طريقة المتقدمين، وطريقة المتأخرين في علوم الحديث

٢٠ فقرة، ج ١ ص ١٠

  1. شاع بين كثير من طلبة هذا العلم في هذا الزّمان نِزاعٌ بين ما سمّوه (طريقة المتقدّمين) و (طريقة المتأخّرين) في علوم الحديث.

    ج ١ ص ١٠
  2. وتحرير محلِّ النّزاع: أن أصحاب التَّفريق رأوا علماء الحديث

    ج ١ ص ١١المتأخرين صاروا إلى الحكم على الأحاديث على ما تقتضيه ظواهر الأسانيد، والتَّقليد لعبارات بعض متأخري العلماء في الحُكم على الرُّواة، دون مُراجعة لكلام أئمة الجرح والتَّعديل، إذ كثيراً ما يختلفون في الرّاوي، كذلك دون اعتبار للعلل الخفيّة في الرّوايات.

  3. وأيضاً، رأوا للمتأخرين تساهلاً في إطلاق المصْطلحات، والتَّوسُع في قبول الحديث المعلول، بيْنما كان الأوّلون يردُّون مثل تلك الأحاديث.

  4. ومن تساهلهم: تهوين العبارة في الرّواة، كإطلاق وصف (ضعيفٌ) ، أو (فيه ضعفٌ) على الرّاوي الواهي السّاقط، مما يُسهِّل أمره، ويجعل حديثه مقبولاً ولو اعتباراً، من أجل خفّة هذا اللّفظ المتأخر في الجرح.

  5. وكذلك يقولون في الحديث: (ضعيفٌ) ، وهو في الواقع (موضوعٌ) مثلاً.

  6. وأقول: لا ريْب في صحّة هذا المأخذ، لكن إطلاقه ليس بمحمود، فإنَّ لمتأخّري العلماء تحريراتٍ نافعةً في هذا العلم، كالحُفّاظ: أبي بكر البيهقيّ، والخطيب البغداديّ، وابن عبد البرّ الأنْدلسيّ، فأبي الحجاج المزّيّ، فالذّهبيّ، وابن كثير الدّمشقي، وابن قيّم الجوزيّة، وابن رجب الحنبليّ، فأبي الفضْل العراقيّ، فابن حجر العسقلانيّ، وغيرهم.

  7. وإن كان التّساهل المشارُ إليه يقع من غيرهم، وربّما من بعضهم تارةً، فإنّه لا يصلح أن يقام النِّزاع المورثُ إعراضاً عند بعض النّاس عن تحريرات مثل هؤلاء الأعلام.

  8. وهذا العلم في تحرير من تقدَّم جميعاً مرْجعه إلى طريقة المتقدّمين، فلا غنى لهم عن منهاج أهله، كمالك بن أنس، وشُعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثّوريّ، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرّحمن بن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وعليّ بن المدينيّ، ويحيى بن معين، والبُخاريّ، ومسلم بن الحجّاج، وأبي زُرعة الرّازيّ، وأبي حاتم الرازيّ، وأبي داود السّجستانيّ، والتّرمذي، والنّسائي، وإخوانهم من متقدّمي أئمة هذا الشّأن.

  9. وأما منهاجي في هذا الكتاب، فقد بنيتُ فيه تحرير أصول هذا العلم على طريق السّلف المتقدمين، واستفدت من تحريرات المتأخرين، وعدلْتُ عن ابتكاراتهم في هذا الفنّ؛ لأنهم جروا على التَّنظير في أكثر ما انفردوا به، خصوصاً أهل الأصول منهم، وهذا العلم مستنده إلى النّقل، وإلى التَّبصُّر في منهج أهله.

    ج ١ ص ١٢
  10. فبوْنٌ كبيرٌ مثلاً بين كلام أهل الفنّ في تحرير معنى العدالة والجهالة ومراعاتهم لواقع النّقلة، وبين ما ضمّنه متأخرو الأصوليّين كتبهم في تفسير ذلك، والّذي تأثروا فيه بمعناها عند القضاة وداخلوا بين هذا الباب وذاك، ولم يضربوا له من الأمثال من أحوال النّقلة ما يكشف حقيقته.

  11. واجتهدت وُسْعي في ضرب الأمثال من واقع الحال لا من نسْج الخيال، تقريباً لمسائل هذا العلم.

  12. واستبعدت من مباحث هذا الكتاب من الأبواب: غريب الحديث، وفقه الحديث، ومشكل الحديث، والنّسخ في الحديث.

  13. إذ ما كان منها يرجع إلى تأصيل، فتأصيله فيما حرَّرْته في (أصول الفقه) من القواعد، ومنها ما حرّرْته أيضاً في (علوم القرآن) كالنّسخ، لاشتراك السُّنن فيه مع القرآن.

  14. ومنها ما هو تعريفي محضٌ، كغريب الحديث، إذ المراد به غريب الألفاظ، فهذا له كتُبُه الخاصّة، وليس علماً تأصيلياً.

  15. كما ألغيْتُ ذكر بعض المسائل جرت كتب مصطلح الحديث على ذكرها في وقْت لم تزل فيه الرّواية والإسناد، واليوم قد استغنى النّاس عن التّقنين لها، إذ لم تعدْ تستعمل.

  16. مثل مسألة: (من ينسخ وقْت القراءة والعرْض على الشيخ) ، فهذه لا تكادُ ترى لها تأثيراً في الواقع التّطبيقيّ.

  17. كذلك الجانب التّنظيري لما انتهت الحاجة إليه، كاعتبار السِّنِّ عند الأداء.

    ج ١ ص ١٣
  18. وجريْتُ في جميع ما ذكرتُ على توثيق النَّقل، بإحالة النّصوص إلى أصحابها، مستفادةً من معتمد مصادرها، مع اتّباع قوانين الفنّ في اعتماد ما يثبت نقله عن قائله في جميع مادّة الكتاب.

  19. والله عز وجلّ أسأل أن ينفع به، وأن يكون قرَّةَ عين لطالب لعلم قلَّ فيه الرّاغب، وأن يغفر لي ما زلّ به الفكر والرّأي والقلم، هو المستعان وعليه التُّكلانُ.

  20. وكتب

    أبو محمد عبدُ الله بن يوسُف الجُديع

    يوم الجمعة ٢٠ من ذي الحجّة ١٤٢٣هـ

    الموافق ٢١/ ٢ / ٢٠٠٣ م

    مدينة ليدز - المملكة المتحدة