المبحث الثالث: الحديث المقلوب

٢١ فقرة، ج ١ ص ١٠٠٤

  1. وهو ثلاث صور بحسب القلب، منها يتبين معناه:

    الصورة الأولى: قلب في الإسناد.

    ج ١ ص ١٠٠٤
  2. وهو أن يقلب الراوي اسم راو في الإسناد فيقول مثلاً: (معاذ بن سعد) بدل (سعد بن معاذ) ، أو (مرة بن كعب) بدل (كعب بن مرة) .......

  3. فإن كان الاسم لواحد لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان صيره بالقلب رجلاً آخر، فلا يشكل على صحة الرواية إذا كانا ثقتين أو ضعفها إذا كانا ضعيفين، إنما يقدح فيها لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً، ويعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكماً على الحديث بالضعف.

  4. كما وقع لعبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال أحمد بن حنبل: " ما حدث عن عبيد الله بن عمر، فهو عن عبد الله بن عمر " ، وفي رواية: " ربما قلب حديث عبد الله العمري، يرويه عن عبيد الله بن عمر " (١) .

    قلت: الدراوردي سمع من عبيد الله بن عمر العمري وهو ثقة، وسمع

    ج ١ ص ١٠٠٥من عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، فكان ربما قلب أحاديث عبد الله فجعلها عن عبيد الله، مما أوقعه في رواية المنكرات عن عبيد الله، والتي أصلها أحاديث عبد الله، فصار حديثه ضعيفاً عن عبيد الله، وإن كان الدراوردي ثقة في غيره.

    1. (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٢/ ٢ / ٣٩٥، ٣٩٦).
  5. ومن مثال وقوع ذلك من الراوي دون أن يقدح في نفس حديثه وإن كان خطأ منه، من أجل قلبه من ثقة إلى ثقة، قول الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد: " انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها " ، قال: " انقلبت عليه وكان عنده عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار، فقال: عن يحيى بن سعيد عن ابن دينار، في الأحاديث كلها " (١) .

    قلت: فلو سلم ابن صرمة من جرح سوى وقوع هذا منه، لما أضر في روايته؛ من أجل العلم بكونها في الأصل عن ثقة، وهو قد انتقل بها من ثقة إلى ثقة، لكن الرجل ضعيف.

    1. (١)نقله ابن عدي في " الكامل " (١/ ٤٠٨).
  6. ومن أسوأ أمثلة القلب: ما نقله ابن أبي حاتم، قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن المبارك، عن عنبسة بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ "؟ قال أبو زرعة: " هو مرسل مقلوب " (٢) .

    1. (٢)علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٣٧١) .......
  7. يعني أبو زرعة أن صوابه: (ابن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن جابر عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم) .

  8. فهذا قلب مفسد جداً، ليس في تصيير المرسل موصولاً فقط؛ إذ الشعبي تابعي، بل جابر هذا في حال الوصل هو جابر بن عبد الله الأنصاري

    ج ١ ص ١٠٠٦الصحابي، وفي حال كونه الراوي عن الشعبي فهو جابر بن يزيد الجعفي أحد المتهمين بالكذب في الحديث، فتأمل ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

  9. الصورة الثانية: قلب في المتن.

  10. وهو كما وقع في " صحيح مسلم " في سياقه للفظ حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " ، فساق الحديث، وفيه: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله " .

  11. فعكس لفظ الحديث، والرواية المحفوظة: " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " ، كما هي عند البخاري (١) وغيره.

    1. (١)في " صحيحه " (رقم: ٦٢٩، ١٣٥٧، ٦٤٢١).
  12. فهذا وقع الخطأ في رواية مسلم؟ فيه اختلاف، يرجع فيه إلى مظانه، إذ ليس للإطالة به هنا ضرورة (٢) .

    1. (٢)انظر لذلك: إكمال المعلم بفوائد مُسلم، للقاضي عِياض (٣/ ٥٦٣) وفتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٤٦).
  13. فهذا إذا قام عليه دليل بأنه مقلوب، كما هو الشأن في هذا المثال، فالمقلوب خطأ، وهو لاحق بقسم المردود، ولا يعتبر به ولا يتكلف له التأويل.

