المبحث الثاني: صفة الناقد

٩٣ فقرة، ج ١ ص ٢٠٣

الصفحة ١ من ٣

  1. نقاد المحدثين هم طائفة التي امتن الله على هذه الأمة بأن يوجدها فيها؛ لتحفظ عليها سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتميز لها ما هو منها وتنفي عنها ما ليس منها.

    قال الخطيب: " لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معا دنها، والنظر في طرقها، لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذا كانت مستخرجه من الآثار المحفوظة، ومستفاد من السنن المنقولة " (١) .

    وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: " أفضل المسلمين رجل أحيا سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أميتت، فاصبروا يا أصحاب السنن رحمكم الله، فإنكم أقل الناس " (٢) .

    قال الخطيب: " قول البخاري: (إن من أصحاب السنن أقل الناس) عنى به الحفاظ للحديث، العاملين بطرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد

    ج ١ ص ٢٠٤صدق رحمه الله في قوله؛ لأنك إذا عتبرت لم تجد بلداً من بلدان الإسلام يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل مصره إليه، ويعولون في فتاويهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه؛ وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاري غضاً طرياً، والارتسام به محبوباً شهياً، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، وقال هذا القول الذي حكيناه عنه، فكيف نقول في هذا الزمان مع عدم الطالب، وقلة الراغب؟ " (١) .

    قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: " فإن قيل: فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عز وجل بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر ومكان " (٢) .

    قلت: فأبان رحمه الله عن كون هذه الطائفة معتبرة بأوصافها فيما يتصل بالدراية بهذا العلم، ليست مقصورة على زمان، ولا محصورة في مكان.

    وقال الخطيب: " أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل، كما أنه لا تقبل الشهادة العدل، ولما ثبت ذلك وجب متى لم تعرف عدالة المخبر والشاهد، أن يسأل عنهما، أو يستخبر عن أحوالهما أهل المعرفة بهما، إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفاً في تزكيتهما، فدل على أنه لا بد منه " (٣) .

    1. (١)الكفاية (ص: ٣٥).
    2. (٢)أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السامع " (رقم: ٩٠) وإسناده لا بأس به.
    3. (١)الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (١/ ١١٢ _ ١١٣). قلت: وماذا عسى أن يقول الخطيب لو أدرك زَمانَنا؟!
    4. (٢)تقدمة الجرح والتعديل (ص: ٢).
    5. (٣)الكفاية (ص: ٧٨).
    ج ١ ص ٢٠٣
  2. ونقد الرواة _ كما تقدم في المبحث السابق _ صورة استثنائية من عمومات المنع من القدح في عرض المسلم، أوجبتها ضرورة حفظ الدين.

  3. وما كان استثناء من أصل؛ وجب في مثله الاقتصار على قدر الاستثناء وعدم مجاوزته بزيادة على ما يتحقق به المقصود.

    ج ١ ص ٢٠٥
  4. ولهذه العلة كان أئمة النقد في غاية الحذر في الحكم على الرواة، وقد اتسمت منهجيتهم في صيغة النقد بخصلتين:

    الأولى: الاقتصار على وصف الراوي بالأوصاف المؤثرة في روايته، كثبت، وحافظ، ومتقن، وثقة، بما يعود إلى ضبطه لحديثه، أو سيئ الحفظ، ولين الحديث، وليس بقوي، بما يرجع إلى سوء حفظه، أو منكر الحديث إلى نكارة حديثه للتفرد بما لا يعرف مع عدم الشهرة بالعلم والصدق، أو متروك الحديث لغلبة الخطأ وفحشه، وهكذا.

  5. فهذا الإمام البخاري جاء عنه قوله: " إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً " (١) .

    1. (١)تاريخ بغداد (٢/ ١٣).
  6. وتراه يستعمل من العبارات في نقد الرواة مثل: (فلان مقارب الحديث، منكر الحديث، ذاهب الحديث، متروك الحديث، فيه نظر، عنده عجائب، سكتوا عنه، ليس بالقوي عندهم، تركوه "، وهكذا.

  7. فهذا وشبهه عبارات تتصل بالراوي بخصوص مرويه، وهي محققة للمقصود دون تعرض إلى ما لا يحتاج إليه من سيرته وحاله، بل ستعلم لاحقاً أن منهاجهم جار على اعتبار الرواة على السلامة في الدين ما لم يبد غير ذلك ببرهان، ويكن بعد بدوه مؤثراً في الراوي في صدقه وأمانته في النقل.

  8. والثانية: الإيجاز في العبارة.

  9. وهذه الخصلة تراها شائعة كثيرة في أحوال الرواة، فتراهم يقولون في

    ج ١ ص ٢٠٦الراوي: " ثقة " لا يفصلون الأسباب التي استوجبت الحكم بثقته؛ لأنهم رأوا هذا الوصف مفيد للتزكية التي تكفي لقبول روايته، ولو ذهب الناقد إلى ذكر أسباب التزكية لطال ذلك ولا ضرورة له.

