المتابعات للمدار ومن فوقه لا تقلب الترجيح في الاختلاف على المدار
١٣ فقرة، ج ٢ ص ١٣١
- ج ٢ ص ١٣١
الأمر الرابع: الاستعانة بطبقة المدار المختلف عليه ومن فوقه لترجيح وجه أو أكثر من وجوه الاختلاف على المدار أمر في غاية الدقة, وهو مزلة قدم إذا لم يحكمه الباحث، وبيان ذلك أن الاستعانة بالطبقات العليا والاستفادة منها للترجيح في اختلاف على راو إنما يصح إذا كان الترجيح في الاختلاف على هذا الراوي قد فرغ منه الناقد, أو كاد يفرغ منه, وذلك بالنظر في المدار نفسه, وفي الرواة المختلفين عليه, وفي صفة رواياتهم, فيزيد هذا الترجيح قوة بالاستعانة بالطبقات العليا.
-
وعلى هذا فالروايات في الطبقات العليا لا تقلب الترجيح, فلو اختلف على سفيان الثوري -مثلا- أصحابه, فرواه بعضهم على وجه, ورواه بعضهم على وجه آخر، ثم ترجح للباحث أحد الوجهين وفرغ منه, وانتقل إلى النظر في الروايات الأخرى عن شيخه الأعمش, فوجد أن الطرق الأخرى عن الأعمش توافق الوجه المرجوح عن الثوري, لا يعود الباحث وينقض ترجيحه في الخلاف على الثوري.
-
وكذلك لو وجد الباحث خلافا على الأعمش, ثم عالجه, ووصل إلى ترجيح وجه كان هو المرجوح عن الثوري, لا يعود إلى الاختلاف على الثوري ويقلب نتيجة النظر بجعل ما هو مرجوح عن الثوري راجحا عنه.
-
ومثل ذلك لو تقرر عند الباحث بصورة ظاهرة حفظ الوجهين عن الثوري، ثم انتقل إلى الروايات الأخرى عن شيخه الأعمش، فوجد أن المحفوظ عنه وجه واحد, لا يعود إلى الاختلاف على الثوري، ويلغي النتيجة الأولى, بل هي باقية.
- ج ٢ ص ١٣٢
والروايات الأخرى عن الأعمش أفادت حينئذ أي قولي الثوري هو الذي أصاب فيه، وأيهما الذي أخطأ فيه؟ فأفادتنا ما هو الراجح من المدار فما فوق, وأما قبل المدار فلم تتغير النتيجة.
-
والخلاصة أنه لا تلازم مطلقا بين نتيجة نظر في اختلاف في طبقة، وبين ما هو حاصل في الطبقات التي فوقه, وشرح ذلك لن أطيل به هنا, فهذا له فصل خاص به هو الفصل الرابع, وهو بعنوان (الاختلاف عن المدار والحكم النهائي) , والمباحث في الفصل الذي نحن فيه الآن خاصة المبحثين الثاني, والثالث - هي في معرفة ما هو المحفوظ عن المدار الذي ينظر الباحث في الاختلاف عليه, غير أني استعجلت التنبيه على هذه القضية لأن لها مناسبة هنا، ولكثرة وقوع الخلط عند الباحثين حين يستعينون بالنظر في روايات الطبقات العليا.
-
وأكتفي هنا بعرض مثال يتضح به المقصود, وهو حديث اختلف فيه على الزهري وعلى من دونه, وأشهر الأوجه فيه وجهان, فرواه إسماعيل بن عياش, عن موسى بن عقبة, وقال مرة: عن الزبيدي, كلاهما عن الزهري, عن أبي بكر بن عبدالرحمن, عن أبي هريرة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل ... » الحديث (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٣٥٢٢) ,و «سنن ابن ماجه» حديث (٢٣٥٩).
-
ورواه مالك, ويونس بن يزيد, وصالح بن كيسان, ومعمر, عن الزهري, عن أبي بكر بن عبدالرحمن مرسلا, ليس فيه أبو هريرة.
- ج ٢ ص ١٣٣
وقد توارد النقاد -محمد بن يحيى الذهلي, وأبو داود, وأبو زرعة, وأبو حاتم, والعقيلي, والدارقطني- على ترجيح المرسل, وأن الموصول بذكر أبي هريرة غير محفوظ (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٣٥٢٠ - ٣٥٢٢) , و «المنتقى» حديث (٦٣٣) , و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٨٣, ٣٨٨, و «الضعفاء الكبير» ١: ٨٩, و «سنن الدارقطني» ٣: ٢٩, ١٠٩.
-
تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف, فتكلف جدا في تقوية الوجه الأول, لكنه رجح الوجه الثاني لأنه من رواية الحفاظ الكبار من أصحاب الزهري, ثم عاد فنقض هذا, وقال: «لكن يلاحظ أنه وجد متابع للزهري عليه (يعني الوجه الأول) بسند صحيح, وذلك فيما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» (٢) من طريق يحيى بن سعيد, عن أبي بكر بن عمرو بن حزم, عن عمر بن عبدالعزيز, عن أبي بكر بن عبدالرحمن, عن أبي هريرة مرفوعا ... , وعليه يمكن القول بالجمع بين الوجهين, ويكونان مسموعين عن الزهري ... ».
- (٢)«صحيح البخاري» حديث (٢٤٢٠)، و «صحيح مسلم» (١٥٥٩).
-
كذا قال الباحث, وصنيعه هذا من أبعد ما يكون عن قواعد النقد, فالوجه الموصول ضعيف عن الزهري, لو صح الطريق إلى موسى بن عقبة, والزبيدي, فكيف والراوي عنهما إسماعيل بن عياش؟ ثم زاد الباحث الطين بلة, فاتكأ على رواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة لترجيح حفظ الموصول عن الزهري, ولا يصح هذا أبدا، فلا تنفع رواية عمر بن عبدالعزيز لانتشال ما هو ضعيف جدا عند الزهري, بل قد تزيده ضعفا, لأن الحديث إذا عرف واشتهر من رواية شخص,
ج ٢ ص ١٣٤ثم نقله من لا يعتمد عليه إلى راو آخر مشهور دل على ضعف روايته, كما تقدم شرحه في المبحث الذي قبل هذا.
-
وكان ينبغي للباحث حين فرغ من النظر في الوجهين عن الزهري, ورجح المرسل, أن يتوقف عند هذا بالنسبة لرواية الزهري, ثم ينشئ نظرا آخر في الاختلاف على المدار الأعلى وهو أبو بكر بن عبدالرحمن, والنظر يكون بين رواية الزهري المرسلة, ورواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة, كما سيأتي شرح ذلك في الفصل المشار إليه آنفا.
-
وهذا كله لو كان الحديثان متفقين في المعنى, وليس كذلك, فإن في رواية الزهري زيادة تفصيل ليس في رواية عمر بن عبدالعزيز.