تعقبات المتأخرين لابن الجوزي في كتابه الموضوعات وبيان أن الصواب في الغالب معه
١٠ فقرات، ج ١ ص ٣٣٩
- ج ١ ص ٣٣٩
وراويه عن الزهري معاوية بن يحيى الصدفي لم يتهم بالكذب، فهو ضعيف، خاصة في الزهري، وقد تفرد بهذا عنه، ولم يشاركه أحد من أصحاب الزهري، على كثرتهم، فاستحق حديثه هذا أن يوصف بالوضع.
-
وقد رأيت أحد المشايخ المعاصرين نقل كلام ناقد في حكمه على حديث بالبطلان، ثم عقبه الشيخ بأن هذا الحكم مبالغة من الناقد، كذا قال، نظر إلى صورة الإسناد فقط، وهذه إحدى مشكلات النقد عند المتأخرين، وهي متفرعة من أصل خطأ عندهم: قياس الأحاديث برواتها، وليس قياس الرواة بأحاديثهم، ويتفرع منها قضايا أخرى ابتعد فيها المتأخرون جدا عن منهج النقد عند أئمته.
-
ولإدراك هذا جيدا ينظر تعقبات المتأخرين لابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» ، فقد أوسعوه نقدا، في أعيان الأحاديث، وفي كلامهم عليه في كتب المصطلح، وكنا نظن زمنا أن الصواب دائما أو غالبا مع من تعقبه، وعند التحقق تبين عكس ذلك، وأن الصواب في الغالب مع هذا الإمام، وفي حواشي المعلمي على «الفوائد المجموعة» للشوكاني كلام كثير حول نقد طريقتهم، وكذا صنع في المقدمة.
-
ثم ههنا أمر آخر، وهو أن طريقة المتأخرين جنت على الرواة أيضا، فالمتأخر حين ينظر في الإسناد جُلُّ نظره منصب على رواته، فأيهم وجده أشد ضعفا ممن سواه نقد الإسناد به، وإن كان الحديث لم يصح عنه إلى الآن، لأمر أغفله المتأخر، وأهم ذلك ما يتعلق بالتفرد، فحين ألغى المتأخر النقد به فالحديث عنده ثابت إلى هذا الراوي، فهو حلقة الضعف في الإسناد.
- ج ١ ص ٣٤٠
ومن أمثلة ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ... » الماضي في الفصل الأول من هذا الباب، فأبو حاتم حكم عليه بالنكارة بسبب تفرد طلق بن غنام به عن شريك، وقيس بن الربيع، وكل من رأيته تكلم على هذا الحديث من المتأخرين انصب نظره على شريك، وقيس بن الربيع، فهما دون طلق بن غنام، إذ هو ثقة، ثم رجع فعضد أحدهما بالآخر، وصحح الحديث أو حسنه، والإسناد لم يصح إليهما أصلا، فهو منكر عنهما.
-
وروى الترمذي عن أحمد بن محمد بن نيزك، عن أسود بن عامر، عن صالح بن عمر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيام أحب إلى الله العمل فيهن من عشر ذي الحجة ... » الحديث.
ثم قال الترمذي: «سألت محمدا (يعني البخاري) وعبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا الحديث، فلم يعرفاه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة» (١) .
- (١)«العلل الكبير» ١: ٣٤٦.
-
ذكر هذا أحد الباحثين عن الترمذي، وعلق على الإسناد بقوله: «في سند الحديث محمد بن عمرو بن علقمة، وفيه ضعف» ، ثم ذكر شواهد للحديث قال في آخرها عن حديث أبي هريرة: «أقل أحواله أن يكون حسنا» .
-
وبغض النظر عن تقصير الباحث في دراسة الرواة قبل محمد بن عمرو،
ج ١ ص ٣٤١فابن نيزك هذا ليس فيه توثيق، سوى أن ابن حبان ذكره في «الثقات» (١) ، وقال فيه ابن عقدة: «في أمره نظر» (٢) ، بغض النظر عن هذا، فقد وقع الباحث في الإشكال الذي ذكرته، وهو تحميل الراوي عهدة الحديث، وهو لم يصح عنه، فمحمد بن عمرو بريء من هذا الحديث، وكلام الإمامين -البخاري، والدارمي- صريح في أنه منكر عنه.
- (١)«الثقات» ٨: ٤٧.
- (٢)«تاريخ بغداد» ٥: ١٠٨.
-
وذكر هذا الحديث أيضا أحد المشايخ المعاصرين من مصدر آخر، لكن جاء عنده أحمد بن محمد بن نيزك منسوبا لجده، ثم قال: «وهذا سند حسن، لولا أني لم أعرف ابن نيزك هذا» .
-
ومعنى هذا أنه لو عرف ابن نيزك بالثقة لما تردد في تحسين الإسناد، وقد منعه من تصحيحه حال محمد بن عمرو، فقد تكلم فيه من قبل حفظه، ولم يلتفت الشيخ للتفرد الحاصل قبله في ثلاث طبقات، فلا يصح عنه أصلا.