المبحث الأول علم التخريج
٤٠ فقرة، ج ١ ص ٧٣٣
- ج ١ ص ٧٣٣
الطريق لكشف علة الحديث: جمع الروايات ثم سبرها وتنقيحها.
قال الخطيب: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (١) .
قال الأوزاعي: " كنا نسمع الحديث، فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما تركوا تركنا " (٢) .
وقال ابن أبي حاتم: " تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في الماء والصلابة علم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالة بروايته " (٣) .
ج ١ ص ٧٣٤قلت: فهو يبدأ بتتبع روايات الحديث وجمعها، ومن ثم النظر فيها وتمحيصها.
قال عبد الله بن المبارك: " إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض " (١) .
قلت: والطريق إلى تحقيق الجمع المقصود لطرق الحديث هو تخريج الحديث بمعناه الآتي قريباً.
- (١)الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع (٢/ ٢٩٥).
- (٢)أخرجه أبو زُرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٢٦٥) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٠/ ٢١) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٦٠٥) بإسناد صحيح.
- (٣)تقدمة الجرح والتعديل (ص: ٣٥١).
- (١)أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٩٠٢) وإسناده صالحٌ.
-
[تفسير علم التخريج]
-
المراد بعبارة (التخريج) عندما ظهر استعمال هذا المصطلح، هو:
انتقاء الراوي لنفسه من أصول سماعاته عن شيوخه أحاديث، فمنها ما يصنف على ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم، وعندئذ يسمى (معجماً) ، ومنها ما يصنف على اعتبار آخر، كالبدء بحسب الأقدم، أو بحسب البلدان، وهذا يسمى (مشيخة) ، ومنها ما يكون عشوائيا أو شبيها بذلك، فيسمى (الفوائد) وربما قيل: (الفوائد المنتقاة) .
-
ويخرج من حديث كل شيخ حديث فأكثر، يراعى فيها علو الإسناد، أو قوته، أو غرابة الحديث (٢) .
- (٢)وانظر حصول التفريج بأصول التخريج، للشيخ أحمد بن الصديق الغُماري (ص: ١٣).
-
وقد ينتقي تلك الأحاديث للشيخ غيره من معاصريه من رواة الحديث وحفاظه.
قال الخطيب: " وإن لم يكن الراوي من أهل المعرفة بالحديث وعلله واختلاف وجوهه وطرقه وغير ذلك من أنواع علومه، فينبغي له أن يستعين
ج ١ ص ٧٣٥ببعض حفاظ وقته في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها قبل يوم مجلسه، فقد كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك، فمنهم:
أبو الحسين بن بشران، كان محمد بن أبي الفوارس يخرج له الإملاء.
-
والقاضي أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي البصري، كان أبو الحسين بن غسان يخرج له.
-
وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج النيسابوري، كان أبو حازم العبدوي يخرج له.
-
وصاعد بن محمد الأستوائي فقيه أصحاب الرأي بنيسابور، كان أحمد بن علي الأصبهاني يخرج له.
-
وكان أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه يخرج الإملاء لنفسه، إلى أن كف بصره.
-
ثم كان أبو محمد الخلال يخرج له أحياناً، وأحياناً كنت أنا أخرج له " (١) .
- (١)الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (٢/ ٨٨).
-
ومن أمثلة الكتب في (التخريج) بهذا المعنى: " المعجم الصغير " تخريج: الحافظ أبي القاسم الطبراني، خرجه لنفسه.
-
و" المعجم " للحافظ أبي بكر الإسماعيلي، وهو (مشيخته) .
-
وخرج الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي (المتوفي سنة: ٤٥٧) لقرينه أبي القاسم الحسين بن محمد الحنائي (المتوفي سنة: ٤٥٩) الفوائد المعروفة ب" الحنائيات ".
-
كما خرج الحافظ أبو طاهر السلفي (المتوفي سنة: ٥٧٦) الفوائد لشيخه أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار المعروف ب" ابن الطيوري " (المتوفي سنة: ٥٠٠) وتسمى ب" الطيوريات ".
- ج ١ ص ٧٣٦
[التخريج بمعنى جمع الطرق والألفاظ]
قال أحمد بن حنبل: " الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً " (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: ١٦٤٠) بإسناد حسن.
-
والتخريج بهذا المعنى هو: أن تعمد إلى حديث فتجمع طرقه: أسانيدها ومتونها، من الكتب الحديثية التي تقوم على الإسناد، لا الكتب الناقلة عنها، ثم التأليف بينها لتحرير مواضع الاتفاق والافتراق في الأسانيد، فتتبين المتابعات والشواهد، وفي المتون، فيتبين ما فيها من التوافق اللفظي والمعنوي، والزيادة والاختلاف.
