تبيين الجانب التطبيقي لدى الأئمة النقاد، وممن قام به ابن مفوز الأندلسي، وابن عبد الهادي
١٥ فقرة، ج ١ ص ٤٤٧
- ج ١ ص ٤٤٧
ويرجح الإرسال على الإسناد» (١) .
- (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٨.
-
وأما من الناحية النظرية فكذلك, جاءت عنهم كلمات أيضا تدل على أن الأمر ليس على إطلاقه, وأن المقصود بقبول زيادات الثقات أنها ليست كلها مردودة, فيقبل منها ما يقوم الدليل على ترجيح حفظه, ويرد منها ما ليس كذلك.
قال الشافعي: «إنما يُغَلَّط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه, أو يأتي بشيء في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ, وهم عدد, وهو منفرد» (٢) .
- (٢)«اختلاف الحديث» ص ٣٠.
-
وذكر الدارقطني حديثا وقع فيه اختلاف على أحد رواته, ثم قال: «وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب, وإسماعيل بن عياش, وقد زاد عليهما, وزيادة الثقة مقبولة» (٣) .
- (٣)«العلل» ٢: ١٨٢.
-
وقال أيضا في كلامه على حديث آخر خالف فيه الثوري اثنين من الثقات: «لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه لأن زيادة الثقة مقبولة» (٤) .
- (٤)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٨.
-
وإلى جانب هذه التنبيهات القيمة من هؤلاء الأعلام في شرح وتوضيح منهج أئمة النقد حين اختلاف الرواة - فقد كان لبعضهم جهد مشكور في جانب آخر، هو الأهم، أعني الجانب التطبيقي، فقد تتبع بعض الأئمة أحكام أئمة
ج ١ ص ٤٤٨آخرين ساروا على منهج الفقهاء والأصوليين، ونقدوا تلك الأحكام على ضوء منهج أئمة النقد.
فمن هؤلاء الحافظ أبو بكر محمد بن حيدرة الشاطبي الأندلسي، المعروف بابن مفوز، المتوفى سنة ٥٠٥ وقد جاوز الأربعين بثلاث سنين، قال فيه الذهبي: «كان حافظا للحديث وعلله، عالما بالرجال، متقنا ... » (١) .
- (١)«سير أعلام النبلاء» ١٩: ٤٢١.
-
ولابن مفوز رد على ابن حزم، وصفه ابن عبدالهادي بأنه رد حسن، وقال: «كتبته، وهو يدل على تبحره وإمامته» (٢) .
- (٢)«طبقات علماء الحديث» ٤: ٢٧.
-
وهو كما قال ابن عبدالهادي، فقد نقل عنه ابن القيم مناقشته لابن حزم في تصحيحه لحديث خطأ أئمة الحديث فيه أبا إسحاق السبيعي، فرد عليهم ابن حزم، وزاد على ذلك فصحح روايتين متعارضتين عن أبي إسحاق، وحملهما على تعدد الواقعة، فرد عليه ابن مفوز ردا محكما، أشار فيه إلى منهج أئمة الحديث، ومنهج الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرق (٣) .
- (٣)«تهذيب سنن أبي داود» ١: ١٥٤.
-
ومن هؤلاء أيضا ابن عبدالهادي في كتابه: «تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق» ، تتبع فيه ابن الجوزي في كتابه «التحقيق في أحاديث التعليق» ، في الأحاديث التي نصر فيها منهج الفقهاء والأصوليين (٤) .
- (٤)انظر مثلا: «التنقيح» ١: ٣١١، ٣٦٦، ٣٨٥، ٣٨٧، ٣٨٨.
- ج ١ ص ٤٤٩
ونرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن رجب على أحاديث حسنها النووي في «الأربعين» ، وناقشه ابن رجب بتعليلها على طريقة المتقدمين، ونقل كلامهم (١) .
- (١)انظر مثلا: «جامع العلوم والحكم» الحديث الثاني عشر، والحديث التاسع والثلاثين.
-
كما نرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن حجر على أحاديث يصححها بعض الأئمة، وهي معلولة عند أئمة النقد، فكثيرا ما يقول: «مشى فلان (كابن حبان مثلا) على ظاهر الإسناد، فصحح الحديث» (٢) .
- (٢)انظر مثلا: «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧٢٦، ٧٨٢.
-
واليوم -والعالم الإسلامي يشهد نهضة وإقبالا شديدا على دراسة السنة النبوية- يجد الباحث نفسه في ذات الموقف الذي اضطر بسببه جمع من الأئمة المتأخرين إلى تحرير منهج كبار أئمة النقد، إذ النهضة المعاصرة فتحت عينيها على حفظ وتطبيق ما في كتب المصطلح، وحمل الراية في بداية النهضة من أوغل جدا في سلوك منهج الفقهاء والأصوليين، والرد كثيرا على أئمة النقد، وإن حصل منهم إجماع أو ما يشبه الإجماع في الحديث المعين، أعني الشيخ أحمد شاكر.
-
ثم كثر المنتسبون إلى هذا العلم، المشتغلون بالأحاديث تصحيحا وتضعيفا كثرة بالغة، بسبب افتتاح أقسام الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية، ومطالبة هذه الأقسام -حتى غير المتخصصة- الباحثين والباحثات بالحكم على الأحاديث، مع تأكيدهم عليهم أن يكون الحكم على الأسانيد مفردة، دون التعرض للعلل، لأن هذا من شؤون أئمة النقد كما يقولون.
- ج ١ ص ٤٥٠
ولا بد من الإشارة إلى فرق جوهري بين ما كان عليه الأئمة المتأخرون السائرون على منهج الفقهاء الأصوليين، وبين الباحثين في العصر الحاضر، وهو أن أكثر أولئك ساروا على منهج مع علمهم بوجود منهج آخر وهو منهج أئمة النقد، كما تقدم في كلام ابن حزم، وابن الجوزي، وابن القطان، وأما الباحثون المعاصرون فأكثرهم لا يدرك ذلك، ويأنف أن يقال له: إنك تسير على غير ما سار عليه أئمة النقد، مع أن الأمر ظاهر، إذ هو يكثر من تصحيح أحاديث قد ضعفوها، فمن أين أتى هذا؟ .
-
وقد حاورني شخص حين سمع بوجود منهجين وقال في كلامه: أريد من نص على هذا، بشرط تجنب ذكر اثنين، فذكر أستاذا فاضلا معاصرا، له جهود مشكورة موفقة في التنبيه على بعض الخلل في الدراسات الحديثية عند المتأخرين، وذكر الحافظ ابن رجب.
فقلت له: أما الأستاذ المعاصر فلك الحق في استثنائه، لأن خلافك معه ومع أمثاله، وأما ابن رجب فهو الفحل لا يقذع أنفه، فلو افترضنا أنه تفرد بالتنبيه على مثل ذلك ما ضره، فإن الحق معه، وسبيل التأكد من صحة ما يقوله ليس بالعسير لمن وفقه الله تعالى، فهذه كتبهم، وهذا صنيع المتأخرين.
-
ومع ذلك فسأتنزل معك وأدع ابن رجب (١) , ثم ذكرت له جماعة من الأئمة الذين نصوا على وجود المذهبين ممن تقدم نقل كلامهم آنفا، فما كان منه
- (١)ينظر بحثه لهذه المسألة في «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٠ - ٦٤٣.