٥- باب فضل الصلاة لوقتها
٧٢ فقرة، ج ٤ ص ٢٠٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ٤ ص ٢٠٧
٥٢٧ - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك: ثنا شعبة، قال: الوليد بن العيزار أخبرني، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: ثنا صاحب هذه الدار - وأشار إلى دار عبد الله -، قال: سألت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها) ) . قال: ثم أي؟ قال: ((ثم بر الوالدين) ) . قال: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله) ) . قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزداني.
-
وخرجه بهذا الإسناد بعينه في " كتاب البر والصلة" .
-
وخرجه أول " الجهاد" من طريق مالك بن مغول، عن الوليد، به، ولفظه: سألت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي العمل أفضل؟ قال: قال: ((الصلاة على ميقاتها) ) – وذكر باقيه بمعناه.
-
وفي رواية لمسلم من حديث أبي يعفور، عن الوليد - بهذا الإسناد -، قلت: يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: ((الصلاة على
ج ٤ ص ٢٠٨مواقيتها)) – وذكر باقية.
-
وهذه الألفاظ متقاربة المعنى أو متحدة؛ لأن ما كان من الأعمال أحب إلى الله فهو أفضل الأعمال، وهو أقرب إلى الجنة من غيره؛ فإن ما كان أحب إلى الله فعامله أقرب إلى الله من غيره، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يرويه عن ربه، قال: ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ) – وذكر الحديث.
-
خرجه البخاري في " الرقاق" من " كتابه" هذا.
وقال عمر بن الخطاب: أفضل الأعمال أداء ما فرض الله.
-
وكذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته.
-
فدل حديث ابن مسعود هذا على أن أفضل الأعمال وأقربها إلى الله وأحبها إليه الصلاة على مواقيتها المؤقتة لها.
-
وقد روي في هذا الحديث زيادة، وهي: ((الصلاة في أول وقتها) ) ، وقد خرجها ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحهما" والحاكم والدارقطني من طرق متعددة.
-
ورويت من حديث عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، [و] من حديث علي بن حفص المدائني، عن شعبة، ورويت عن شعبة من وجه
ج ٤ ص ٢٠٩آخر، وفيه نظر، ورويت من وجوه أخر.
-
واستدل بذلك على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، كما استدل لحديث ام فروة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة لأول وقتها) ) .
-
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.
-
وفي إسناده اضطراب -: قاله الترمذي والعقيلي.
-
وقد روي نحوه من حديث ابن عمر، إلا أن إسناده وهم، وإنما هو حديث أم فروة -: قاله الدارقطني في " العلل" .
-
وروي نحوه من حديث الشفاء بنت عبد الله.
-
وفي قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((الصلاة على وقتها - أو على مواقيتها) ) : دليل – أيضا - على فضل أول الوقت للصلاة؛ لأن " على " للظرفية، كقولهم: ((كان كذا على عهد فلان) ) ، والأفعال الواقعة في الأزمان المتسعة عنها لا تستقر فيها، بل تقع في جزء منها، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت فقد صار الوقت كله ظرفاً لها حكماً.
-
ولهذا سمى المصلي مصليا في حال
ج ٤ ص ٢١٠صلاته وبعدها أماحقيقة أو مجازاً على اختلاف في ذلك، وأماقبل الفعل في الوقت فليس بمصل حقيقة ولا حكماً، وإنما هو مصل بمعنى استباحة الصلاة فقط، فإذا صلى في أول الوقت فإنه لم يسم مصلياً إلا في آخر الوقت.
-
وقوله: ((ثم بر الوالدين) ) لما كان ابن مسعود له أم احتاج إلى ذكر بر والديه بعد الصلاة؛ لأن الصلاة حق الله وحق الوالدين متعقب لحق الله عز وجل، كما قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان:١٤] .
-
وقوله: ((ثم الجهاد في سبيل الله) ) ؛ لأن الجهاد فرض كفاية، والدخول فيه بعد قيام من سقط به حق فرض الكفاية تطوع إذا لم يتعين بحضور العدو، ولهذا تقدم بر الوالدين على الجهاد إذا لم يتعين، كما قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمن أراد أن يجاهد معه: ((إلك والدان؟) ) قال: نعم. [قال] : ... ((ففيهما فجاهد) ) – وفي رواية: ((فأمره أن يرجع إليهما) ) .
-
فذكر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لابن مسعود أن أفضل الأعمال القيام بحقوق الله التي فرضها على عباده فرض، وأفضلها: الصلاة لوقتها، ثم القيام بحقوق عباده، وأكده بر الوالدين، ثم التطوع بأعمال البر، وأفضلها الجهاد في سبيل الله.