  14. الصورة الثالثة: التحول من حديث إلى حديث.

  15. ويفسر هذه الصورة قول ابن عدي في (ثابت بن حماد أبي زيد البصري) : " له أحاديث يخالف فيها وفي أسانيدها الثقات، وأحاديثه مناكير ومقلوبات " ، فلما جئنا لتبين معنى القلب فيها وجدنا مثاله، ما أخرجه ابن عدي من طريقه، قال: عن سعيد (٣) ، عن قتادة عن أنس، قال: قال

    ج ١ ص ١٠٠٧رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم الناس ما في الصف المقدم، لكانت قرعة " ، قال ابن عدي: " وهذا الحديث وهم فهي ثابت بن حماد، وإنما يرويه قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة " (١) .

    قلت: يعني ابن عدي أنه قلبه، فركّب إسناداً على غير متنه.

    1. (٣)هو ابن أبي عروبة.
    2. (١)الكامل (٢/ ٣٠٣) .......
  16. وعبارات النقاد في المجروحين من الرواة لهذه العلة كثيرة، فمن ذلك:

    قال عمرو بن علي الفلاس: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول: " حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة " (٢) .

    1. (٢)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ٨٦).
  17. وقال أحمد بن حنبل في (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم) : " قلب أحاديث شهر بن حوشب وصيرها حديث الزهري " وجعل يضعفه (٣) .

    وقال في (مصعب بن سلام) : " انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب، جعلها عن الزبرقان السراج، وقدم بن أبي شيبة مرة فجعل يذاكر عنه أحاديث عن شعبة، هي أحاديث الحسن بن عمارة، انقلبت عليه أيضاً (٤) .

    وقال أبو زرعة الرازي في (معاوية بن يحيى الصدفي) : " ليس بقوي، أحاديث كله مقلوبة ما حدث بالري، والذي حدث بالشام أحسن حالاً " (٥) .

    1. (٣)العلل، لأحمد (النص: ٤٣٩٠).
    2. (٤)العلل (النص: ٥٣١٧)، وانظر: التاريخ الكبير، للبخاري (٤/ ١ / ٣٥٤) والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٣٠٨).
    3. (٥)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٨٤).
  18. هؤلاء كان القلب يقع لأحدهم دون تعمد، إنما هو لسوء الحفظ.

  19. وممن كان يتعمد القلب من المتروكين الهلكى: صالح بن أحمد القيراطي، قال ابن حبان: " يسرق الحديث، ولعه قد قلب أكثر من عشرة آلاف حديث " (١) .

    وقال ابن عدي: " يسرق الأحاديث، ويلزق أحاديث تعرف بقوم لم يرهم على قوم آخرين لم يكن عندهم وقد رآهم " (٢) .

    قلت: وهذا هو وجه إطلاقهم: (يسرق الحديث) على الراوي (٣) ، لكن لا يصح تسليم العبارة لقائلها في حق من أوقعه في القلب سوء الحفظ وضعف التيقظ، إنما هي في المتعمدين من جهة ادعاء أحدهم سماع ما لم يسمع.

    1. (١)المجروحين (١/ ٣٧٣).
    2. (٢)الكامل (٥/ ١١٢).
    3. (٣)وانظر: الاقتراح، لابن دقيق العيد (ص: ٢٣٦) والموقظة للذهبي (ص: ٦٠). وانظر تفسير هذه العبارة في (المبحث الثاني) من مباحث (تفسير الجرح) .......
    ج ١ ص ١٠٠٨
  20. ومما يستدل به تارة لهذه الصورة عند النقاد شبه حديث الراوي بحديث راو آخر، فيستدلون بذلك الشبه على كون أحدهما سرقه من الآخر.

  21. هذه هي صور الحديث المقلوب، وما ثبت أنه كذلك فهو ضعيف خطأ، حتى ما ذكرته في الصورة الأولى من وقوع القلب بالتحول من ثقة إلى ثقة في الإسناد، فالحديث في هذه الحالة وإن كان محفوظاً في أصله، إلا أن ذلك الإسناد الذي وقع فيه القلب خطأ ضعيف، لا يعتبر به.