-
هذا المعنى للتخريج هو المطلوب تحقيقه لكشف علة الحديث، وليس هو المدلول القريب اليوم لمصطلح (التخريج) .
-
إنما (التخريج) اليوم في طريقة أكثر من يتصدى للاشتغال بالحديث، ممن يفهم وممن لا يفهم، هو: عزو الأحاديث التي تذكر في الكتب غير مروية بالإسناد، إلى محالها من كتب الإسناد، كالحديث يوجد في " المغني " لابن قدامة مثلاً، ربما عزاه إلى مصدر من المصادر، كسنن أبي داود، وربما لم يعز إلى مصدر، فيكون التخريج ببيان محله من " السنن " توثيقاً لنصه، وتيسيراً للوقوف عليه في أصله، وقد يزيد الباحث العزو إلى ما تيسر له الوقوف عليه من الأصول.
-
وليس من هذا: الكلام على درجة الحديث، فذلك زيادة على التخريج، يحسن أن تسمى (تحقيقاً) مثلاً، وهي عبارة قد شاعت اليوم تدل على هذا المعنى.
-
فإن وقعت عملية التخريج هذه لكتاب مسند، كمن يعمد إلى أحاديث (مسند أحمد) فيبين محال الحديث في غيره، ويربط بين ذلك الحديث
ج ١ ص ٧٣٧وسائر طرقه في سائر كتب الحديث، فهذا العمل أشبه بمصطلح (الاستخراج) (١) منه بمجرد (التخريج) ، وإن كان معنى (الاستخراج) فيه ناقصاً، فإن العناية فيه إنما هي بالإسناد غالباً دون المتن، ومعلوم أن (الاستخراج) يعتبر في الإسناد والمتن جميعاً (٢) .
- (١)والذي بينت ما يتصل به في مبحث خاصٍ في (القسم الثاني) من هذا الكتاب عند الكلام على (مسائل تتصل بالصحيح والحسن).
- (٢)كما بينت معناه في الكلام عن المستخرجات على " الصحيحين " في القسم الثاني من هذا الكتاب.
-
فمن يفهم فإنما ذلك عنده لواحد من غرضين، أو لهما جميعاً:
أولهما: وسيلة يتوصل بها إلى تبيين درجة الحديث، فهذا لا يكون (التخريج) بالنسبة له مقصداً لذاته، ولذلك فقد تتحقق بغيته بأن يوقف على كون الحديث مما (أخرجه) البخاري ومسلم، ولا يزيد.
-
وثانيهما: توثيق للنص المخرج، من جهة إحالته إلى أصل من الأصول.
-
ومن لا يفهم، فليس محلاً للحديث هنا.
-
ولا نجد حرجاً في هذه العملية أن يقال: (أخرجه) أو (خرجه) ، فهو واسع، واللغة تحتمله، وإن كان (أخرجه) أكثر وأحسن.
-
ومن أمثلة كتب التخريج بهذا المعنى:
" تخريج أحاديث الكشاف " و " نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية " كلاهما للحافظ أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (المتوفى سنة: ٧٦٢) .
-
و " البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير " للحافظ عمر بن علي المعروف ب " ابن الملقن " الشافعي (المتوفى سنة: ٨٠٤) .
- ج ١ ص ٧٣٨
وللحافظ ابن حجر العسقلاني يد طولى في ذلك.
-
وفي الزمن المتأخر مؤلفات الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الأباني، والشيخ المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، وغيرهما من محدثي العصر.
-
ومن القواعد الواجب اعتبارها في علم التخريج ما يلي:
أولاً: ملاحظة ألفاظ الإحالة ودلالاتها.
قال الحاكم: " مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان إذا روى حديثاً وساق المتن، ثم أعقبه بإسناد آخر: أن يفرق بين أن يقول: (مثله) ، أو: (نحوه) ، فإنه لا يحل له أن يقول: (مثله) إلا بعد أن يقف على المتنين جميعاً، فيعلم أنهما على لفظ واحد، وإذا لم يميز ذلك، جاز أن يقول: (نحوه) ، فإذا قال: (نحوه) بين أنه مثل معانيه " (١) .
قلت: وكان الإمام مسلم بن الحجاج دقيقاً في سياقه الروايات، فإذا بحثت عن ألفاظ الأحاديث عنده، فإن ساق للحديث طريقاً واحدة لمتنه فذاك المتن لذاك الإسناد، وإن أخرجه بسند، ثم أحال عليه أسانيد، فإن قال: (مثله) فهو باللفظ ذاته أو يقرب منه، وإن قال: (به) فهو مثله، ما لم ينبه مسلم نفسه على زيادة في المتن أو نقص.
