المبحث الأول: مقدمات ضرورية لتحقيق القول في الراوي المختلف فيه
١٠٧ فقرة، ج ١ ص ٥١٨
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٥١٨
تحرير القول في الراوي المختلف فيه جرحاً وتعديلاً يحتاج إلى اعتبار تنبيهات وضوابط، لا بد من مراعاتها؛ للمصير إلى ما هو الألصق بالعدل الذي أوجب الله عز وجل في حق نقلة العلم، ولئلا ينسب إلى الدين برواية من ليس بأهل ما ليس منه، أو ينفي عنه بالقدح على الثقة ما هو منه.
-
وتحرير تلك التنبيهات والضوابط في المقدمات التالية:
[المقدمة الأولى: أهلية الناقد لقبول قوله]
-
والمقصود: أهليته للكلام في النقلة على ما تقدم بيانه في صفة الناقد.
قال يعقوب بن سفيان: سمعت إنساناً يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف، قال: " إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه، لو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنه ثقة " (١) .
قال الخطيب: " فاحتج أحمد بن يونس على أن عبد الله العمري ثقة بما ليس حجة؛ لأن حسن الهيئة مما يشترك فيه العدل والمجروح " (٢) .
ج ١ ص ٥١٩وقال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن شداد بن سعيد الراسبي؟ فقال: " ثقة " ، قلت ليحيى: إن ابن عرعرة (١) يزعم أنه ضعيف، فغضب، وقال: " هو ثقة " ، وتكلم يحيى بكلام وأبو خيثمة يسمع، فقال أبو خيثمة: " شداد بن سعيد ثقة " ، ثم قال لي يحيى: " يزعم ابن عرعرة أن سلم بن زرير ثقة " (٢) ، قلت: كذلك يقول، قال: " هو ضعيف ضعيف " (٣) .
- (١)المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٦٥) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٦٥).
- (٢)الكفاية (ص: ١٦٥).
- (١)هوَ الثقة إبراهيم بن محمد بن عرْعرة بن البِرنْد السامي.
- (٢)كانَ في الأصل: (سالم بن رَزين)، والتصويب من " تهذيب الكمال " للمزي (١٢/ ٣٩٦).
- (٣)سؤالات ابن الجنيد (النص: ٧٠٦). وأبو خيْثمة هوَ الحافظ زُهير بن حرْبٍ.
-
وكذلك قال ابن الجنيد: قال رجل ليحيى بن معين وأنا أسمع: زعم إبراهيم بن عرعرة أن محمد بن ذكوان والحسين بن ذكوان، ليسا بشيء، فغضب يحيى، وقال: " أما الحسين بن ذكوان فحدثني عنه يحيى بن سعيد وعبد الله بن المبارك، ولكن كان قدرياً، وأما محمد بن ذكوان فليس به بأس، أي شيء كان عنده؟ روى عنه حماد بن زيد وعبد الوارث وعبد الصمد، لا بأس به، قل لا بن عرعرة: اذهب ازرع " (٤) .
- (٤)سؤالات ابن الجنيد (النص: ٦٤٥).
-
والخطأ هنا في جرح ابن عرعرة لثة وتعديله لمجروح أنه وإن كان ثقة معتنياً بالحديث، إلا أن ابن معين لم يراه من أهل الصنعة، فإنه سئل عنه فقال: " ثقة، معروف بالحديث، كان يحيى بن سعيد يكرمه، مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه؛ يدخل في كل شيء " (٥) .
- (٥)تاريخ بغداد، للخطيب (٦/ ١٤٩ _ ١٥٠).
-
ونقل أبو حاتم الرازي عن هشام بن يوسف الصنعاني قوله في (عبد الله بن معاذ بن نشيط صاحب معمر) : " هو صدوق، وكان عبد الرزاق يكذبه " ثم قال أبو حاتم: " أقول: هو أوثق من عبد الرزاق " (٦) .
ج ١ ص ٥٢٠قلت: وهذا لكون عبد الرزاق لم يكن ممن له شأن في الكلام في النقلة، فحين تكلم أخطأ.
