المبحث الثالث: طريق إثبات عدالة الراوي
٤٩ فقرة، ج ١ ص ٢٤٤
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٤٤
راوي الحديث قد يكون ممن عرف شأنه وتبينت سيرته بما اشتهر به من العلم أو الصلاح والعبادة أو الحكم أو غير ذلك، لكن أكثر الرواة لم يعرفوا إلا في سياق ما رووه من الحديث، وهؤلاء فيهم المكثر من الرواية، وفيهم المقل، وفيهم من اشتهر بكثرة من حمل عنه الحديث، وفيهم من لم يرو عنه إلا النفر اليسير، وفيهم من لم يرو عنه إلا راو واحد.
-
وبهذه الاعتبارات المختلفة فإن إثبات العدالة بمعناها المتقدم للراوي، وهو الإسلام واستقامة الظاهر، لا سبيل له إلا اعتماد رواية الراوي عنه كتعريف نسبي به، يثبت به وجوده، ويدل على كونه جار على أصل السلامة والاستقامة في الدين ما لم يحفظ عليه قادح.
- وعليه فيمكن تقسيم الرواة إلى قسمين:
-
القسم الأول: من علمنا دينه وقدر استقامته من خلال سيرته المنقولة إلينا بالطرق المعتبرة، كأبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم ممن عرفت سيرهم واستقرت بذلك عدالتهم، وكسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وأبي حنيفة ومالك بن أنس وسفيان الثوري وشعبة بن الحجاج والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الأمة
ج ١ ص ٢٤٥المستقرة عدالتهم بما عرف من سيرهم في العلم والعبادة والزهد، وهكذا عامة من حفظت عنهم الأخبار في بيان أحوالهم، فدلتا على منزلتهم في العدالة، ومكانتهم في الديانة حتى أغنى ذلك عن تتبع أمرهم والبحث عن درجاتهم، وفي بعض النقلة وإن كانوا قلة من حفظ لنا من سيرهم ما يفيد الجرح في العدالة، كالذي نقل لنا من سير بعض الأمراء وما ذكروا به من الظلم كبسر بن أرطاة (١) ، والحجاج الثقفي.
- (١)ولا صُحبة له على التحقيق، وكان ظالماً جائراً.
-
والقسم الثاني: من لم يعرف من سيرته المنقولة ما يساعد على إثبات عدالته، وليس لدينا من أمره إلا راويته الحديث، وهؤلاء هم أكثر الرواة كما تقدم.
-
فهذا قد اعتبر لإثبات عدالته: ثقة الراوي عنه مع صحة الإسناد إليه.
-
فكأنهم قالوا: الأصل في الراوي الإسلام، والأصل في المسلم: العدالة، والفسق عارض، فحيث لم ينقل في حق الراوي فهو عدل.
-
لكن اختلفوا هنا: هل يكفي لإثبات هذه العدالة أن يروي عنه واحد، أم يشترط أن يكون اثنان فصاعداً؟ على مذهبين:
المذهب الأول: تثبت العدالة بأن يروي عن الراوي من هو معروف بالثقة والعلم والتثبت في الأخذ، دون اعتبار عدد.
قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفاً؟ إذا روى عنه كم؟ قال: " إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول " ، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق قال: " هؤلاء يروون عن مجهولين " (٢) .
ج ١ ص ٢٤٦قلت: هذا قد اعتبر فيه ابن معين تثبت الراوي في الأخذ واحتياطه في عدم الرواية عمن لم يعرف، فأما من لم يكن يبالي عمن روى فلا تثبت بروايته العدالة وإن كان ثقة.
- (٢)شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي (١/ ٨١ _ ٨٢).
-
ومثله في المعنى ما نقله أبو داود السجستاني قال: قلت لأحمد (يعني ابن حبان) : إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يحتج بحديثه؟ قال: " يحتج بحديثه " (١) .
- (١)سؤالات أبي داود لأحمد (النص: ١٣٧).