  10. وجانب التزكية ليس موضع حذر من جهة التوسع في استعمال الألفاظ والإطناب في ذكر أسبابها، وإنما الحذر في ألفاظ الجرح، فإنها قوادح، فترى النقاد اجتهدوا في استعمال الوصف المفيد بكلمة أو كلمتين كون هذا الراوي أهلاً للرواية أو ليس كذلك.

  11. والذي نرجع له سبب ذلك، أنهم حيث بانت اصطلاحاتهم بألفاظهم، فقد أغنت شهرة الاصطلاح عن الإسهاب في ذكر أسباب الجرح، فكانت الزيادة في تلك الألفاظ لا مبرر لها، فتخرج عن حد الاستثناء من الغيبة.

  12. وهذا الاحتياط منهم رحمهم الله أحوج من بعدهم إلى البحث عن مرادهم بكثير من تلك العبارات، خصوصاً عندما يختلفون في راو جرحاً وتعديلاً، كما سيأتي تفصيله.

  13. فإذا لاحظت هذا من طريقتهم علمت مقدار ما كانوا يتصفون به من الورع في الدين، وأنهم لولا الذَّبُّ عن حماه لما تقحموا الكلام في أحد.

  14. ولعسر هذا المقام ومشقته قال الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد: " أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون، والحكام " (١) .

    1. (١)الاقتراح في بيان الاصطلاح (ص: ٣٤٤).
  15. كما أن هذا الجانب لا يتم إلا بأن يكون الناقد أهلاً للنقد، فليس كل أحد يحسن الكلام في النقلة.

  16. وتحرير ذلك بشرح أو صاف الناقد، فإليكها:

    ١ _ صلاح الدين.

    ج ١ ص ٢٠٧
  17. وهذه صفة تقتضي بالضرورة أن يكون مسلماً، ولا يعرف فيمن تعرض لنقد الرواة من كان غير مسلم.

  18. والصلاح يستلزم قدراً من المحافظة والعمل الصالح، أدناه حفظ الفرائض والواجبات، وترك المحرمات.

  19. والمعتبر في الواجب والمحرم ما ليس محل خلاف.

  20. وعليه؛ فلا يقدح في أهلية الناقد أن يذهب مذهباً يحتمله الاجتهاد، سواء كان في قضية علمية أو عملية، ويكون مخطئاً في مذهبه.

  21. ونعني بالقضية العلمية الغلط في بعض فروع الاعتقاد، ولما وقع الاعتذار عنهم بالتأويل؛ لم يكن ذلك مسقطاً لاعتبار كلامهم في التجريح والتعديل:

    [١] عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد المعروف بـ " ابن خراش " (المتوفى سنة: ٢٨٣) .

  22. كان من الحفاظ النقاد العارفين بالحديث وأهله، وكلامه في رواة الحديث يشبه كلام أقرانه الكبار، كأبي حاتم الرازي وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازي.

    قال الحافظ أبو أحمد بن عدي: سمعت عبد الملك بن محمد أبا نعيم يثني على ابن خراش، وقال: " ما رأيت أحفظ منه، لا يذكر له شيء من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه " (١) .

    ج ١ ص ٢٠٨وقال الحافظ أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي: " كان من المعدودين المذكورين بالحفظ والفهم بالحديث والرجال " (١) .

    قلت: ولكن نقم عليه التشيع، بل رمى بكونه رافضياً.

    1. (١)الكامل، لابن عدي (٥/ ٥١٩)، وأبو نُعيم هذا من الأئمة الحُفاظ المُتقنين.
    2. (١)تاريخ بغداد (١٠/ ٢٨١) بإسناد صحيح.
  23. وهذا في التحقيق مما يجب أن يكون من قبيل الخطأ في التأويل، ولا يجري على الإنصاف أن يطرح علمه وصدقه ودرايته لرأي أخطأ فيه، والأئمة الذين جمعوا كلام النقاد في الرجال اعتبروا قوله وقبلوه.

  24. [٢] أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد " ابن حزم " الأندلسي (المتوفى سنة: ٤٥٦) .

  25. الإمام الحافظ الفقيه المحقق صاحب المؤلفات الكثيرة، رأس أهل الظاهر، فضائله كثيرة، وعلمه جم.

  26. لكنه مع وقوفه عند ألفاظ النصوص في الفروع وانتصاره للنص، إلا أنه تجاوزه في أصعب الأمور، وهو باب الاعتقاد، فتكلم بكلام أهل الكلام، فوافقهم في الصفات، وخالف دلالة البرهان، حتى جاءت مقالته فيها شبيهة من بعض الوجوه مقالة جهم بن صفوان، فجرأ بعض من جاء بعده من الأئمة الأعيان لجرحه بذلك:

    قال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي (المتوفى سنة: ٧٤٤) : " طالعت أكثر كتاب " الملل والنحل " لا بن حزم، فرأيته قد ذكر فيه عجائب كثيرة ونقولاً غريبة، وهو يدل على قوة ذكاء مؤلفه وكثرة اطلاعه، لكن تبين لي منه أنه جهمي جلد لا يثبت من معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل، كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا تدل على معنى أصلاً " وشرح طرفاً من ذلك (٢) .