- (٦)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٧٣).
-
[المقدمة الثانية: التحقق من ثبوت الجرح أو التعديل عن الناقد المعين]
-
وهذا الشرط مقدمة سابقة للنظر في صيغة النقد وأثرها في الراوي.
-
والمقصود أن تحاكم النصوص المنقولة عن علماء الجرح والتعديل في نقد الرواة بنفس قوانين علم الحديث، فلا يفرع إلى على صيغة ثبت إسنادها إلى قائلها.
-
فهناك روايات عديدة ذكرت عن بعض الأئمة لا توجد عنهم من طريق مسند، أو وجدت ولكن أسانيدها لم تثبت.
-
مثالها: (تاريخ) رواه أحمد بن أبي يحيى أبو بكر الأنماطي البغدادي عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، اعتمده ابن عدي في " كامله " في مواضع كثيرة، وهو غير ثابت عنهما، وذلك أن ابن أبي يحيى هذا قال فيه الحافظ الثقة إبراهيم بن أورمة الأصبهاني: " كذاب " (١) .
- (١)الكامل، لابن عدي (١/ ٣٢١) بإسناد صَحيح، وقال ابنُ عدي مُؤكِّداً ما نقله عن ابن أورْمَة: " ولأبي بكر بن أبي يحيى هذا غيرُ حديثٍ منكرٍ عن الثقات ".
-
ومما يشبه هذه القاعدة: أن لا يقبل ما يحكى عن الراوي مما يكون سبباً للقدح فيه إلا بالرواية الثابتة عنه.
-
فمثل ما أورده جماعة في القدح في (أبي صالح باذام) من طريق سفيان الثوري، قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: " كل شيء حدثتك فهو كذب " (٢) ، فهذا مما لا يجوز الاعتماد عليه، فإن الكلبي
ج ١ ص ٥٢١هو محمد بن السائب، رأس في الكذب، فكيف يصدق على أبي صالح؟
- (٢)أخرجه البُخاري في " التاريخ الكبير " (١/ ١ / ١٠١) و " الأوسط " (٢/ ٤٠) و " الضعفاء الصغير " (رقم: ٣٢٢) والجَوْزجاني في " أحوال الرجال " (ص: ٦٣) والعُقيلي في " الضعفاء " (١/ ١٦٦) وابنُ حبان في " المجروحين " (٢/ ٢٥٥) وابنُ عدي في " الكامل " (٢/ ٢٥٥، و ٧/ ٢٧٤) وإسناده إلى سُفيان صحيح.
-
وهكذا كان الناقد البارع يعتبر هذا الطريق في تثبيت الجرح.
-
[المقدمة الثالثة: منع قبول صيغة الجرح أو التعديل التي لا تنسب إلى ناقد معين]
-
وهذا كقولهم في الراوي: (تكلموا فيه) ، و: (يتكلمون فيه) ، كما يقع في كلام البخاري وأبي حاتم الرازي وأبي الفتح الأزدي وغيرهم، و: (فيه مقال) كما يكثر عند المتأخرين، وما يشبهها من الألفاظ التي لا تعزى إلى ناقد معين.
-
ولا اعتبار بأن يكون حاكيها من النقاد المعروفين، فإنه لم ينشئها من جهته، إلا أن يضيف إليها من عبارته ما يبينها، كما تراه في عدد من قيلت فيه.
-
زد على ذلك أنها من قبيل الجرح المجمل أيضاً.
-
لكنها تدل على شبهة الجرح، فيبحث عن تفسيرها، فإن عدم عدم أثرها.
- (١)الكامل (٣/ ٥١٧) والكُديمي هِيَ نسْبةُ مُحمد بن يونُس راويه عن ابنِ المديني.
- ج ١ ص ٥٢٢
وفي التعديل مما يكثر وقوعه عند المتأخرين، كالذهبي والهيثمي: (وثق) و (موثق) فهذه عبارة يجب البحث عن قائلها المجهول الذي بنيت له، وفي الغالب يكون مرادهم ابن حبان، فكأنهم لضعف الاعتماد على ما يتفرد به من التعديل يبنون العبارة للمجهول.