- (١)سؤالات مسعود السجزي للحاكم (النص: ١٢٣، ٣٢٢) وتقدم ذكر هذا النص من قبل في (المبحث السابع) من مباحث (التعديل).
-
وإذا ساق المتابعات قبل المتن، فإن قال: (فلان وفلان، واللفظ له) أو (واللفظ لفلان) فلفظ الحديث لمن أضافه إليه من الرواة، والثاني بنحوه أو معناه، وربما عطف المتابعات في سياق الإسناد على بعضها، وقال: (وألفاظهم متقاربة) ، وقد لا ينبه على ذلك فيشعر باتحاد اللفظ. وربما قال مثلاً: (حدثنا محمد بن عباد، وابن أبي عمر، جميعاً عن مروان الفزاري،
ج ١ ص ٧٣٩قال ابن عباد: حدثنا مروان، عن يزيد)، فساق الإسناد، فهذا التصرف يشعر بأن السياق لرواية ابن عباد، ورواية ابن أبي عمر قريب منه.
-
ثانياً: المحدث يسوق حديثاً بإسناده ومتنه، ثم يلحقه بآخر يقتصر منه على الإسناد ويحيل المتن على الذي قبله قائلاً: (مثله) ، أو (نحوه) ، فهل يصح سياق نفس المتن للإسناد الثاني؟
-
الجواب: اختلف في ذلك المتقدمون، فوسع فيه سفيان الثوري في (مثله) و (نحوه) ، ووافقه النقل عن يحيى بن معين في (مثله) خاصة، ومنع شعبة بن الحجاج من ذلك فيهما (١) .
- (١)خرج الروايات بذلك عنهم الخطيب في " الكفاية " (ص: ٣١٩، ٣٢٠) بأسانيد صحيحة. وكذلك النقل عن ابن مَعين موجود في " تاريخه " (النص: ٢٢٦٤).
-
والاحتياط فيه أولى، وذلك بأن يقول مثلاً: (مثل حديث قبله متنه كذا وكذا) أو (نحو حديث قبله متنه كذا وكذا) ، وهو اختيار الخطيب.
-
وفي باب الاعتبار، لا مانع من الاعتبار بالإسناد الثاني في تقوية الأول، اعتماداً على المحدث فيما ادعاه من المثلية أو النحوية، وإن كان الأولى الاجتهاد للوقوف على متن ذلك الإسناد في مصادر السنن والأخبار.
-
ثالثاً: الأخذ من نسخة مروية بإسناد واحد، يجوز أن يساق الإسناد عند اقتباس بعض تلك الأحاديث، يذكر قبل المتن كما جاء في أول حديث في تلك الصحيفة، كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وهو قول وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبي بكر الإسماعيلي، وغيرهم.
-
وكان مسلم يسوق الإسناد لصحيفة همام إليه، قال: " هذا ما حدثنا أبو هريرة، فذكر أحاديث منها .. " ، وهذه مبالغة في التحري والأمانة (٢) .
- (٢)صِيانة صحيح مسلم، لابن الصلاح (ص: ١٠٢، ١٠٣).
-
رابعاً: إذا أخرجت أحاديث أو حديثاً من جملة أحاديث، رواها
ج ١ ص ٧٤٠المخرج عن شيخ، نسبه تاما في أولها، ثم قال في سائرها: (وحدثنا فلان) ولم يزد على اسمه، جاز أن يبين على ما في أول تلك الأحاديث، ولو قلت عند قوله: (حدثنا فلان) : (يعني) أو (أي: ابن فلان الفلاني) لكن أحوط، كما يفعل لبيان اسم مبهم في الإسناد.
-
وترى مثل هذا يقع كثيراً في " مسند أحمد " في تسمية شيوخه، و " مسند أبي يعلى " و " المعجم الأوسط " للطبراني، وغيرها.
-
خامساً: إذا وجدت اسماً مهملاً في الإسناد، وتيقنت من يكون فلا يجوز أن تقحم بيانه بعبارة تفهم أنه كذلك في الرواية، فلو جاء مثلاً: (عن هشام عن قتادة) فمع تيقنك أنه الدستوائي، فلا تجعله: (عن هشام الدستوائي عن قتادة) ، ولكن قل: (عن هشام _ يعني الدستوائي _ عن قتادة) ، أو (عن هشام _ هو الدستوائي _ عن قتادة) .
-
وهذه فائدة، أنك إذا وجدت مثل هذه الصيغة (هو ابن فلان) ، أو (الفلاني) فاعلم أنها ليست من قبل الراوي عن ذلك الشيخ، وإنما هي من بعض رواة الإسناد، أو من نفس مخرج الخبر (١) .
- (١)كما تقدم في (المبحث الثاني) من (الفصل الثاني) من هذا الباب.