الإشكالات في عطف الأسانيد بعضها على بعض بالواو
١٦ فقرة، ج ١ ص ٦٨
- ج ١ ص ٦٨
وقال ابن جرير: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، ومنصور، عن أبي الضحى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} ، قالا: «محمد هو المنذر، وهو الهاد» ، » (١) .
فقوله: ومنصور ... ، معطوف على قوله: عن السدي ... ، فسفيان الثوري يرويه عن السدي، عن عكرمة، ويرويه عن منصور، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح.
- (١)«تفسير ابن جرير» ١٣: ١٠٦.
-
وعطف الأسانيد بعضها على بعض بالواو لا يخلو من إشكالات أيضا، فقد لا يكون في السياق الذي أمام الباحث إسناد معطوف عليه أصلا، كما في قول البخاري: «حدثنا محمد بن عبدالرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبدالله بن وهب، قال: وأخبرني ابن جريج، أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس ... » ، فذكر الحديث في صلاة العيد وخطبتها (٢) .
قال ابن حجر في كلامه على هذا الحديث: «وقول ابن وهب: وأخبرني ابن جريج، معطوف على شيء محذوف» (٣) .
- (٢)«صحيح البخاري» حديث (٤٨٩٥).
- (٣)«فتح الباري» ٨: ٦٤٠.
-
ورأيت في «صحيح مسلم» مواضع يقع فيها العطف على إسناد لم يذكره مسلم، قد نقله كما هو معطوفا، أو تكون الواو مقحمة، ينظر مثلا: حديث (٣٧٩) ، وحديث (٥١٥) -الإسناد الثاني منه-، وحينئذ فالعطف لا اعتبار له.
- ج ١ ص ٦٩
ولا شك أن بيان سبب العطف أولى، كما في رواية الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: وأخبرني عطاء بن يزيد الليثي، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ... » الحديث، قال سفيان: «كان الزهري حدثنا قبله حديث أنس، ثم أتبعه هذا، فقال: وأخبرني عطاء بن يزيد» (١) .
- (١)«مسند الحميدي» حديث (٤٧٧)، و «تاريخ ابن أبي خيثمة» حديث (٩٦٥).
-
ومن الإشكالات أيضا صفة الإسناد الأول بعد الملتقى، وكذلك تحديد المعطوف عليه، وسقوط أداة العطف، أو زوغان البصر عنها، أو استبدالها بعن.
-
فرواية سفيان السابقة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، يحتمل فيها أن تكون رواية عمرو، عن عطاء، هي أيضا عن ابن عباس، ويحتمل أن تكون عن عمرو، عن عطاء مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وهذا هو الراجح (٢) .
- (٢)ينظر: «صحيح البخاري» حديث (٧٢٣٩)، و «مسند الحميدي» حديث (٤٩٢)، و «تحفة الأشراف» ٥: ٨٧، ٩٦، وانظر مثالا آخر لسفيان بن عيينة في: «مسند الحميدي» حديث (٧٨٨ - ٧٨٩).
-
ومن ذلك ما رواه سفيان بن عيينة أيضا، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن عباد بن تميم، عن عمه: «أنه شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى يسمع
ج ١ ص ٧٠صوتا، أو يجد ريحا»، وفي بعض رواياته: عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم ... (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (١٣٧)، و «صحيح مسلم» حديث (٣٦١)، و «سنن أبي داود» حديث (١٧٦)، و «سنن النسائي» حديث (١٦٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٥١٣).
-
وكذا رواه محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، إلا أنه رواه بلفظ: «لا وضوء إلا فيما وجدت الريح، أو سمعت الصوت» ، دون قصة (٢) .
- (٢)«مسند أحمد» ٤: ٣٩، و «صحيح البخاري» بعد حديث (٢٠٥٦).
-
فرواية سعيد بن المسيب يحتمل أن تكون مرسلة، ويحتمل أن تكون من روايته عن عبدالله بن زيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كرواية عباد بن تميم (٣) .
وروى مسلم قال: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، وحميد، عن أنس ... » (٤) .
قال أبو علي الجياني: «ظاهر هذا الإسناد أن شعبة يرويه عن قتادة، وحميد، عن أنس، وباطنه أن أبا خالد الأحمر يرويه عن حميد، عن أنس، وعن شعبة، عن قتادة، عن أنس» (٥) ، ثم روى بإسناده إلى أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، وشعبة، عن قتادة، عن أنس ... (٦) .
ج ١ ص ٧١قال النووي تعقيبا على إسناد ابن أبي شيبة هذا: «فيه أيضا إيهام، فإن ظاهره أن حميدا يرويه عن قتادة، وليس المراد كذلك، بل المراد أن حميدا يرويه عن أنس كما سبق» (١) .
وقال مسلم أيضا: «حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، قال: ويحيى بن يمان حدثنا، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «إن كنا آل محمد - صلى الله عليه وسلم - لنمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء» ، » (٢) .
- (٣)انظر: «صحيح البخاري» حديث (١٧٧)، (٢٠٥٦)، و «مسند أحمد» ٤: ٤٠، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٥٣٤)، و «تحفة الأشراف» ٤: ٣٣٦، و «فتح الباري» لابن حجر ١: ٢٣٧.
- (٤)«صحيح مسلم» حديث (١٨٧٧).
- (٥)«تقييد المهمل» ٣: ٨٨٥.
- (٦)وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» ٥: ٢٨٩، كما ساقه مسلم، لكن وقع في إحدى النسخ: «عن قتادة، عن حميد، عن أنس» فأثبتها المحقق، وخطأ الصواب الذي في النسخة الأخرى: «عن قتادة، وحميد ... »، وقد رواه عبدالله بن أحمد في زياداته على «المسند» ٣: ٢٧٨، عن أبي بكر بن أبي شيبة كما ساقه أبو علي الجياني، فيحتمل أن تكون هذه رواية ابن أبي شيبة في «مسنده»، وما عند مسلم من «المصنف».
- (١)«شرح صحيح مسلم» ١٣: ٢٤.
- (٢)«صحيح مسلم» حديث (٢٩٧٢).
-
فالقائل: ويحيى بن يمان حدثنا، هو عمرو الناقد، نبه عليه الجياني، وذكر أنه وقع في بعض نسخ «صحيح مسلم» : حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا عبدة، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن هشام، قال الجياني: «وهذا وهم، ليس يروي عبدة، عن يحيى بن يمان» (٣) .
وقال الزيلعي في تخريجه لحديث: «ثم روى -يعني البيهقي- من حديث
ج ١ ص ٧٢عبدالله بن الأجلح: حدثنا أبي، عن يزيد الفقير، عن أبيه قال: سمعت الفضل بن فضالة، يحدث أبي، عن أبي حرب بن الأسود الديلي، عن أبيه -دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه-» (١) .
- (٣)«تقييد المهمل» ٣: ٩٣٥.
- (١)«تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في كتاب الكشاف» ٣: ٢١.
-
كذا ساقه الزيلعي مطولا، والصواب أنهما إسنادان، فعبدالله بن الأجلح يرويه عن أبيه، عن يزيد الفقير، عن أبيه، ويرويه عبدالله بن الأجلح أيضا عن الفضل بن فضالة، عن أبي حرب بن الأسود، عن أبيه (٢) ، فلعل الواو سقطت من نسخة الزيلعي، أو ند بصره عنها.
وروى الإسماعيلي من طريق عمار بن رجاء، عن أبي داود، عن شعبة، وحماد، عن عاصم، وشعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال عمر: «أيكم يحفظ ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ... » الحديث (٣) .
- (٢)«دلائل النبوة» ٦: ٤١٤.
- (٣)«معجم الإسماعيلي» حديث (٣٩٥).
-
مَرَّ أحد الباحثين بهذا الإسناد، ففسر حمادا بأنه حماد بن أبي سليمان، وأن في الإسناد حينئذ تحريفا، وتقديما وتأخيرا، والصواب: عن أبي داود، عن شعبة، عن حماد، وعاصم، والأعمش، واستدل على ذلك برواية الترمذي (٢٢٥٨) ، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الأعمش، وحماد، وعاصم بن بهدلة، عن أبي وائل.
-
كذا قال، والإسناد عند الإسماعيلي مستقيم، وحماد في الإسناد هو حماد
ج ١ ص ٧٣بن سلمة، وليس حماد بن أبي سليمان، فأبو داود فيه يرويه عن شعبة، وحماد بن سلمة، عن عاصم، وعن شعبة وحده عن الأعمش، وأما ما في الترمذي فيرويه أبو داود عن شعبة وحده عن شيوخه الثلاثة، ومن بينهم حماد بن أبي سليمان (١) .
- (١)ينظر: «مسند الطيالسي» حديث (٤٠٨)، و «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٤٠٧.
-
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، وعن عبدالكريم، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة مرسلا في هدي التطوع, مختصرا (٢) .
- (٢)«مصنف ابن أبي شيبة» حديث (٩٨) من الجزء الساقط من «المصنف».
-
مَرّ بعض الباحثين بهذا الإسناد، واستظهروا أن الصواب فيه: عن عطاء، عن عبدالكريم، بدون واو، وبنوا عليه أن سقطا قد وقع فيما أخرجه ابن قانع من طريق عبيدالله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن عبدالكريم، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة (٣) ، فرجحوا سقوط عطاء من الإسناد.
- (٣)«معجم الصحابة» ١: ٣١٩، وهو أيضا في «معجم الصحابة» لأبي القاسم البغوي حديث (١٢٠٥).
-
والذي يظهر أنهما إسنادان، فابن أبي ليلى يرويه عن عطاء بن أبي رباح، مرسلا، ويرويه عن عبدالكريم بن أبي المخارق، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة مرسلا (٤) .
- (٤)انظر: «علل ابن أبي حاتم» (المناسك) تحقيق تركي الغميز المسألة (٦٣). وينظر أمثلة أخرى في العطف وإشكالاته: «تقييد المهمل» ٢: ٦٨٧، ٧٠٩، ٧١٤, و «إكمال تهذيب الكمال» ١٠: ٣٨٨.