-
[المقدمة الرابعة: مراعاة ميول الناقد المذهبية في القدح في النقلة]
-
الجرح والتعديل جميعاً يتأثران بهذا، فيعدل من ليس بأهل، وهو الأقل وروداً في كلامهم، ويجرح من هو عدل، ووقع من طائفة بسبب المخالفة في العقائد والمسالك، كما قدمت التمثيل له بجرح الجوزجاني لأهل الكوفة بسب فشو التشيع فيه، والدولابي لمخالفي الحنفية، وكما وقع من طائفة من أهل الحديث في أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم.
قال ابن حجر: " وممن ينبغي أن يتوقف في قبوله قوله في الجرح: من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك؛ لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة، وعبارة طلقة، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه، فوثق رجلاً ضعفه؛ قبل التوثيق.
-
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نسب إلى الرفض، في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد " (١) .
- (١)لسان الميزان (١/ ١٠٨ _ ١٠٩).
-
ومن أمثلة ذلك في النقلة ما جاء في ترجمة (أحمد بن الفرات أبي مسعود الرازي) وكان من الثقات الحفاظ المتقنين، من المعروفين بالسنة،
ج ١ ص ٥٢٣قال ابن عدي: سمعت أحمد بن محمد بن سعيد يقول: سمعت ابن خراش يحلف بالله: " إن أبا مسعود أحمد بن الفرات يكذب متعمداً " .
-
فتعقبه ابن عدي فقال: " وهذا الذي قاله ابن خراش لأبي مسعود هو تحامل، ولا أعرف لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ " (١) .
- (١)الكامل (١/ ٣١٢).
-
وعاب الذهبي على ابن عدي إيراده في " كتابه " ، فقال: " ذكره ابن عدي فأساء، فإنه ما أبدى شيئاً غير أن ابن عقدة روى عن ابن خراش، وفيهما رفض وبدعة " وذكر النص السابق.
-
وأقول: لا عيب على ابن عدي، فإنه يذكر في كتابه من تكلم فيه، فإن كان بباطل رده، وهكذا فعل هنا.
وقال الذهبي في " السير " (٢) : " من ذا الذي يصدق ابن خراش ذاك الرافضي في قوله؟! " .
قلت: ومما نرد قول ابن خراش إلا لأجل المذهب، وأبو مسعود قد استقرت ثقته وثبت إتقانه، وشاع علمه.
- (٢)سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٨٧).
-
ومن قبيح ما سودت به صحف كثيرة ما وقع من نقمة جماعة من أهل الحديث على أبي حنيفة وأصحابه، بسبب المذهب.
-
كما قال يحيى بن معين: " أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه " فقيل له: أكان أبو حنيفة يكذب؟ فقال: " كان أنبل من ذلك " (٣) .
قلت: وتلك الطعون التي سودت بها صحف كثيرة لا تعود في التحقيق إلا إلى التحامل بسبب خلاف المذهب كمن أطلق أن أبا حنيفة
ج ١ ص ٥٢٤كان يبيح المسكر، وهو إنما أباح باجتهاده النبيذ الذي لم يستثن من حفاظ وأئمة الكوفيين من موافقته فيه إلا الفرد بعد الفرد، إلى أشياء أخرى طعن فيها على أبي حنيفة وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن، كانت بسبب مخالفة الطاعن لأبي حنيفة في مذهبه، وأنه كان يدع الحديث بالرأي، وهذا لو صح فمعروف أن الفقيه قد يدع العمل بالحديث لأسباب صحيحة معتبرة، ولم يسلم من ذلك فقيه من فقهاء الأمة الكبار المتبوعين.
- (٣)أخرجه ابنُ عبد البر في " بيان العلم " (رقم: ٢١٠٦) وإسناده صحيح.