-
وهذا مما يستدل به الإمام أحمد ومن وافقه على أن أفضل أعمال التطوع الجهاد.
فإن قيل: فقد روي خلاف ما يفهم منه ما دل عليه حديث ابن مسعود هذا؛ ففي ... " الصحيحين" ، عن أبي هريرة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل: أي
ج ٤ ص ٢١١الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله) ) . قيل: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله) ) . قيل: ثم أي؟ قال: ((حج مبرور) ) .
-
وفيهما – أيضا - عن أبي ذر، أنه سأل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله، والجهاد في سبيله) ) .
-
ولم يذكر في هذين الحديثين الصلاة ولا بر الوالدين، وروي نصوص أُخر بأن الجهاد أفضل الأعمال مطلقاً، وروي ما يدل على أن أفضل الأعمال ذكر الله عز وجل، وجاء ذلك صريحاً عن جماعة كثيرة من الصحابة – رضي الله عنهم -.
-
قيل: هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوها غير مرضية.
-
فمنهم من قال: أراد بقوله: " أفضل الأعمال كذا" أي: أن ذلك من أفضل الأعمال، لا أنه أفضلها مطلقاً.
-
وهذا في غاية البعد.
-
ومنهم من قال: أجاب كل سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصة كما خص ابن مسعود بذكر الوالدين لحاجته إليه، ولم يذكر ذلك لغيره.
-
لكن أبو هريرة كانت له أم – أيضا.
-
وظهر لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد الله
- وفضله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فنقول:
-
لا ريب أن أفضل الأعمال ما افترضه الله على عباده، كما ذكرنا الدليل عليه في أول الكلام على هذا الحديث، وأولى الفرائض الواجبة على العباد وأفضلها الإيمان بالله ورسوله، تصديقاً بالقلب، ونطقاً باللسان، وهو النطق بالشهادتين، وبذلك بعث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأمر بالقتال عليه، وقد سبق ذلك مبسوطا في " كتاب الإيمان" .
-
ثم بعد ذلك: الإتيان ببقية مباني الإسلام الخمس التي بني عليها، وهي: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
-
وقد كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمر من يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أولاً إلى الشهادتين، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الصيام، ثم إلى الزكاة، كما أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن، وكان يعلم من يسأله عن الإسلام مبانيه الخمس، كما في حديث سؤال جبريل عليه السلام له عن الإسلام، وكما في حديث طلحة، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم الأعرأبي الذي سأله عن الإسلام المباني.
-
فإذا تقرر هذا، فقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث أبي هريرة لما سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله) ) فهذا وجه ظاهر، لا إشكال فيه؛ فإن الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقاً، وسمى الشهادتين مع التصديق بهما عملاً، لما في ذلك من عمل القلب واللسان.
-
وقد قرر البخاري ذلك في " كتاب الإيمان" وسبق الكلام عليه في موضعه.
-
وقوله في حديث أبي هريرة: ((ثم الجهاد في سبيل الله) ) ، وفي حديث أبي ذر: "والجهاد" - بالواو - يشهد له أن الله قرن بين الإيمان به وبرسوله
ج ٤ ص ٢١٣والجهاد في سبيله في مواضع، كقوله تعالى: ? {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} ، وقوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [الصف: ١٠، ١١] الآية.
-
فالإيمان بالله ورسوله: التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان. والجهاد هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسنان، بعد دعائهم بالحجة والبيان، ولهذا يشرع الدعاء إلى الإسلام قبل القتال.
-
وقد قيل: إن الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين على المسلمين كلهم، لا يسع أحداً التخلف عنه، كما قال تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة: ٤١] ، ثم بعد ذلك رخص لأهل الأعذار، ونزل قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: ١٢٢] ، روي ذلك عن ابن عباس وغيره، وحينئذ فيحتمل جعل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين:
أحدهما: أن يقال: إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان، وقريناً له، فلما نزلت الرخصة وصار الجهاد فرض كفاية تاخر عن فرض الأعيان.
-
وقد اختلف ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في عد الجهاد
ج ٤ ص ٢١٤من فرائض الإسلام، فعده عبد الله بن عمرو منها بعد الحج، وأنكر ذلك ابن عمر عليه، وقال: فرائضه تنتهي إلى الحج.
-
وقد روى اختلافهما في ذلك أبو عبيد في " كتاب الناسخ والمنسوخ" وغيره.