المبحث الثالث: تنبيهات حول تعارض الجرح والتعديل
١٧ فقرة، ج ١ ص ٥٥٥
- ج ١ ص ٥٥٥
التنبيه الأول: ترك التعديل عند ظهور الجرح لا يقدح في شخص المعدل أو علمه.
-
اعلم أن تقديم الجرح باجتماع الشروط المتقدمة، فذلك بناء على أن الجارح أتى بزيادة علم، لم يأت بها أو لم يطلع عليها من عدله، وليس في تقديمه قدح في المعدل بهذا الاعتبار.
قال ابن حزم: " التجريح يغلب التعديل؛ لأنه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل، وليس هذا تكذيباً للذي عدل، بل هو تصديق لهما معاً " (١) .
- (١)الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٤٦).
-
التنبيه الثاني: الجرح لمن استقرت عدالته وثبتت إمامته مردود.
-
الراوي إذا ثبت عدالته وعرفت ثقته وإمامته باتفاق النقاد السالفين، فتناوله جارح متأخر فتكلم فيه بعد ذلك، فذلك مما لا يلتفت إليه، وإن كان ذلك الجارح ممن يفهم هذا الفن، وإن وجدت لهذا مثالاً فإنك لا تعدم إما نقص الحجة على الجرح، وإما الخطأ فيه.
- ج ١ ص ٥٥٦
سأل أبو عبد الرحمن السلمي الدارقطني عن أبي حامد الشرقي؟ فقال: " ثقة مأمون إمام " ، قال السلمي: فقلت: فما تكلم فيه ابن عقدة، فقال: " سبحان الله! وترى فيه مثل كلامه؟ ولو كان بدل ابن عقدة يحيى بن معين " ، قلت: وأبو علي الحافظ كان يقول من ذلك، فقال: " وما كان محل أبي علي وإن كان مقدماً في الصنعة أن يسمع كلامه في أبي حامد، رحم الله أبا حامد، فإنه صحيح الدين، صحيح الرواية " (١) .
- (١)سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ١٨). أبو حامد هوَ أحمد بن مُحمد بن الحسن النيْسابوري، من تلامذةِ مُسلم، وأبو علي هوَ الحسين بنُ علي بن يزيد النيْسابوري، من كِبار الحُفاظ.
-
التنبيه الثالث: تقديم الجرح عند اجتماع الشروط لا يلزم منه السقوط بالراوي.
-
وإنما المقصود إعماله، وقد يصير إلى النزول بدرجة الراوي عن درجة المتقنين إلى من يقبل حديثه بعد تحقق سلامته من الغلط، كما قد يعتبر الجرح فيه عند مقارنته بمن هو فوقه، لا إذا استقل بالرواية، وقد ينزل به إلى درجة من يرد حديثه الذي ينفرد به، ويعتبر به عند الموافقة، وقد يلحق بالمتروكين، أو الكذابين.
-
والعبرة بدلالة ذلك الجرح المفسر وأثر قدحه.
-
التنبيه الرابع: جرى عند علماء هذا الفن أن الراوي إذا اتفق على توثيقه إماما الصناعة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فإنه جاز بذلك القنطرة.
-
والمقصود أنه لو جرح فغاية أمره أن يكون لخطأ أخطأه لا يسقط به، ولا يزيله عن درجة المقبولين، وإنما قد ينزل به عن درجة المتقنين إلى من يحسن حديثه.
- ج ١ ص ٥٥٧
والاستثناء لمن هذه صفته وقع من جهة انتفاء وجود حالة خرجت عما ذكرت من القبول.
-
مثل: (حشرج بن نباتة الأشجعي) ، أنكر عليه البخاري حديث الخلفاء (١) ، وذكره ابن عدي واعتذر عنه، وأجاب عما أنكر عليه، ثم قال: " وأحاديثه حسان وإفرادات وغرائب، وقد قمت بعذره فيما أنكروه عليه، وهو عندي لا بأس به وبروايته، على أن أحمد ويحيى قد وثقاه " (٢) .
- (١)هوَ حديث رواه عن سعيد بن جُهْمان، عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذكر الخُلفاء من بعْده: أبي بكر وعمَر وعثْمان. وحوْله تفصيلٌ له مَقام آخر، وإنما الشاهد مما ذكرْت اتفاق أحمد ويحيى على توثيق حشْرَجٍ.
- (٢)الكامل (٣/ ٣٧٥).
-
واتفقا على توثيق شهر بن حوشب، وضعفه بعض الحفاظ، لكنك لا تجد في المفسر القادح من الجرح ما ينزل به عن رتبة الصدوق الذي يحسن حديثه.
-
ويشبه هذه الصورة كذلك اتفاق يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي على الرواية عن راو.
-
وإذا قلنا هذا فيمن وثقوه، فكذلك وجدناه فيمن جرحوه، لا يكاد يبرأ.
-
التنبيه الخامس: الراوي يختلف فيه جرحاً وتعديلاً، وهو قليل الحديث.
-
مثل هذا إذا كان جرحه بالخطأ في حديث أو بعض حديثه الذي روى، فالجرح يلين حديثه، وينزل بدرجة ذلك الراوي عن درجة من يحتج به، وإنما يعتبر بحديثه ويستشهد.