إذا وجد إسناد وقع فيه تفرد ولم يوجد للأئمة كلام فيه، فماذا يصنع الباحث؟
١٩ فقرة، ج ١ ص ٣٧١
- ج ١ ص ٣٧١
متقدم له ولا متأخر.
-
وقد يصرح بأنه اختار القبول أو الرد لأنه قول الجمهور.
-
- إذا مر بالباحث إسناد وقع فيه تفرد، ولم يجد لأئمة النقد فيه كلاما، فبإمكانه أن يجتهد في تطبيق ضوابط القبول والرد بالتفرد على هذا الإسناد.
-
ولو لم يكن عنده سوى هذه المهمة لكانت كافية، لما نراه من كثرة الغرائب والأفراد في الكتب المتأخرة، وليس للنقاد في كل حديث بعينه كلام، وقد اعتمدها المتأخرون كثيرا في تصحيح الأحاديث المروية بها، فحرموا أنفسهم مشاركة أئمة النقد هذا العلم الشريف، وجنوا على سنة نبيهم، فأكثروا من تصحيح ما لا يصح.
-
ونظرا لكون هذه القضية لم يتقدم لها مثال فيما مضى، فسأضرب لها مثالا، فقد روى الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أحمد بن زيد القزاز، عن ضمرة بن ربيعة، عن عبدالله بن شوذب، عن أبي التياح، عن أنس مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» .
-
فهذا الحديث وضعه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١) ، بناء على ظاهر إسناده، لكنه حديث منكر جدا لا يصح، فالمشهور في هذا حديث أيوب بن سويد -وهو ضعيف- عن عبدالله بن شوذب، وقد ذكر الطبراني بعد
ج ١ ص ٣٧٢تخريجه أنه تفرد به أيوب (١) .
- (١)«الأحاديث المختارة» حديث (٢٧٨٣).
- (١)«الكامل» ١: ٣٦٢، و «المعجم الصغير» حديث (٤٧٥)، و «سنن الدارقطني» ٣: ٣٥، و «المستدرك» ٢: ٥.
-
وأما طريق ضمرة فيحتمل أن يكون خطأ ممن دونه.
-
وأحمد بن زيد القزاز، لم يذكر في تلاميذ ضمرة بن ربيعة، ولا في شيوخ يحيى بن عثمان، وله ذكر في تراجم بعض شيوخه، والآخذين عنه، ولم أقف له على ترجمة (٢) ، ويحيى بن عثمان بن صالح متكلم فيه أيضا.
- (٢)«ذيل تاريخ بغداد» ١٧: ٢٢٢، و «تاريخ دمشق» ٥٣: ٣٣٥، و «تهذيب الكمال» ٢: ٢٠٨، ٣٠: ١٥٨، و «تاريخ الإسلام» ٢٦: ٤٢٠.
-
ولو صح الإسناد إلى ضمرة فالحديث منكر، فضمرة مع ثقته قد استنكر له النقاد أحاديث، تقدم منها في الفصل الثالث حديثه عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق» .
-
ومما استنكر عليه أيضا حديث آخر، يرويه عن عبدالله بن شوذب، عن ثابت، عن أنس، استنكره عليه أحمد (٣) .
- (٣)«تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٩.
-
وقد قال الساجي: «صدوق يهم، عنده مناكير» (٤) .
- (٤)«إكمال تهذيب الكمال» ٧: ٣٧.
-
وفي أحاديث الباب كلها يقول الشافعي: «هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث» (٥) .
- (٥)«السنن الكبرى» ١٠: ٢٧١.
- ج ١ ص ٣٧٣
ويقول أحمد: «حديث باطل، لا أعرفه من وجه صحيح» (١) .
- (١)«التلخيص الحبير» ٣: ١١٣.
-
فهذه الأقوال كلها داخلة في استنكار هذا الطريق وتضعيفه ورده بالتفرد.
-
وروى جماعة عن محمد بن عمر بن يزيد الزهري، عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل» (٢) .
- (٢)«طبقات المحدثين بأصبهان» ٤: ١٧٦، و «معجم ابن المقرئ» حديث (٦٧٥)، و «الطب النبوي» لأبي نعيم حديث (١٥١)، و «ذكر أخبار أصبهان» ١: ١٩٥، ٣٥٣، ٢: ٦٩.
-
فتعرض أحد المشايخ المعاصرين لتخريج الحديث، فعزاه إلى أبي نعيم في «الطب» ، و «أخبار أصبهان» ، وذكر أنه فيها من طرق عن أبي داود الطيالسي، وانتهى إلى أن الإسناد حسن لذاته، والحديث ليس له إلا طريق واحد عن أبي داود الطيالسي، وهو طريق محمد بن عمر الزهري، لكن وقع تحريف عند أبي نعيم، فظنها الشيخ طرقا مختلفة.
-
ومحمد بن عمر هذا أخو الحافظ عبدالرحمن بن عمر الزهري المعروف برسته، وليس في ترجمته ذكر لحاله (٣) ، فهو مجهول، وقد تفرد به عن أبي داود الطيالسي، ولهذا لا يوجد هذا الحديث إلا في هذه المصادر النازلة، لكن منهج الشيخ أنه لا يلتفت لتأخر المصادر، ولا لظهور الحديث بعد عصر النقاد،
ج ١ ص ٣٧٤ولو صح هذا عن أبي داود الطيالسي لاشتهر جدا، ولخرجه الأئمة في كتبهم.
- (٣)«فتح الباب في الكنى والألقاب» لابن منده ص ٥١٢، و «ذكر أخبار أصبهان» ٢: ١٨٧، و «تاريخ الإسلام» ٢٠: ١٧٥.
-
وأكثر من ذلك أن الشيخ عتب على بعض الأئمة المتأخرين، وأنهم ظلموا هذا الحديث، فلم يذكروه إلا بإسناد عند الطبراني فيه راو متروك (١) ، والحقيقة أن الشيخ بتحسينه طريق أبي داود هو الذي ظلم هذا الحديث.
- (١)«المعجم الأوسط» حديث (٢٨).
-
قيل لأحمد: أتعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل» ؟ ، فقال: «لا أعرفه، إنما هذا عن منصور، عن مجاهد، عن عمر» (٢) .
- (٢)«منتخب علل الخلال» ص ٨٤.