-
وهذا المذهب جرى عليه عمل الشيخين البخاري ومسلم في الاحتجاج بحديثه من لم يرو عنه إلا واحد من الصحابة، لكن ثبوت العدالة المطلقة للصحابة يخرجهم عن سائر الرواة، ويأتي ذلك.
-
وهو مذهب ابن حبان أيضاً، جرى عليه في " ثقاته " كما سيأتي في مبحث خاص، لكنه توسع فجعل مجرد رواية الثقة وإن لم يعرف بالاحتياط في الأخذ تعديلاً.
-
والمذهب الثاني: أن يروي عنه اثنان فأكثر.
-
وهذا المذهب جاء عن الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، قال: " إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة " (٢) .
- (٢)الكفاية، للخطيب البغدادي (ص: ١٥٠) وإسناده صحيح.
-
وقد نسبه الحاكم والبيهقي إلى البخاري ومسلم فيمن خرجا حديثه في كتابيهما، وبينت خطأ ذلك في الكلام على شرط الشيخين، وأن الصحيح أنهما أخرجا حديث من لم يرو عنه إلا واحد واحتجابه من الصحابة خصوصاً.
-
وكذلك قال ابن عدي في ترجمة (سعيد بن أبي راشد) : " لا أعلم يروي عنه غير مروان الفزاري، وإذا روى عنه رجل واحد كان شبه مجهول " (٣) .
ج ١ ص ٢٤٧وقال في (أبي الجهم الإيادي) راوي حديث: " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار " : " مجهول، لم يحدث عنه غير هشيم، وليس له إلا هذا الحديث الواحد " (١) .
- (٣)الكامل، لابن عدي (٤/ ٤٤٢).
- (١)الكامل (٥/ ١٣٦).
-
فجعل رواية الواحد عن رجل وإن كان ذلك الواحد ثقة لا ترفع عنه الجهالة.
وقال أبو عبد الله بن منده: " من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهوراً، مثل الشعبي وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهوراً واحتج به " (٢) .
قلت: وهذا إذا قاله في الصحابي، فهو عنده في غيره أولى في إثبات الجهالة برواية الواحد.
- (٢)شروط الأئمة الستة، لابن طاهر المقدسي (ص: ٩٩ _ ١٠٠) قلت: وقوله: واحتج به " غيرُ مسلم إذا أجريناه في غير الصحابة حتى يتوفَّر شرط الضبط.
-
وهذا القول لم يشترط عدالة الرجلين.
-
وذكر الدارقطني (خشف بن مالك) ، فقال: " هو رجل مجهول، ولم يرو عنه إلا زيد بن جبير، وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر يتفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلاً مشهوراً، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفاً، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره " (٣) .
- (٣)سنن الدارقطني (٣/ ١٧٤).
-
واختاره الخطيب، لكن قيده، فقال: " أقل ما ترتفع به الجهالة: أن يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم " (٤) .
- (٤)الكفاية، للخطيب (ص: ١٥٠).
- ج ١ ص ٢٤٨
وهذا القيد: (أن يكون من روى عنه مشهوراً بالعلم) ينبغي أن يراد به الثقة، فالشهرة بالعلم والرواية مع الكذب والوهاء لا خير فيها.
-
سأل عثمان الدارمي يحيى بن معين قال: قلت: عطاء بن المبارك، تعرفه؟ فقال: " من يروي عنه؟ " ، قلت: ذاك الشيخ أحمد بن بشير، فقال: " هه! " كأنه يتعجب من ذكر أحمد بن البشير، فقال: " لا أعرفه " ، قال عثمان: " أحمد بن بشير كان من أهل الكوفة، ثم قدم بغداد، وهو متروك " (١) .
- (١)تاريخ الدارمي (النص: ٦٦٤).
-
ومثاله أيضاً (أبان الرقاشي) والد يزيد، قال فيه ابن عدي: " لا يحدث عنه غير ابنه يزيد بالشيء اليسير، ومقداره ما يرويه ليس بمحفوظ، على أن له مقدار خمسة أو ستة أحاديث مخارجها مظلمة " (٢) .
- (٢)الكامل، لابن عدي (٢/ ٦٩).
-
وهكذا قال ابن حبان: " الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به؛ لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن حد المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان " (٣) .
