هل تعتمد الروايات المعلقة في الموازنة والترجيح؟

١٦ فقرة، ج ٢ ص ١٦٧

  1. فابن حجر -مثلا- في «تغليق التعليق» أو في «فتح الباري» يقول في بعض الأسانيد التي يعلقها البخاري: لم أقف عليه موصولا، أو لم أقف على من وصله، وربما أغفل تخريجه.

    ج ٢ ص ١٦٧
  2. وهكذا توجد مثل هذه العبارات عند الباحثين الذين اشتغلوا بـ «علل ابن أبي حاتم» ، و «علل الدارقطني» أو اشتغلوا بالأحاديث التي حكى الأئمة فيها اختلافا، كالبخاري في «تاريخه» ، وأبي داود، والترمذي في «سننهما» ، والبزار في «مسنده» ، والعقيلي في «ضعفائه» ، وغيرهم.

  3. وكذلك في الإبهام، يقول الناظر: لم أقف على هذا الغير الذي رواه موقوفا، أو مرسلا, أو يقول في رواية الأصحاب غير المسمين: لم أقف على رواية أحد منهم، أو وقفت على رواية فلان, ولم أقف على رواية غيره.

  4. واعتماد هذه الروايات في الموازنة والترجيح يعارضه ما تقرر من أنه لا يصح أن ينسب إلى أحد شيء إلا بعد ثبوته عنه, ولا يعرف ذلك إلا بالوقوف على الإسناد الذي روي به. ويتأكد هذا إذا عرفنا أنه يوجد في معلقات النقاد ما يوقف عليه موصولا، ويتبين بعد فحص الإسناد أنه لا يصح إلى من علق عنه، أو يوجد عن الراوي بخلاف ما علقه عنه الناقد، فيعلقه الناقد عن راو على وجه, ويوجد عنه موصولا على وجه آخر, وهذا كثير أيضا, سيأتي شيء منه قريبا.

  5. ومن ذلك قول ابن الجنيد: «ذكر يحيى بن معين -وأنا أسمع- حديث العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مضى النصف من شعبان فلا تصوموا» ، فقال: رواه زهير بن محمد, وعبدالرحمن بن إبراهيم, والزنجي.

    ج ٢ ص ١٦٨قلت ليحيى: والدراوردي, قال: الدراوردي, ومحمد بن جعفر, لا يرفعانه, قلت: حدثنا غير واحد عن الدراوردي يرفعه ... » (١) .

    1. (١)«سؤالات ابن الجنيد» ص ١٦٠.
  6. وروى موسى بن مسعود, ومؤمل بن إسماعيل, وعبدالرحمن بن مهدي

    -في رواية الجماعة عنه- عن الثوري، عن الأعمش, ومنصور, عن أبي وائل, عن ابن مسعود مرفوعا: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله, والنار مثل ذلك» (٢) .

    1. (٢)«صحيح البخاري» حديث (٦٤٨٨) و «مسند البزار» حديث (١٦٦٣) , و «مسند أبي يعلى» حديث (٥٢٨٠) , و «سنن البيهقي» ٣: ٣٦٨.
  7. قال البزار بعد أن رواه عن محمد بن المثنى, عن عبدالرحمن بن مهدي هكذا: «وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش, عن أبي وائل, عن عبدالله موقوفا, وأسنده الثوري, عن منصور, والأعمش» .

  8. كذا قال البزار, يشير إلى تفرد سفيان بالرفع, والروايات الموجودة عن الأعمش كلها موافقة لرواية سفيان الثوري بالرفع, هكذا رواه وكيع, وعبدالله بن نمير, وشيبان بن عبدالرحمن, وغيرهم (٣) , ولم يوقف على رواية عن الأعمش بالوقف, سوى ما رواه أحمد, عن عبدالرحمن بن مهدي, عن سفيان الثوري موقوفا (٤) , وقد رواها الجماعة وهم محمد بن المثنى, وزهير بن حرب,

    ج ٢ ص ١٦٩ومحمد بن يحيى الذهلي, عن عبدالرحمن بن مهدي مرفوعا (١) .

