المبحث السادس: تمييز المشتبه من أسماء الرواة
٥٥ فقرة، ج ١ ص ١٢١
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ١٢١
الاشتباه في أسماء الرواة يقع بواحد من سببين:
السبب الأول: التشابه في الرسم
ويكون معوقاً دون الوقوف على شخصية الراوي؛ ذلك لما يقع به من التصحيف والتحريف.
قال علي بن المديني: " أشدُّ التصحيف في الأسماء " (١) .
- (١)أخرجه أبو أحمد العسْكري في " أخبار المصحفين " (ص: ٣٢ _ ٣٣) وإسناده صحيح.
-
واصطلحوا على تسميته بـ (المؤتلف والمختلف) .
-
ومعناه: ما يتفق من الأسماء في الخط صورة، ويختلف في اللفظ صيغة.
-
وهذا يعني الاتحاد في الرسم، والاختلاف في النقط والشكل.
-
وتقدمت بعض أمثلته في (تمييز الأسماء) ، وإليك صوراً منها زيادة في التوضيح والتأكيد:
ج ١ ص ١٢٢(سلًّام) بالتشديد، وهو أكثر، و (سَلَام) بالتخفيف في أسماء معينة.
-
(مَعْمَر) بفتح الميم وإسكان العين ثم ميم مفتوحة خفيفة، و (مُعَمَّر) بضم أوله فعين مفتوحة فميم مشددة.
-
و (البَرَاء) بالتخفيف، في الأسماء جميعاً، و (البَرَّاء) بالتشديد في نسب ثلاثة من الرواة: أبي العالية البَرَّاء، واسمه: زياد بن فيروز، وقيل غير ذلك، وأبي معشر البَرَّاء، واسممه: يوسع بن يزيد، وحماد بن سعيد البَرَّاء.
-
وما كان من هذا النمط مما يرجع إلى الشكل، فإن ما يقع من الخفاء بسببه قليل، وإنما مثله مظنة اللحن.
-
أم ما كان مثل (جَرير) بجيم أوله، وراء آخره، و (حَرِيز) بحاء مهملة أوله، وزاي آخره، ومثل (شُرَيح بالشين المعجمة أوله، و (سُرَيج) بالسين المهملة أوله، ومثل (يَزيد) بياء مثنَّاة ... أوله، و (بَرِيد) بباء موحدة مفتوحة أوله، ومثل (الهَمْداني) بميم ساكنة بعدها دال مهملة، و (الهَمَذاني) بميم مفتوحة بعدها ذال معجمة، و (الزُّبَيْري) بزاي مضمومة فباء موحدة مفتوحة فمثناة تحتية، و (الزَّنْبريِّ) بزاي مفتوحة، فنون ساكنة فموحدة مفتوحة؛ فإن التصحيف بمثله أشد، ويكون معوقاً دون الوقوف على الترجمة وتمييز المقصود.
-
وأغمض منه ما رجع إلى بابه، لكن بزيادة حرف ونقصة، كالذي بين (عبد) و (عبيد) ، أو (عمر) و (عمرو) ، أو (بشر) و (بشار) .
-
وأشد منه ما اتحد الرسم أو تقارب إلا في حرف، مثل: (سفيان) و (شيبان) ، و (عنان) و (غياث) .
-
والغلط في مثل هذا لا يكاد يسلم منه أحد، وهو في الكتب المطبوعة غير قليل، فلا تركن إلى هذا.
-
واعلم أن ضبط الأسماء لا يخضع إلى قاعدة في القياس، إنما
ج ١ ص ١٢٣العمدة فيه السماع، فعليك بضبطها وتجويدها وحفظ مواضع اجتماعها وافتراقها تسلم من اللحن والتصحيف.
-
وقد نبهت سالفاً على أسماء أهم المصنفات المفيدة في هذا الفن، وفي " إكمال " ابن ماكولا، ثم " تكملة " ابن نقطة، ثم " توضيح " ابن ناصر.
-
السبب الثاني: الاشتراك
وربما صار بك إلى جرح عدل، أو تعديل مجروح، كما يكون سبباً في أن يدخل على الراوي ما ليس من حديثه.
-
والطريق إلى معرفة ذلك بتمييز ما اصطلحوا عليه بـ (المتفق والمفترق) .
-
وهو فن يعسر فهمه وتحتاج معرفته إلى يقظة شديدة، فإن الرجل تراه في الإسناد، فتبحث عن ترجمته، فتجد في التراجم من هو مسمى بنفس اسمه، ولا تجد في الإسناد من العلامة ما يساعدك على تمييزه، فكيف الطريق إلى معرفته؟
-
تقدم أن النظر في الشيوخ والتلاميذ يساعدك على كشف الالتباس عن كثير من الرواة ممن هذه صفته، لكنك قد لا تصل إلى ذلك بمجرد هذا الطريق لعدم وجود الاستقصاء لجميع شيوخ الراوي أو تلاميذه عادة على ما علمت شرحه، أو ترى الراويين يشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أي: تتحد طبقتهما، فيبقى لك أن تميزه بمعرفة هذا الطريق.