-
فهذا مالك بن أنس، وقد أجمعوا على ثقته، ومع ذلك فقد ترك القول بأحاديث هي عنده صحيحة، لمعارضات معتبرة لديه، وهذا ابن عبد البر المالكي يورد عن الليث بن سعد قوله: " أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى عليه وسلم مما قال فيها برأيه، ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك " (١) .
- (١)جامع بيان العلم وفضْله (رقم: ٢١٠٥) تعليقاً.
-
وللشافعي في الرد على مالك، كما له في الرد على محمد بن الحسن والأوزاعي، وكثير مما يعود إليه ذلك: القول بالحديث أو تركه.
-
فمثل هذا لا يجوز التعلق به من أقوال المجرحين، في حق من عرف مقامه في الدين.
-
كما يجب أن يتفقد من عبارة الجارح في كل مخالف له في مذهبه، إذ هو بشر يعتريه من حال البشر، ويتكلم في الغضب والرضى، والعدل مجاهدة، وكم من جرح يمكن تخريجه على مثل هذا؟
-
وأما الميل إلى التعديل، فكتوثيق ابن عقدة الحافظ الشيعي لبعض من على مذهبه من المجروحين، وهو قليل.
وقال يحيى بن معين: " كان أبو نعيم (٢) إذا ذكر إنساناً فقال: هو
ج ١ ص ٥٢٥جيد وأثنى عليه، فهو شيعي، وإذا قال: فلان كان مرجئاً، فاعلم أنه صاحب سنة لا بأس به " (١) .
- (٢)يعني الفَضل بَن دُكين، وهوَ من حُفاظ الكوفة ومُتقنيهم.
- (١)سؤالان ابن الجُنيد (النص: ٧٩٧).
-
[المقدمة الخامسة: اعتبار بشرية الناقد في تأثيرها في إطلاق الجرح أو التعديل]
-
الناقد يعتريه ما يعتري البشر من الغفلة أو الغضب، فيقول القول لا يعني به شيئاً يتصل بهذا العلم، وإنما أوقعه فيه بعض هذه العوارض، فهذا إن كان لفظ جرح أو تعديل، فإنه لا يجوز أن يكون له أثر على الراوي الموصوف بذلك.
-
فمن مثال ما قد يرد على الناقد من التوهم:
ما حكاه حماد بن حفص (٢) (وكان ثقة) ، قال شهدت يحيى بن سعيد (يعني القطان) وجاء إليه شيخ من أهل البصرة، فتذاكرا الحديث، فقال الشيخ ليحيى: حدثنا ابن أبي رواد بكذا وكذا، فقال يحيى: " عرف عليه كذاب "، فقال: فلما كان بعد ساعة قال: " الأب حدثك أو الابن؟ " فقال: بل الأب، فقال: " الأب لا بأس به، إنما ظننت أنك تعني الابن " (٣) .
- (٢)هوَ مُحمد بنُ حفصٍ القطان البصري، و (حماد) لقبٌ، يُستدرك على " نُزهة الألباب " لابن حجر.
- (٣)أخرجه يعقوب بنُ سفيان في " المعرفة " (١/ ٧٠٠) وإسناده صحيح.
-
ومما يخرج على صدوره بسبب الغضب مثلاً: ما جاء من تكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر، إن صح عنه، فإن أبا بكر حين مات أبوه كان شاباً، وصار إماماً بعد وفاة أبيه، وقد عاش بعده إحدى وأربعين سنة، عرفه فيها تلامذته الحفاظ كأبي حسن الدارقطني بالحفظ والثقة.
-
ومن هذا (جرح الأقران) ، ككلام مالك بن أنس في محمد بن إسحاق، وكلام ابن إسحاق فيه.
- ج ١ ص ٥٢٦
وقال علي بن المديني في (سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) : " كان أصحابنا يرمونه بالقدر، وكان عندنا ثقة ثبتاً، وكان مالك بن أنس يتكلم فيه، وكان لا يروي عنه مالك شيئاً، وكان سعد قد طعن على مالك في نسبه " (١) .
- (١)سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٩١).