مسائل:

٦٠ فقرة، ج ١ ص ٢٨

الصفحة ٢ من ٢

  1. وذلك كقول أبي سعيد الخدري: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه، إلا أن يأمروا رجلاً فيقرأ عليهم سورة، أو يقرأ رجلٌ سورة من القرآن (٢) .

    1. (٢)أثرٌ صحيح. أخرجه ابنُ سعد في " الطبقات " (٢/ ٣٧٤) أخبرنا أبو داود الطيالسي. والحاكم (١/ ٩٤ رقم: ٣٢٢) _ وعنه البيهقي في " المدخل " (رقم: ٤١٩) _ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن علي بن الحَكم، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، به. وقال الحاكم: " حديث صحيح على شرط مسلم ". قلت: إسناده صحيح. ورواه عفان بن مسلم عن شعبة، به مختصراً، ولم يذكر أبا سعيد، أخرجه الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (رقم: ٩٤٨) و " الجامع لأخلاق الراوي " (رقم: ١٢٠٧). وهو بذكْر أبي سعيد أصح.
    ج ١ ص ٣٥
  2. المسألة السادسة: الصحابيُّ إذا حدث عن شيء ممَّا كان منهم على حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ليس فيه اطِّلاعُهُ صلى الله عليه وسلم ولا إقراره، فهذا ممَّا اختلفوا فيه:

    هو موقوف، في قول الحاكم (٣) . قصة

    وهذا مثل ما جاء في قصة عمرو بن سلِمة الجرمي، حين حدَّث عن أبيه قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقاً، فقال: " صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلُّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً " ، قال عمرو: فنظروا فلم يكن أكثر قرآناً مني، لما كنت أتلقَّى من الرٌّكبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت

    ج ١ ص ٣٦امرأة من الحي: ألا تغطُّون عنا است قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١) .

    1. (٣)معرفة علوم الحديث (ص: ١٩).
    2. (١)أخرجه البُخاري (رقم: ٤٠٥١).
  3. فهذا الحديث دل عند طائفة من أهل العلم على صحة إمامة الصبي، وحقيقة الأمر أن صنيع القوم في تقديم عمرو مع صغره ليس في الرِّواية أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وعلم به فأقرَّه.

  4. غير أن محقق القولين: أن ما جاء منقولا فعله عن أحد من الصحابة في حياة النبي الله عليه وسلم فهو مرفوع حكماً، ودليل يحتج به، وهو لاحق بالتَّشريع التقريريِّ، وذلك من أجل أن الله تعالى مطلع، والوحي ينزل، وكم نزل في القرآن في أشياء من أحوال الناس يومئذ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها إلا حين ينزل الوحي بخصوصها؟

  5. ويشهد لهذا ما صح عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتقي كثير من الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مخافة أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلمنا (٢) .

    1. (٢)حديث صحيح. أخرجه أحمد (٩/ ٢١٣ رقم: ٥٢٨٤) واللفظ له، والبُخاري (رقم: ٤٨٩١) وابن ماجة (رقم: ١٦٣٢) من طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، به.
  6. المسألة السابعة: حكم تفسير الصحابي للقرآن.

  7. إذا كان يتصل بسبب نزول، فهو حديث مسند، وإن لم يكن يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم (٣) ، من أجل أن النزول كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1. (٣)معرفة علوم الحديث (ص: ٢٠)، وانظر كتابي: المقدمات الأساسية في علوم القرآن (ص: ٤٥).
  8. وإن كان بيانا لمعنى، فهو موقوف، إلا أن يكون خبراً لا يقال مثله من قبل الرأي والا جتهاد، فهذا يكون مرفوعاً حكماً بشرط أن يؤمن كونُ

    ج ١ ص ٣٧ذلك الصحابي لم يؤخذ عن أهل الكتاب، على ما تقدم بيانه في (المسألة الرابعة) .

  9. المسألة الثامنة: الحديث القدسيُّ.

  10. هو لقب شاع للمتأخرين فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه.

  11. وتعريفه المحقَّقُ له أنه: الحديث المرفوع القولي المسند من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله.

