٣١- باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
١٢٩ فقرة، ج ٥ ص ٣٩
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٥ ص ٤٩
وهو قول داود، فيما حكاه ابن عبد البر.
- وحكي رواية عن أحمد:
-
قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد: هل ترى بأساً أن يصلي الرجل تطوعاً بعد العصر والشمس بيضاء مرتفعة؟ قال: لا نفعله، ولا نعيب فاعله.
قال: وبه قال أبو حنيفة.
-
وهذا لا يدل على أن أحمد رأى جوازه، بل رأى أن من فعله متأولاً، أو مقلداً لمن تأوله لا ينكر عليه، ولا يعاب قوله؛ لأن ذلك من موارد الاجتهاد السائغ.
-
ومما استدل به من ذهب إلى ذلك: ما رواه هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عن علي، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: (لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة) .
-
خرجه الإمام أحمد وأبو داود.
-
والنسائي، وعنده: (إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية مرتفعة) .
-
وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما) .
-
وثبته ابن المنذر.
-
ووهب بن الأجدع، قال محمد بن يحيى الذهلي: ليس بمجهول؛
- ج ٥ ص ٥٠
قد روى عنه الشعبي – أيضا.
-
واحتجوا - أيضا - بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ركعتين بعد العصر.
-
وقد خرجه البخاري فيما بعد.
-
وخرج النسائي من حديث أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: (إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة) – يعني: جوف الليل – (فكن؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة إلى طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان) – وذكر الحديث، وقال فيه: (ثم الصلاة مشهودة) – يعني: بعد أن يفئ الشيطان) – وذكر الحديث، وقال فيه: (ثم تغيب بين قرني شيطان) .
-
وخرجه الإمام أحمد – بنحوه من حديث سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال فيه – في ذكر جوف الليل -: (فصل حتى تطلع الشمس) ، وقال فيه: (فإذا فاء الفيء فصل، فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى تدلى الشمس للغروب، فإذا تدلت فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس) .
-
وهذا كله تصريح بجواز الصلاة بعد العصر وبعد الفجر؛ ولكن في هذه الروايات؛ فإن مسلماً خرج حديث عمرو بن عبسة من طريق أبي أمامة عنه، وذكر فيه: أنه أمره أن يقصر عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب.
-
وكذا في أكثر الروايات.
- ج ٥ ص ٥١
وهذه زيادة صحيحة، سقطت في تلك الروايات.
-
وذهب أكثر العلماء إلى النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وهذا هو الثابت عن عمر بن الخطاب، وكان يضرب من صلى بعد العصر، وكذلك روي عن خالد بن الوليد – أيضا -، وهو قول ابن عباس ومعاوية، وروي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة.
-
وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
-
وفي (صحيح مسلم) عن المختار بن فلفل، قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر.
-
وروى الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كره عمر الصلاة بعد العصر، وأنا أكره ما كره عمر.
-
وقد صح عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب كما سبق ذلك من حديث عمر وغيره من الصحابة، الذي رواه عنهم ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة، وأبي
ج ٥ ص ٥٢سعيد، ومعاوية.
-
وخرج مسلم من حديث عمرو بن عبسة، ومن حديث أبي بصرة في الصلاة بعد العصر كحديث معاوية.
-
وأكثر من جعل ما بعد الفجر والعصر وقت نهي حرم الصلاة فيه إلى طلوع الشمس وغروبها في الجملة، وإن أجاز بعضهم في الوقتين الطويلين للتنزيه، روي ذلك صريحاً عن ابن سيرين.
-
وسبب هذا: أن المقصود بالنهي بالأصالة هو وقت الطلوع والغروب؛ لما في السجود حينئذ من مشابهة سجود الكفار في الصورة، وإنما نهى عن الصلاة قبل ذلك سداً للذريعة؛ لئلا يتدرج بالصلاة فيه إلى الصلاة في وقت الطلوع والغروب. وقد جاء ذلك صريحاً عن غير واحد من الصحابة والتابعين.
-
وروى ابن جريج: سمعت أبا سعد الأعمى يخبر، عن رجل، يقال
ج ٥ ص ٥٣له: السائب مولى الفارسيين، عن زيد بن خالد، أن عمر رآه يركع بعد العصر ركعتين، فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يصلي، فلما انصرف قال: دعها يا أمير المؤمنين، فوالله لا أدعها أبداً بعد إذ رأيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصليهما، فجلس إليه عمر، فقال: يا زيد، لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلماً إلى الصلاة حتى الليل، لم أضرب فيهما.
-
وخرجه الإمام أحمد.
-
وفي إسناده رجلان غير معروفين.
-
وروى الليث بن سعد، عن أبي الأسود، عن عروة، أنه قال: أخبرني تميم الداري – أو أخبرت - أن تميماً الداري ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر، فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم أن اجلس، وهو في صلاته، فجلس عمر حتى فرغ تميم من صلاته، فقال لعم: لم ضربتني؟ قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين، وقد نهيت عنهما. قال: فإني قد صليتهما مع من هو خير منك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقال عمر: إنه ليس بي أيها الرهط، ولكني اخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يصلوا فيها، كما وصلوا ما بين الظهر والعصر.
-
خرجه الطبراني.
-
وخرجه الإمام أحمد – مختصراً -، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: خرج عمر على الناس يضربهم على السجدتين بعد العصر، حتى مر بتميم الداري، فقال: لا أدعهما؛
- ج ٥ ص ٥٤
صليتهما مع خير منك، رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقال عمر: لو أن الناس كانو كهيئتك لم أبال.
-
ورواية عروة عن عمر مرسلة.
-
وخرج الحاكم من رواية هشام بن حجير، قال: كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما، فقال: إنما نهي عنهما أن تتخذ سلماً أن يوصل ذلك إلى غروب الشمس.
قال ابن عباس: فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد نهى عن صلاة بعد العصر، وما ندري أتعذب عليه أم تؤجر؛ لأن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب: ٣٦] .
-
وقول من قال: إن النهي عنها كان سداً لذريعة الصلاة في وقت الكراهة الأصلي، فلا يكون محرماً – غير صحيح؛ فإنه إذا ثبت نهي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنها كان نهيه للتحريم، وإن كان معللاً بسد الذريعة، كما نهى عن ربا الفضل معللاً بسد الذريعة لربا النسيئة، وكل منهما محرم، وكما نهى عن شرب قليل ما أسكر كثيرة، لأنه ذريعة إلى السكر، وكلاهما محرم، ونظائر ذلك.
-
والذين حرموا الصلاة بعد الفجر والعصر اتفقوا على تحريم التنفل الذي لا سبب له، وأماما له سبب كتحية المسجد ونحوها فلهم فيه قولان مشهوران: أجازه الشافعي، ومنعه أبو حنيفة ومالك، وعن أحمد فيه روايتان.
-
ولذلك اختلفت الرواية عن مالك فيمن صلى ركعتي الفجر في
ج ٥ ص ٥٥بيته، ثم دخل المسجد: هل يصلي ركعتين، أم لا؟ وأجاز سجود التلاوة في هذا الوقت، وأمابعد صلاة الفجر فلا يفعل عنده شيء من ذلك في المشهور عنه.
-
وعنه رواية أخرى: يفعل سجود التلاوة، وصلاة الكسوف خاصة.
-
وفي (سنن أبي داود) بإسناد فيه نظر، عن ابن عمر، أنه نهى عن سجود التلاوة بعد الصبح، وقال: صليت خلف رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع أبي بكر وعمر وعثمان، فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس.