في هذا النوع من الاختلافات جانب يظهر به الفرق جليا بين منهج أئمة الحديث ومنهج الفقهاء والأصوليين، وذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك
٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٢
- ج ٢ ص ٢٠٢
ما هو صواب، وتخطئة ما هو خطأ، فاحتمال خطأ الباحث هنا ضعيف, لا سيما وأنه سيتكئ على قول ناقد أو أكثر.
-
وينصح الباحث هنا -إذا أكثر من التطبيق والممارسة لهذا النوع- أن لا يغيب عنه قدر نفسه، وأن يكون متوازنا في عباراته وجمله التي يعبر بها عن اختياره، فالعلم لم ينته هنا، ولو انتهى هنا لصرنا كلنا أئمة من نقاد الحديث وصيارفته.
-
وفي هذا النوع من الاختلافات جانب آخر يتعلق بالباحث المتأخر أيضا، فهو مجال لإنعام النظر والتأمل, يظهر به الفرق جليا بين منهج أئمة الحديث ونقاده ومنهج الفقهاء والأصوليين الذي عرف فيما بعد بمنهج المتأخرين، لأن كثيرا من المشتغلين بالحديث من المتأخرين تأثروا به، إما كليا أو جزئيا، وطبقوه في تعاملهم مع الاختلاف.
-
وقد مضى الحديث مفصلا عن هذه القضية من حيث هي في الفصل الأول من هذا الباب، وأشير هنا إلى بعض الأمثلة التي توضح الفرق بين المنهجين.
-
فمن ذلك الحديث الماضي في أول مبحثنا هذا، وهو حديث عبيدالله بن عمرو الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس في القراءة خلف الإمام.
تقدم هناك أن عددا كبيرا من النقاد تواردوا على تخطئة عبيدالله بن عمرو في ذكر أنس، فأيوب إنما يرويه عن أبي قلابة مرسلا، وسأل خالد الحذاء أبا قلابة عمن سمع منه هذا الحديث, فقال: محمد بن أبي عائشة, مولى لبني أمية ... الخ.
-
وأما ابن حبان فأخرج الموصول بذكر أنس في مكانين، ثم قال في الموضع
ج ٢ ص ٢٠٣الثاني منهما: «سمع هذا الخبر أبو قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسمعه من أنس بن مالك، فالطريقان محفوظان» (١) .
- (١)«صحيح ابن حبان» حديث (١٨٤٤)، (١٨٥٢).
-
وكذا صحح الإسناد الموصول بذكر أنس غير واحد من الباحثين.
ومن ذلك أيضا حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «إن للصلاة أولا وأخرا ... » الحديث, وقد مضى ذكره في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب.
وخالف محمد بن فضيل أصحاب الأعمش، فرووه عنه، عن مجاهد قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وأخرا ... » .
-
واجتمع في ترجيح كونه عن مجاهد مرسلا ما شئت من قرائن، الكثرة، والحفظ، والتقدم في الأعمش، وسلوك محمد بن فضيل جادة سهلة: الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
-
ولم يتردد النقاد في تخطئة محمد بن فضيل, كما تقدمت النقول عن ابن معين، وأبي حاتم، والدارقطني.
-
ومما لم يتقدم قول محمد بن عبدالله بن نمير: «حديث محمد بن فضيل, عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في المواقيت خطأ، ليس له أصل» (٢) .
وقال البخاري: «حديث الأعمش، عن مجاهد, في المواقيت، أصح من
ج ٢ ص ٢٠٤حديث محمد بن فضيل, عن الأعمش, وحديث محمد بن فضيل خطأ, أخطأ فيه محمد بن فضيل» (١) .
وقال ابن عبدالبر: «هذا الحديث عند جميع أهل الحديث حديث منكر، لم يروه أحد عن الأعمش بهذا الإسناد إلا محمد بن فضيل، وقد أنكروه عليه» (٢) .
- (٢)«التمهيد» ٨: ٨٦.
- (١)«سنن الترمذي» حديث (١٥١).
- (٢)«التمهيد» ٨: ٨٦.
-
هذا كلام أئمة النقد، وأما غيرهم فمما قالوه في حديث محمد بن فضيل قول ابن حزم مصححا لحديث أبي هريرة: «وما يضر إسناد من أسند إيقاف من وقف» (٣) .
