقاق، وغيره لا يؤمن عليه أن يفعله بالهوى.
-
ويستثنى من ذلك: الصبي، إذا كان في الصف، وجاء رجلٌ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه، كما فعله أبي بن كعب بقيس بن عباد، وقد ذهب اليه الثوري وأحمد، وقد تقدم ذلك.
-
فإن كان الذي في الصف رجلاً، وكان أعرابياً أو جاهلاً، لم يجز تاخيره من موضعه.
قال أحمد: لا أرى ذلك.
-
وفي ((سنن أبي داود) ) ، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((من سبق إلى ما لم
ج ٨ ص ٢١١يسبق اليه أحد فهو أحق به)) .
-
واستثنى بعض الشافعية – أيضاً - ثلاث صور، وهي: أن يقعد في موضع الإمام، أو طريق الناس ويمنعهم الاجتياز، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة.
-
ويستثنى من ذلك، أن يكون المتاخر قد ارسل من ياخذ له موضعاً في الصف، فاذا جاء الجالس وجلس الباعث فيه. وقد ذكره الشافعي وأصحابنا وغيرهم.
-
وروي عن ابن سيرين، أنه كان يفعله.
-
واما إن قام احد من الصف تبرعاً واثر الداخل بمكانه، فهل يكره ذلك، أم لا؟ أن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره، وإن انتقل إلى ما دونه فكرهة الشافعية.
-
وقال أحمد فيمن تاخر عن الصف الأول، وقدم اباه فيه: هو يقدر أن يبرَّ أباه بغير هذا.
-
وظاهره: الكراهة، وأنه يكره الإيثار بالقرب.
-
وأم الموثر، فهل يكره له أن يجلس في المكان الذي اوثر به؟ فيهِ قولان
ج ٨ ص ٢١٢مشهوران.
-
أشهرهما: لا يكره، وهو قولُ أصحابنا والشافعية وغيرهم.
-
والثاني: يكره، وكان ابن عمر لا يفعل ذلك، وكذلك أبو بكرة.
-
وخَّرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر، قال: جاء رجل إلى
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقام له رجل من مجلسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وخرّج أحمد وأبو داود من حديث أبي بكر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معناه –أيضاً.
-
ولو بادر رجلٌ وسبق المؤثر إلى المكان، فهل هو أحق به من الموثر، أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم.
-
وأما من فسح له في مجلسٍ اوصفٍ، فلا يكره له الجلوس فيه.
-
وفي مراسيل خالد بن معدان، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((إذا جاء أحدكم
ج ٨ ص ٢١٣إلى المجلس، فوسع له، فليجلس؛ فإنها كرامة)) .
-
خرّجه حميد بن زنجوية.
-
فإن كان في جلوسه تضييق على الناس، أو لم يصل إلى المكان الا بالتخطي، فلا يفعل.
-
وقد روي عن أبي سعيدٍ الخدري، أنه أوذن بجنازة في قومه، فتخلف حتى جاء الناس واخذوا المجالس، ثم جاء بعد، فلما رآه القوم توسعوا له، فقال: لا؛ إني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ((إن خيرٌ المجالس أوسعها) ) ، ثم تنحى فجلس في مجلس واسع.
-
وخَّرج أبو داود منه المرفوع فقط.
-
وروى الخرائطي –بإسناد فيه جهالة -، عن أبي هريرة –مرفوعاً -: ((لا توسع المجالس إلا لثلاثة: لذي علم لعلمه، وذي سن لسنه، وذي سلطان لسلطانه) ) .
-
ودخل خالد بن ثابت الفهمي المسجد يوم الجمعة، وقد امتلأ من الشمس، فرآه بعض من في الظل، فأشار اليه ليوسع له، فكره أن يتخطى
ج ٨ ص ٢١٤الناس إلى ذلك الظل، وتلا: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان:١٧] ، ثم جلس في الشمس.
-
خرّجه حميد بن زنجويه.
-
٢١ -