٥-باب الغسل مرة واحدة
٣١ فقرة، ج ١ ص ٢٦٤
- ج ١ ص ٢٦٤
٢٥٧ - نا موسى بن إسماعيل: نا عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قالَ: قالت ميمونة: وضعت للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثُمَّ أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح [يده] بالأرض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه.
-
مراده بهذا الحديث في هذا الباب: أن ميمونة حكت غسل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عدداً؛ إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل - مع شك الراوي: هل كانَ غسلهما مرتين أو ثلاثاً، وهذا الشك هو من الأعمش كما سيأتي بيانه في رواية أخرى، إن شاء الله تعالى -، واطلقت الغسل في الباقي، فظاهره: أنه لم يكرر غسل شيء من جسده بعد ذَلِكَ، لا في الوضوء ولا في الغسل بعده.
-
ولكن قد خرج البخاري هذا الحديث - فيما بعد -، عن محمد بن محبوب، عن عبد الواحد، عن الأعمش، به، وقال فيهِ - بعد غسل وجهه ويديه -: ((ثم غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده) ) .
- ج ١ ص ٢٦٥
وخرجه في مواضع أخر، من طرق أخرى، عن الأعمش، وذكر فيها: غسل رأسه - ولم يذكر عدداً.
-
وقد تقدم: أن وكيعاً رواه عن الأعمش، وذكر فيهِ: غسل وجهه ويديه ثلاثاً، وأفاض على رأسه ثلاثاً.
-
وخرجه عنه الإمام أحمد.
-
وقد روى مسلم في ((صحيحه) ) من حديث عيسى بن يونس، عن الأعمش في هذا الحديث، أنه أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه.
-
وعلى هذه الروايات: إنما ينبغي أن يدخل هذا الحديث في الباب الماضي.
-
وقد أختلف العلماء في استحباب غسل البدن كله في الغسل من الجنابة ثلاثاً:
فمنهم: من استحبه، وهو قول إسحاق بن راهويه وكثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة.
-
وروى وكيع في ((كتابه) ) ، عن أبي مكين، عن أبي صالح مولى أم هانيء، عن أم هانىء، قالت: إذا اغتسلت من الجنابة فاغسل كل عضو ثلاثاً.
-
أبو صالح، هوَ باذان، وهو ضعيف جداً.
-
ورواه سمويه الحافظ: نا أحمد بن يحيى بن زيد بن كيسان: نا يزيد بن ذريع، عن أبي مكين، عن أبي صالح: حدثتني أم هانيء، قالت: قالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إذا أغتسل أحدكم فليغسل كل عضو منه ثلاث
ج ١ ص ٢٦٦مرات)) - يعني: الجنابة.
-
ورواية وكيع للموقوف أصح.
-
وروى الفضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، أن رجلاً سأله عن الغسل من الجنابة، فقالَ: ثلاثاً. فقالَ الرجل: إن شعري كثير، فقالَ: رسول الله كانَ أكثر شعراً منك وأطيب.
-
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه.
-
وعطية، هوَ العوفي، فيهِ ضعف مشهور.
-
[ولعله أراد الثلاث في] غسل الرأس؛ ولهذا قالَ لهُ السائل: إن شعري كثير.
-
وقد خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة) ) لهُ، عن فضيل ابن مرزوق، عن عطية، قالَ: سأل رجل أبا سعيد الخدري: كم يكفي لغسل رأسه؟ قالَ: ثلاث حفنات - وجمع يديه - وذكر بقية الحديث.
-
ومما يستدل به تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة: ما خرجه أبو داود، من رواية حماد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، في صفة غسل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قالت: وأفرغ على رأسه ثلاثاً،، فإذا فضلت فضلة صبها عليهِ.
-
والمراد: بعد الفراغ من غسل بقية جسده، وإلا لم يكن لقولها: ((فإذا فضلت فضلة) ) معنى.
-
وروى وهيب هذا الحديث، عن هشام، وقال فيهِ: ((ثم أفاض الماء على
جسده، فإن بقي في الإناء شيء أفرغه عليهِ)) .
- ج ١ ص ٢٦٧
ورواه - أيضاً - مبارك بن فضالة، عن هشام - بنحوه.
-
خرجهما ابن جرير الطبري.
وقالت طائفة: لا يستحب تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصرح به المارودي من الشافعية، وأصحاب مالك.
-
وحكى الإمام أحمد، أن ابن عباس كانَ يغتسل من الجنابة سبع مرار.
وقال: هوَ من حديث شعبة - يعني: مولى ابن عباس -، مشهور عنه.
قالَ: وأما حديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإنه كانَ يحفن على رأسه ثلاثاً.
-
وهذا الحديث خرجه أبو داود من رواية ابن أبي ذئب، عن شعبة - وهو: مولى ابن عباس -، أن ابن عباس كانَ إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرات، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني: [كم أفرغت] ؟ قلت: لا أدري، فقالَ: لا أم لك، وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ويقول: هكذا كانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتطهر.
-
وليس في هذه الرواية التسبيع في سوى غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء.
-
ويتحمل أن المراد به: التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر.
- ج ١ ص ٢٦٨
وشعبة مولى ابن عباس، قالَ مالك: ليس بثقة، وقال - مرة -: لا يشبه القراء، وقال أحمد ويحيى: لابأس به، وقال يحيى - مرة -: لايكتب حديثه، وقال النسائي والجوزجاني: ليس بالقوي في الحديث، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً جداً فأحكم لهُ بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به.
-
ونقل حرب عن إسحاق، أنه قالَ في غسل الجنابة: يغسل فرجه ثلاثاً، وإن احتاج إلى الاستنجاء غسل مقعدته ثلاثاً إلى السبع، ولا يزيد على ذَلِكَ، إلا أن لا ينقي.
-
وظاهر هذه الأحاديث: يدل على أن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكتفى بإفاضة الماء على جسده من غير ذَلِكَ.
-
وجمهور العلماء على أن التدلك في الطهارة غير واجب، خلافاً لمالك في المشهور عنه.