وقال ابن القطان: «وعندي أنه لا بعد في أن يكون عند الأعمش في هذا عن مجاهد وغيره مثل الحديث المرفوع، وإنما الشأن في رافعه وهو محمد بن فضيل، وهو صدوق من أهل العلم، وقد وثقه ابن معين» (٤) .
وقال ابن الجوزي: «ابن فضيل ثقة، فيجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلا، وسمعه من أبي صالح مسندا» (٥) .
وقال أحمد شاكر متعقبا أئمة النقد: «هذا التعليل منهم خطأ، لأن محمد بن فضيل ثقة حافظ ... , والذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية
ج ٢ ص ٢٠٥المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلا لها أصلا» (١) .
- (٣)«المحلى» ٣: ٢٢١.
- (٤)«بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٣٩.
- (٥)«التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (٣٥٨).
- (١)حاشية أحمد شاكر على «سنن الترمذي» ١: ٢٨٥.
-
ومما مضى أيضا حديث سفيان بن عيينة, عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة» ، مضى في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وذكرت هناك أن الجماعة من أصحاب الزهري جعلوه عن الزهري مرسلا، ليس فيه سالم، ولا والده عبدالله بن عمر، وأن أئمة النقد تواردوا على ترجيح ذلك حتى قال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل أصح» .
-
وحديث سفيان بن عيينة الموصول أخرجه ابن حبان في «صحيحه» ، وعقد ابن حبان بابا للدفاع عن رواية سفيان، فقال: «ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر أخطأ فيه سفيان بن عيينة» ، ثم ساق إسناده إلى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله: «أن عبدالله بن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، قال: وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي بين يديها، وأبا بكر وعمر وعثمان، قال الزهري: وكذلك السنة» (٢) .
وهذا الدليل الذي استدل به ابن حبان, هو على الحقيقة كاشف لسبب وهم ابن عيينة، فإن قوله: «وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي ... » الحديث من قول الزهري، كما تقدم شرحه هناك.
- (٢)«صحيح ابن حبان» حديث (٣٠٤٥ - ٣٠٤٨).
- ج ٢ ص ٢٠٦
وكذا صحح رواية سفيان جمع من الأئمة المتأخرين والباحثين، ونص بعضهم على أنها على شرط الشيخين، ومما قاله أحد المشايخ: «توهيم ابن عيينة في إسناد هذا الحديث مما لا وجه له عندي البتة، وهو من أعجب ما رأيت من التوهيم بدون حجة، بل خلافا للحجة ... » .
-
ثم ساق عددا من المتابعات لابن عيينة، وهي إما دالة على وهم ابن عيينة، وإما أنها لا تصح، وقد تقدم نقد بعضها في مكان آخر من المبحث المشار إليه، حيث ذكرت الحديث فيه في مناسبتين.
-
ومما تقدم في المبحث المشار إليه أيضا ما رواه محمد بن سليمان المعروف بابن الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «مدمن خمر كعابد وثن» .
-
وخالفه سليمان بن بلال، فرواه عن سهيل، عن محمد بن عبدالله، عن أبيه مرفوعا، ومحمد بن سليمان ضعيف، وسليمان بن بلال ثقة، وقد سلك محمد الجادة السهلة: سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، مما يدل على خطئه، وقد فعل هذا في غير ما حديث (١) .
- (١)«التاريخ الكبير» ١: ٩٩، ٧: ٣٧، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٤٤.
-
وقد رواه عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن عبدالله بن عمرو موقوفا (٢) .
- (٢)«السنة» للخلال حديث (١٢٧٨)، (١٣١٧).
- ج ٢ ص ٢٠٧
فاجتمع في هذا الحديث عدد من القرائن لترجيح قول سليمان بن بلال، ولهذا أنكره النقاد على ابن الأصبهاني، وتقدم النقل عن ابن عدي في هذا، وممن أنكره كذلك: البخاري (١) .
- (١)«التاريخ الكبير» ١: ١٢٩.
-
وقال ابن حجر عن إسناد حديث أبي هريرة الذي خطأه الأئمة: «وإسناده جيد» (٢) .
- (٢)«تخريج أحاديث الكشاف» حديث (٤٧٧).