- (٣)المجروجين، لابن حبان (١/ ٣٢٧ _ ٣٢٨).
-
وهذا النمط من المجهولين يتفرد عن أحدهم الراوي المجروح جهالة أحدهم جهالة عين في الرواية.
- والراجح:
-
صحة اعتبار المذهبين في عموم الرواة عدا الصحابة (٤) ، على التفصيل التالي:
١ _ تثبت العدالة للراوي إذا روى عنه اتصالاً من كان متثبتاً في الأخذ، وإن كان واحداً.
- (٤)لعدالة الصحابة تأصيلاً، وأن مجهولهم مقبول الرواية تحقيقاً.
- ج ١ ص ٢٤٩
٢ _ من لم يعرف بالتثبت في الأخذ وإن كان ثقة، لا تثبت العدالة بروايته حتى يوافقه في الحمل عن ذلك الراوي غيره ممن يصلح الاعتداد به، أو يدل اختبار حديثه على حفظه فيقوم ذلك مقام العدد، كما سيأتي في (المبحث التاسع) .
-
٣ _ من لم يرو عنه إلا راو مجروح، فهو مجهول، ولا يحكم بعدالته بذاك، من جهة الريبة في إثبات شخصه أصلاً، وهو (مجهول العين) .
-
ويلحق بهذا المبحث مسائل:
[المسألة الأولى: هل ارتفاع الجهالة إثبات للعدالة؟]
-
نعم؛ هو إثبات للعدالة الدينية، أو ما اصطلح عليه بعض المتأخرين بـ (العدالة الظاهرة) ، وهي: الإسلام، والسلامة من القادح في الدين.
-
وأطلق الخطيب أن ارتفاع الجهالة برواية اثنين لا يعني ثبوت العدالة، فقال: " إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه " ، ورد قول من ذهب إلى أنها تثبت له (١) .
قلت: وهذا صحيح بالنظر إلى إرادة العدالة الموجبة لقبول الراوية، وهي التي تحقق فيها: العدالة الدينية وضبط الراوي، فهذه العدالة لا تثبت للراوي بارتفاع جهالته، ولكن يثبت له منه الشق الأول.
- (١)الكفاية، للخطيب (ص: ١٥٠).
-
والمتأخرون تبعوا الخطيب، ومنه صار جماعة إلى تقسيم العدالة إلى قسمين:
الأول: عدالة ظاهرة، واختاروا ثبوتها برواية اثنين فصاعداً.
-
ومن لم تثبت له فهو في اصطلاحهم: مجهول العين، كما تقدم.
-
والثاني: عدالة باطنة، وتعني أهلية الراوي في النقل من جهة ضبطه
ج ١ ص ٢٥٠وإتقانه لما يرويه، ولا تثبت له إلا بتنصيص ناقد عارف أنه ثقة، أو بما يقوم مقام ذلك.
-
وإثبات هذه العدالة ركن لصحة إطلاق وصف (العدالة) على الراوي، الموجب للاحتجاج بحديثه، والطريق إليه كما قال الخطيب: " التعويل فيه على مذاهب النقاد للرجال، فمن عدلوه وذكروا أنه يعتمد على ما يرويه جاز حديثه، ومن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقف عنه " (١) .
- (١)الكفاية (ص: ١٥٦).
-
ومن لم تثبت له هذه العدالة من الرواة فهو في اصطلاحهم: مجهول الحال، والمستور.
-
وهذا القسم ليس مراداً لنا في هذا البحث؛ لكونه بيانه سيأتي، لكن ذكره لا بد منه لإزاحة اللبس عن استعمال لفظ (العدالة) .
-
المسألة الثانية: معنى وصف الراوي بالشهرة.
-
يطلق بعض النقاد على الراوي وصف (مشهور) ، وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنتفع في تقوية أمره بقدرما، إذا سلم الراوي من قادح.
-
مثل قول يحيى بن معين في (سعيد بن عمرو بن أشوع قاضي الكوفة) : " مشهور، يعرفه الناس " (٢) .
- (٢)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٥٠).