مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في مسألة التفرد ذات شقين

٩ فقرات، ج ١ ص ٣٠٩

  1. تعد مسألة التفرد وتأثيرها على حكم الناظر في الإسناد إحدى المسائل البارزة التي خالف فيها المتأخرون ما عليه أئمة النقد، فما زال الاهتمام بالتفرد يخف شيئا فشيئا بعد الثلاثمائة، حتى استحكم جدا في الوقت الحاضر.

    ج ١ ص ٣٠٩
  2. وقد كان هناك جهود من بعض الأئمة المتأخرين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وسد الهوة الواسعة بين المنهجين، كما تقدم في الفصل الذي قبل هذا في كلام الذهبي، وابن رجب، غير أن تأثير هذه الجهود كان محدودا، والتيار كان جارفا.

  3. ومخالفة المتأخرين لأئمة النقد في هذه المسألة ذات شقين، الأول: البحوث والتقريرات النظرية، والثاني: التطبيق العملي.

  4. فأما الأول فمنه قول ابن حزم: «إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد وجب الأخذ به، ولزمت طاعته والقطع به، سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه، أو رواه كذاب من الناس، وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق ... » (١) .

    وقال أيضا: «إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره، فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه، فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلا، أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث ... ، وهذه الزيادة،

    ج ١ ص ٣١٠وهذا الإسناد، هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما، أو لم يروه سواهما ... » (١) .

    1. (١)«الإحكام في أصول الأحكام» ١: ١٥٧.
    2. (١)«الإحكام في أصول الأحكام» ١: ٢٦٤ - ٢٦٦.
  5. ويذكر أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتاب «الأحكام الوسطى» عن النقاد، تعليل بعض الأحاديث بأن راويها قد انفرد بها، أو لم يتابع، فيتعقبه ابن القطان في كتابه «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» ، ومن ذلك قوله ملخصا هذا الأمر: «وهناك اعتلالات أخر يعتل بها أيضا أبو محمد على طريقة المحدثين ... ، فمن ذلك انفراد الثقة بالحديث، أو بزيادة فيه، وعمله فيه هو الرد -ثم ذكر أمثلة على ذلك، ثم قال-: والذي له من هذا النوع هو كثير جدا مما لم نذكر، مما هو عندنا صحيح لم يضره هذا الاعتلال ... ، وإنما أقصد في هذا الباب إلى ذكر مثل مما ضعف به أحاديث ينبغي أن يقال فيها: إنها صحيحة، لضعف الاعتلال عليها، كهذا الاعتلال الذي هو الانفراد، فإنه غير ضار، إذا كان الراوي ثقة، وأصعب ما فيه الانفراد بزيادة لم يذكرها رواة الخبر الثقات، وأخفها أن يجيء بحديث لا نجده عند غيره» (٢) .

    1. (٢)«بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٥٦ - ٤٦١، وانظر أيضا: ٣: ٢٨٢، ٣٩٦.
  6. وذكر ابن الصلاح في حديثه عن مصطلح (المنكر) ما نصه: «بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، فأطلق البرديجي ذلك، ولم يفصل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة،

    ج ١ ص ٣١١أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ ... » (١) .

    1. (١)«مقدمة ابن الصلاح» ص ٢٤٤.
  7. وكان ابن الصلاح قد ذكر في حديثه عن مصطلح (الشاذ) تعريف الحاكم والخليلي للشاذ، الماضي ذكرهما في الفصل الأول من هذا الباب، لكنه لم يرتض كلامهما، وقال: «بل الأمر على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط - كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره، إنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المتفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه، وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه -ثم ضرب أمثلة لذلك، ثم قال-: وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح.

  8. ثم هو بعد دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده، استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا عن ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر ... » (٢) .

    1. (٢)«مقدمة ابن الصلاح» ص ٢٣٧ - ٢٤٣.
  9. وكلام ابن الصلاح في تعريف الحديث (الصحيح) ، و (الحسن) يدور حول ما ذكره هنا، من أن حديث الراوي الثقة يصحح، فإن خف ضبطه فهو الحديث