مما يلزم الباحث الاعتناء في جمعه لأقوال النقاد في التفرد، ونظره فيها، أن يدقق جيدا في صفة التفرد الذي أراده الناقد

١٤ فقرة، ج ١ ص ٣٦٦

  1. أما إذا كان غرض الباحث شيئا خاصا غير حال الحديث نفسه، مثل البحث في راو معين من رواة الإسناد، وكلام النقاد حوله، وما استنكر عليه، أو البحث في أسباب وقوع الرواة في الخطأ، فهنا يقف الباحث عند كلام النقاد، ويجعل اختلافهم مؤثرا في القضية التي يتناولها.

    ج ١ ص ٣٦٦
  2. وقد تكرر فيما مضى -وسيأتي لاحقا- التنبيه على أن النقاد لهم غرض في الحديث نفسه، ودرجته، وهل يثبت أو لا؟ ولهم أغراض أخرى في الإسناد، مثل سماع الرواة بعضهم من بعض، وحال رواة الإسناد بإطلاق، أو في شيخ معين، فإن هذا كله إنما يعرف من خلال أحاديث الرواة، وتحديد ما أخطأ وما أصاب فيه الراوي.

  3. سادسا: مما يلزم الباحث الاعتناء به في جمعه لأقوال النقاد في التفرد، ونظره فيها، أن يدقق جيدا في صفة التفرد الذي أراده الناقد، فقد تقدم في أول هذا الباب أن التفرد منه ما هو مطلق، ومنه ما هو نسبي، إما عن راو معين، أو بصفة معينة في الإسناد أو المتن، فالناقد قد يقول: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وقد يقول: هذا حديث منكر، ولا يزيد على ذلك، ولكن يتبين بعد الدراسة، والنظر في الطرق الأخرى، وكلام النقاد الآخرين، أن غرضه نكارة الحديث بهذا الإسناد فقط، وللحديث طريق آخر لا نكارة فيه.

  4. فإذا روى الحديث سفيان بن عيينة -مثلا- عن شيخ له، واشتهر الحديث عن سفيان، ثم جاء إسناد فيه غرابة وتفرد عن سفيان الثوري، عن هذا الشيخ بعينه، واستنكر الناقد طريق سفيان الثوري، عرفنا أنه أراد نكارته من هذا

    ج ١ ص ٣٦٧الطريق فقط، سواء صرح بذلك أو سكت.

  5. وقد يقول الناقد: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وبعد التفتيش يتبين أنه لا إسناد لهذا المتن إلا هذا الإسناد، فغرض الناقد نكارته مطلقا، وقوله: بهذا الإسناد، زيادة تأكيد.

  6. وقد ينفي الناقد النكارة والتفرد عن راو، ومراده إلى هذا الراوي، وأما بعده فهو منكر.

  7. مثال ذلك أن معمر بن سليمان الرقي، روى عن عبدالله بن بشر، عن أبان، وحميد، عن أنس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يقبل امرأته وهو صائم، قال: هي ريحانة يشمها إذا شاء» (١) .

    1. (١)«الكامل» ٤: ١٥٥٩.
  8. سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: «أما من حديث حميد منكر، وأما أبان فقد روي عنه» (٢) .

    1. (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦١.
  9. ومراد أبي زرعة أن الرواية عن حميد الطويل لا تصح عنه، فالحديث منكر عنه لم يروه أصلا، وأما أبان بن أبي عياش فليست بمنكرة عنه، فقد روي عنه الحديث من غير هذا الطريق، فجاء عنه من طريق مروان بن معاوية، وعبدالوارث بن سعيد (٣) .

    1. (٣)«ذكر أخبار أصبهان» ١: ١٢٥، و «المطالب العالية» حديث (١٠٩٠).
  10. والحديث وإن لم يكن منكرا عن أبان، لكنه منكر عن أنس، فأبان متروك الحديث، ولما سئل أبو حاتم عن رواية المسيب بن واضح، عن معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، قال: «هذا حديث باطل، وليس هو من حديث حميد، إنما هو حديث أبان» (١) .

    1. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٤٦.
    ج ١ ص ٣٦٨
  11. فبين أولا بطلان الحديث كله، ثم بين أنه لا يصح عن حميد، وإنما الذي يرويه هو أبان بن أبي عياش.

  12. والمقصود هنا أن تحديد مراد الناقد بالتفرد والتضعيف به، أو نفي ذلك، في غاية الأهمية بالنسبة للباحث، فيتأكد من مراد الناقد بالتأمل في سياق الكلام، وبالنظر في الطرق الأخرى، وأقوال النقاد الآخرين.

  13. سابعا: مع أهمية كلام النقاد في التفرد، ورد هذا التفرد أو قبوله، فالباحث أمامه عمل كبير يقوم به، ليتمم عمل النقاد، لا ليقضي عليه، فكثير من الباحثين يظن أن الباحث انتهت مهمته إذا قيل له: ابحث عن كلام النقاد في الحديث وأثبته، وليس الأمر كذلك قطعا، فهناك أمور كثيرة تحتاج إلى جهد الباحث، وخبرته، وإظهار مقدرته النقدية.

  14. وقد أخرت الكلام في هذه القضية بغرض التأكيد عليها وإبرازها، وتسهيل إدراكها على الباحث، إذ قد تقدم في هذا الباب مسائل كثيرة في التفرد يدرك الباحث من خلال عرضها أن نقد المرويات لا يزال بحاجة إلى جهده المبارك،