    1. (٢)طبقات عُلماء الحديث، لابن عبد الهادي (٣/ ٣٥٠ _ ٣٥١).
  27. وبين سببه بما يوافقه فيه الحافظ ابن كثير، حيث قال: " كان من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لأنه كان أولاً قد تضلع من علم المنطق .. ففسد بذلك حاله في باب الصفات " (١) .

    1. (١)البداية والنهاية (١٢/ ٥٥٣).
    ج ١ ص ٢٠٩
  28. ومع ذلك فقد اعتد أهل العلم بذكر قوله في الرجال، على خطأ له في ذلك وأوهام.

  29. [٣] أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (المتوفى سنة: ٤٥٨) .

  30. الإمام الكبير الحافظ المحقق، صاحب التصانيف النافعة في علوم الدين، شهرته بالإمامة والمعرفة مغنية عن التفصيل.

  31. كان قد اجتهد في إصابة طريقة أهل الحديث والثبات عليها في العقائد، إلا أنه تأثر بشيخه أبي بكر بن فورك من رءوس أتباع أبي الحسن الأشعري، فوافق أهل الكلام في بعض فروع المسائل الاعتقادية، كمسألة القرآن (٢) وغيرها.

    1. (٢)شرحتُ اعتقاد الأشعرية في القرآن ومُخالفته لعقيدة السلف، في كتابي " العقيدة السلفية في كلام رب البرية "، وخُلاصة ذلك المذهب أنهم يقولون: القرآن كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، إذ هُو كلام نفسيٌّ قائم بذاتِهِ تعالى، ليس هو هذا المؤلف من الحروف باللسان العربي، فهذا إنما هو عبارةٌ عن كلام الله، وليس كلام الله حقيقةً، وهو مخلوق.
  32. ومع ذلك فهو ناقد معتبر القول في الجرح والتعديل وتمييز الرواة.

  33. فهؤلاء الأئمة مثال لكون الخطأ في بعض فروع الاعتقاد بالتأويل لا يؤثر في أهلية الناقد واعتبار قوله.

  34. نعم، يوجب احتياطاً في قبول جرحه أو تعديله عند المعارضة، أي عند اختلاف نقاد المحدثين في راو جرحاً وتعديلاً، لكن ليس هذا من باب كونه معتبر القول جملة أو لا، وهذا الباب هو المقصود هنا بالتقرير.

  35. وأما المخالف تأويلاً في بعض الفروع العملية؛ فهذا أولى بأن يقبل قوله إذا وجدت سائر الصفات الناقد.

    قال الإمام الشافعي: " والمستحل لنكاح المتعة والمفتي بها والعامل بها؛ ممن لا ترد شهادته، وكذلك لو كان موسراً فنكح أمة مستحلاً لنكاحها مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين يداً بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه، وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم وإن خالفنا الناس فيه، فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نجرحهم ونقول لهم: إنكم حلَّلتم ماحرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله عز وجل " (١) .

    1. (١)الأم (٦/ ٢٠٦).
    ج ١ ص ٢١٠
  36. وهذا الذي قاله الشافعي يتنزل على مزكي الشهود وعلى الشهود أنفسم، ولما كانت الرواية أولى من الشهادة في هذا الباب، فهذا الكلام متنزل كذلك على رواة العلم وعلى الذين تعرضوا لنقدهم من الحفاظ، لا يُقْدح على أحد منهم بشيء ذهب إليه بتأويل وشبهة.

  37. ٢ _ حفظ الحديث والمعرفة به وبأهله.

  38. وهذان في التحقيق وصفان من باب واحد، فالناقد يحتاج إلى خبرة ودراية بالمروي ليقايس به ويبني

    على وفقه موافقة ومخالفة تمييز حال الراوي، ولا تتهيأ له تلك المعرفة دون سعة حفظ واطلاع على الأسانيد والمتون، إضافة إلى دراية بمواضع الاتفاق منها والافتراق، وهذا يستلزم معرفة بجانب من فقهها معانيها، على ما ستعلمه من الفصول التالية في شرح منهج النقد.

  39. ووقع من جرى أهل العلم على اعتماد قوله في (الجرح والتعديل) شاهد على مراعاة هذه الصفة في الناقد.

    ج ١ ص ٢١١
  40. يصدق ذلك: أن الناقد يسعى إلى إثبات عدالة الراوي وضبطه، فإن كان فاقداً للعدالة أو الضبط في نفسه فكيف يقدر على الحكم على غيره، فأما عدالته فكما مر في بيان الصفة الأولى، وأما الضبط فمن كان كثير الخطأ في نقله وعلمه، أو ضعيفاً، أو متهماً بكذب، فهذا قد سقط بسقوط درايته بحديث نفسه، فكيف يدري حديث غيره فيتمكن على وفق درايته من نقده؟!

    قال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد (يعني ابن حنبل) : عمير بن سعيد؟ قال: " لا أعلم به بأساً " ، قلت له: فإن أبا مريم قال تسلني عن عمير الكذاب؟ قال: وكان عالماً بالمشايخ، فقال أحمد: " حتى يكون أبو مريم ثقة " (١) ؟.

    1. (١)سؤالات أبي داود (النص: ٣٤٢).