  12. وهذه ميِّزه عن القرآن، من جهة أن قرآن لا يقال فيه (حديث مرفوع) ، و (القولي) ميَّزه من سائر أنواع المرفوع، والنسبة إلى الله أخرجته من عموم المرفوعات القولية التي هي مما أنشأه النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظه.

  13. مثاله: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " (١) .

    1. (١)متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٥٤٩، ٥٨٢٧، ٥٨٢٨، ٧٠٥٣) ومسلم (رقم: ٢٢٤٦).
  14. ومن المتأخرين من قال في تعريف (القدسي) : (ما كان معناه من الله تعالى، ولفظه من النبي صلى لله عليه وسلم) ، وهذا فيما أرى خطأ لا مستند له إلاِّ إرادة تمييزه عن القرآن حاصل بالتعريف الذي ذكرته آنفاً، وهو المتفق مع صريح عبارة الرفع النَّبويِّ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث القدسي: (قال الله) ، وهذا صريح منه صلى الله عليه وسلم في نسبة القول والذي هو الألفاظ ذاتها إلى الله، ولم يردنا في شيء من النقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصرف في ألفاظ ما يقول فيه: (قال الله عز جل) ممَّا يحدث به عن ربه سوى القرآن.

  15. ثم إنه يرد على قولهم: (ومعناه من الله) دخول عموم السنة في ذلك، فإن

    ج ١ ص ٣٨السنن شرائعُ الله أوحاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن، عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ نفسه، كما قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إِنْ هُو إِلاَّ وحي يوحى} [النجم: ٤، ٣] ، فإن جعلنا الحديث القدسي كذلك لم نميزه عن سائر نصوص السنن المنشأة ألفاظها من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وألغينا فائدة التميز الحاصلة من قبل قوله صلى الله عليه وسلم في القدسي: (قال الله) .

  16. تنبيهات حول الحديث القدسي:
  17. التنبيه الأول: قد تأتي صيغة الإضافة في الرواية غير صريحة، وذلك مثل:

    ما رواه بعض الرواة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفعه: " إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير: يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه " (١) .

    1. (١)أخرجه البزار (رقم: ٧٨١ _ كشف) قال: حدثنا أحمد بن أبان القرشي، حدثنا عبد العزيز بن مُحمد الدراورْدي، عن عمْرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، وبه. قلت: وإسناده حسن، وقال ابنُ حجر في " النُّكت على ابن الصلاح " (٢/ ٥٣٩): " حديث حسنٌ، رُواته من أهل الصدق ". والحديث أخرجه أحمد (١٤/ ٣٤٥ رقم: ٨٧٣١) قال: حدثنا أبو أسامة (وهو منْصور بن سلمة). والحارث بن أبي أسامة في " مسنده " (رقم: ٢٥٥_ بُغية) قال: حدثنا خالد بن خِداش، كلاهما عن عبد العزيز ، به. لكن فيه: (قال الله عزوجل) بدل (رفعه). وكذلك أخرجه أحمد (١٤/ ١٩٠ / ١٩١ رقم: ٨٤٩٢) والبيهقي في " الشعب " (٤/ ١١٨ رقم: ٤٤٩٤) من طريق يزيد بن الهاد، عن عمْرو به.
  18. التنبيه الثاني: لكون الأحاديث القدسية منقولة بطريق الآحاد، فإنها يعتريها ما يعتري سائر ألفاظ أحاديث الآحاد من أداء بعض الألفاظ بالمعنى، أو باختلاف يسير في اللفظ، وبزيادة بعض الرواة على بعض فيها، وليس ذلك بالكثير.

  19. التنبيه الثالث: يغلب على صفة الحديث القدسي التذكير والموعظة، لا إثبات الأحكام، وإن كان ربما دلَّ على الحكم.

    ج ١ ص ٣٩
  20. التنبيه الرابع: الأحاديث القدسية الصحيحةُ ليست كثيرة، وصنِّف في جمعها مصنَّفات، اشتملت على الصحيح والسقيم من جهة الإسناد، ولما كان بابها المواعظ كثر فيها الواهي والموضوع.