-
اعلم أن الاتفاق والافتراق في أسماء الرواة ممن تذكر أسماؤهم غير مميزة بما يدفع الاشتباه؛ يرجع إلى صور ثلاث:
الأولى: الاتفاق في الاسم مع الافتراق في الطبقة.
-
مثاله: (حيوة بن شريح) رجلان، أحدهما من طبقة الأولى من أتباع التابعين، من أقران الليث بن سعد ومالك بن أنس وأقدم منهما قليلاً، وهو من أعيان المصريين.
- ج ١ ص ١٢٤
والثاني من شيوخ البخاري والدارمي وأبي داود، من الشاميين، يروي عن بقية بن الوليد وطبقته.
-
وكلاهما يأتي ذكره كثيراً في الأسانيد (حيوة بن شريح) من غير علامة مفسرة.
-
فهذا النمط يسهل تمييزه بتمييز الطبقة.
-
وقد يكون الراويان المشتركان عدلين كهذا المثال، فيكون محذور الغلط في تمييزه أخف منه حين يكون أحدهما مجروحاً والآخر ثقة.
-
مثل: (سعيد بن سنان) راويان معروفان، البُرْجُمي كوفي ثقة صدوق، والآخر أبو مهدي، شامي متروك الحديث.
-
لكن البرمجي متأخر الطبقة عن الشامي.
-
والثانية: الاتفاق في الاسم مع اتحاد الطبقة، لكن مع وجود علامة تساعد على التمييز بمراجعة التراجم المشتبه في كتب الرواة.
-
مثاله: (عبد الرحمن بن إسحاق) رجلان من طبقة واحدة يأتيان في الأسانيد غير مميزين، أما أحدهما فهو كوفي ضعيف الحديث، وأما الآخر فهو مدني نزل البصرة صدوق، ولا يشتركان في الشيوخ، فحديث الأول عند الكوفيين وحديث الثاني عند البصريين.
قال الحافظ محمد بن سعيد وذكر الأول في الكوفيين: " عبد الرحمن بن إسحاق، ويكنى أبا شيبة، وكان ضعيف الحديث، روى عن الشعبي، وهو الذي روى عنه أبو معاوية الضرير والكوفيون، وعبد الرحمان بن إسحاق المديني أثبت منه في الحديث، وهو الذي روى عنه إسماعيل بن علبة والبصريون " (١) .
- (١)الطبقات الكبرى، لابن سعد (٦/ ٣٦١ _ ٣٦٢).
- ج ١ ص ١٢٥
ويقرب منه في إمكان الفصل مثل: (إسماعيل بن أبان) رجلان، أحدهما (الوراق) والثاني (الغنوي) ، كلاهما كوفيان، واشتركا في شيء قليل من الشيوخ والتلاميذ، والغنوي أقدم قليلاً، ولعله لا يأتي إلا منسوباً فلا يشق التمييز.
قال يحيى بن معين: " إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه , وإسماعيل بن أبان الوراق ثقة " (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٢٨) بإسناد صحيح.
-
وهذا النمط من الرواة يمكن التوصل إلى تمييز المقصود منهم ببعض البحث المتحري بتأمل بلد الراوي أو شيوخه وتلاميذه.
-
فإن لم يتميز فلاحتمال أن يكون المجروح، يجب التوقف عن قبول تلك الرواية.
-
والثالثة: الاتفاق في الطبقة والبلد والاشتراك في بعض الشيوخ والتلاميذ، مما يجعل عملية الفصل بينهما شاقة في كثير من الأحيان يحتاج الباحث معها إلى قرينة تصير به إلى أي ترجيح.
-
مثاله: (حماد) ابن زيد، و (حماد) ابن سلمة، كلاهما من طبقة واحدة، ومن بلد واحد فهما بصريان، واشتركا في طائفة من الشيوخ رويا عنهما جميعاً، مثل: (أيوب السختياني، وثابت البناني، وحميد الطويل، وأبي عمران الجوني، وغيرهم) ، كما اشتركا في طائفة من التلاميذ رووا عنهما جميعاً، منهم: (عفان بن مسلم، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وغيرهم) .
-
ولا إشكال عند مجيء اسم أحدهما منسوباً إلى أبيه، وإنما في وروده مهملاً من القيد المفسر.
-
وههنا فصل مفيد أورده الحافظ الذهبي في ترجمة (ابن زيد) ، قال:
ج ١ ص ١٢٦" اشتركا الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعاً جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن، وذلك قليل، لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو تقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعاً.
-
فمن شيوخهما معاً: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.
-
وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل، لكن ما له عن حماد بن زيد سوى حديث واحد، ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم.
-
والحفاظ المختصون بالإكثار وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد , وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمرو بن عاصم.
-
والمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن الديني، وأحمد بن عبادة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي،
ج ١ ص ١٢٧وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولوين، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم.
-
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن (حماد) وأبهمه علمت أنه ابن زيد، وأنه لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما فقال: (حدثنا حماد) وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو، فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك؛ ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به.