    1. (٣)«مسند أحمد» ١: ٣٨٧، ٤٤٢, و «مسند الشاشي» حديث (٥١٤) , و «فوائد تمام» حديث (١٧٢٧) , و «تاريخ بغداد» ١١: ٣٨٧, و «سير أعلام النبلاء» ٤: ١٦٦,
    2. (٤)«مسند أحمد» ١: ٤٤٢.
    3. (١)وانظر مثالا آخر للبزار في «مسنده» حديث (١٨٠٩) , ومثالا للدارقطني تعقبه فيه ابن رجب في: «علل الدارقطني» ٥: ١٨٩, و «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٧١.
  9. فهذه مبررات توجب التوقف في الاعتماد على المعلقات التي لا يوقف علهيا موصولة.

  10. وفي مقابل ذلك: إغفال هذه الأسانيد يفضي إلى تعطيل جزء كبير من روايات السنة النبوية، خاصة في مجال النقد، وقد تقدم في تمهيد هذا الكتاب شكوى أحمد وغيره من كون الرواة في عصر الرواية يكتبون الأسانيد التامة ويدعون الناقصة، وقد تكون الناقصة هي الأقوى إسنادا عن المدار، فتعل التامة، فقد ذهب إذن جزء من الأسانيد الكاشفة للعلل في ذلك الزمان.

  11. ثم ازداد الأمر في عصر التأليف, فالذين ألفوا في جمع السنة وصنفوها على الأبواب, أو على المسانيد، أو غير ذلك, كان اهتمامهم منصبا على الأسانيد التامة موصولة مرفوعة، أما ما يُعِلُّ هذه الأسانيد بالوقف أو الإرسال أو الإبدال أو غير ذلك، فكان اهتمامهم به في هذه المؤلفات دون النوع الأول، وكثير مما يذكرونه من النوع الثاني يذكرونه معلقا، كما يفعل البخاري، وأبو داود، والترمذي.

  12. والمؤلفات التي عنيت بالأسانيد, الني تكشف العلل وخصصت لهذا الغرض هي كتب النقد, مثل كتب علل الأحاديث, غير أن أكثر الأسانيد في هذه الكتب جاءت معلقة, مع أن هذا اللون من التصنيف لم يصلنا أكثره.

  13. فإغفال الأسانيد المعلقة في مجال النقد مع العوز الموجود أصلا فيما نحتاجه من أسانيد تكشف العلل, له تأثيره الكبير على الدراسات النقدية.

    ج ٢ ص ١٧٠
  14. هذه مبررات اعتماد الأسانيد المعلقة عند الموازنة والنظر.

  15. وقد سبرت موقف الباحثين من هذه الأسانيد المعلقة فرأيت بعضهم

    -وهم الأكثر- يعتمدها ويدرجها في الموازنة، على حين يكتفي بعضهم بالأسانيد الموصولة عنده، ولم أر من تعرض لأسباب الاعتماد أو الترك, وبالنظر في مبررات اعتماد هذه الأسانيد ومبررات إغفالها التي ذكرتها آنفا يظهر أن مبررات اعتمادها أقوى، ولكن مع هذا ففي رأيي أن المسألة تحتاج إلى بحوث موسعة، تتم فيها دراسة جملة من هذا النوع من الأسانيد، دراسة مقارنة، يصل فيها الباحث إلى نتيجة يرى أنها صوابا، والأحسن أن يقتصر الباحث على إمام واحد ليمكنه الإلمام بالموضوع، ويسلم من تشعبه، وتقوم الدراسة على أساس اختيار قدر كاف من الأسانيد المعلقة عند ذلك الإمام والبحث عنها موصولة، فمتى وجد الباحث أن ما يقف عليه موصولا أسانيدها ثابتة إلى من علقها عنه, أو أكثرها كذلك, عرفنا أن الإمام لا يعلق عن شخص إلا ما ثبت عنه, وإن كان غير ذلك بأن تكثر الأسانيد الضعيفة للمعلقات، فمعناه أن هذا الإمام يعلق ومراده ورود الرواية، بغض النظر عن ثبوتها، خاصة إن كانت الأسانيد الموصولة يوجد شيء منها عند هذا الإمام.

  16. ومع الحاجة إلى مثل هذه الدراسات فإن هذا لا يمنع من القول بأنه يمكن للباحث أن يتعامل مع كل حالة بعينها، وأعني بذلك أن ينظر في المعلق الذي بين